بلاد إقليم دكالة

دلت الآثار المكتشفة في كهف «الخنزيرة «جنوب الجديدة على أن المنطقة عمرت قديما منذ ما يزيد عن عشرة آلاف سنة قبل الميلاد. يرجع أصل سكان دكالة إلى المصامدة، والمصامدة أوفر قبائل البربر عددا قبل الإسلام وبعده. وقد ورد تحديد لموطن مصمودة عند المراكشي: «عرضا من النهر الأعظم أم الربيع وآخر بلادهم الصحراء وطولا من جبل درن إلى البحر المحيط « ويعني بجبل درن الجزء الغربي من الأطلس الكبير، وينقسم المصامدة إلى قسمين مصامدة السهل بين الأطلس الكبير والمحيط ومصامدة الجبل بالأطلس الكبير وما وراءه، وما يهمنا هم مصامدة السهل . ويذكر الأستاذ عبد الوهاب بن منصور في كتابه عن « قبائل المغرب « إن بعض النسابين يعد سكان دكالة من صنهاجة، وسبب هذا الخطأ ما رأوه من تعصبهم منذ الدولة اللمثونية في منتصف القرن الخامس الهجري، وإذا كانت سائر قبائل مصمودة قد بادرت إلى تأييد الدعوة الموحدية فإن قبائل دكالة قاومت الموحدين بعنف، ويرجع ابن خلدون نسب دكالة إلى صنهاجة أحيانا وإلى مصمودة أحيانا أخرى الشيء الذي يؤدي بنا إلى القول إن القبائل البربرية الدكالية كانت تضم صنهاجة ومصمودة.
وقد ازدادت أهمية دكالة باتصال السكان الأصليين بالفنيقيين والقرطاجيين من بعدهم الذين أسسوا مراكز تجارية مهمة على الساحل كآزمور ، ولتسهيل الرواج التجاري بينهم وبين البربر تغلغلوا داخل المنطقة عبر الأنهار كنهر أم الربيع . وقد أخذ البربر عن الفينيقيين و القرطاجيين حياة الاستقرار ولم يبقوا مقتصرين في معيشتهم على الصيد والقطف وتربية الماشية، بل اهتموا كثيرا كذلك بالتجارة، كما أخذوا عنهم بعض المزروعات كالحبوب وكذا صناعة الحياكة مما جعلهم يستغنون عن جلود الحيوانات، كما أخذ البربر عنهم فن البناء مثل السكن المعروف ب « تازوطا « وهو بناء يتميز عن غيره بشكله المستدير ، يبنى بواسطة أحجار ضخمة ويشبه إلى حد ما بقايا لكسوس ، ولا يوجد له مثيل في بقية أنحاء المغرب .
أما عن أسماء القبائل البربرية القديمة بالمنطقة، فالظاهر أنها ليست امازيغية الأصل ، وإنما هي أسماء أعطاها الرومان لقبائل السكان الأصليين وفي هذا الإطار يمكن إرجاع اسم «برغواطة» وهي إمارة حكمت المنطقة ابتداء من سنة 125 هجرية إلى اسم القبيلة البربرية القديمة bakouatai «باخواتاي» ولاشك أنه اسم أعطاه الرومان لهؤلاء السكان نظرا لممارستهم تقديس باخوس «إله الخمر» وربما لأن هؤلاء السكان تعاطوا كثيرا لشرب الخمر، فالعنب عرف بالمنطقة منذ القديم. وتقديس باخوس كان معروفا في وليلي لأنه تم اكتشاف تمثال صغير من البرونز له ، كما يصف البكري ديانة البرغواطيين عند بداية القرن الثاني الهجري، يظهر على أن الممارسات الدينية لأتباع باخوس انتشرت في وسط المغرب، وامتدت بعض مظاهرها إلى ما بعد دخول الإسلام، ولعل في أعمال طوائف مثل «حمادشة» و«عيساوة» ما يذكر بأعمال أتباع ديونيوس وباخوس.
ومن القبائل البربرية المهمة التي تحولت إلى أسر فقط ركراكة بني دغوغ ، بني ماكر، مشتراية، هزمير … وفي كتاب «التشوف إلى رجال التصوف» لابن الزيات وفي الفترة ما بين نهاية القرن السادس الهجري وبداية القرن السابع الهجري نجد ذكرا لرجالات من بني ماكر ورجالات من مشتراية وأشهرهم الشيخ أبي النور عبد الله ابن واكر يس المشترائي دفين وسط دكالة بسيدي بنور في القرن السادس الهجري.
ابن خلدون يذكر دكالة ضمن قبائل مصمودة السهل ويذكر معها كقبيلتين مستقلتين ركراكة وبني ماكر التي رد «مثقفوها « نسبهم إلى قريش وهو ما يفسر ما جاء في كتاب المنهاج الواضح لأحمد بن إبراهيم الماكري ص 134 «…فشيخنا (أبو محمد صالح … قريشي على كل وجه وعلى كل تقدير …»، أما الركراكيون فقد عملوا أنفسهم نازحين إلى المغرب من الأندلس لا متفرعين عن برابرته، حيث جاء في كتاب المعسول للعلامة المختار السوسي وكذا الكانوني وغيرهما كون سادتهم رجراجة انتقلوا من بلاد الأندلس، راكبين على سفينتهم في البحر بأربعة رجال، وخرجوا بإقليم حاحا، قبل الإسلام، في الجاهلية ونزلوا بأكوز… ومن هناك تفرقوا بذلك الإقليم.
وقد نصب الركراكيون أنفسهم دعاة للإسلام قبل دخول الفاتحين، وكانوا أول من أدخل المصامدة في الإسلام وعلمهم علوم الدين وعلوم الشريعة، وجاهدوا كفار برغواطة في إطار التبشير على وادي تانسيفت، ففضلوا أنفسهم على باقي القبائل لكونهم حواريين لم يعرفوا الكفر، حيث جاء في المصدرين السالفين الذكر «…وأي شأن أرفع من شأنهم على سواهم من المؤمنين لأنهم لم يدنسوا إيمانهم وإسلامهم بكفر من يوم رفع عيسى عليه السلام، لكونهم آمنوا بعيسى عليه السلام وآمنوا بمحمد (ص) قبل بعثه… وأنهم ليسوا مثل بني إسرائيل… «ولعل هذه الروايات نسجت، حسب أحمد بوشاربن بعد دخول القبائل العربية لدكالة لمواجهة افتخارها بأنسابها، أو بعد اندحار البرتغاليين الذي أرجع الفضل فيه إلى رجراجة . ومهما كانت تضاربات هذه الروايات في محاولة إرجاع النسب إلى غير البربر، فان النصوص تجمع مع ذلك على أن قبائل دكالة كانت تتكون من ستة عناصر واحد صنهاجي يوجد حول آزمور والباقي مصمودي مكون من: مشنزاية وبني دغوغ وركراكة و بني ماكر وهزميرة.


الكاتب : إعداد: أحمد مسيلي

  

بتاريخ : 23/06/2018