في عرض له بمقر حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية بسلا الموساوي العجلاوي: استقالة كوهلر مفاجئة وغير متوقعة لكنها تؤشر على منعطف كبير في نزاع الصحراء

في إطار سلسلة من الأنشطة ضمن البرنامج الفكري والسياسي والتنظيمي الذي أطلقته اللجنة التحضيرية الإقليمية للحزب بسلا، تحت إشراف وتنسيق سعيد بلوط، استضافت هذه الأخيرة المحلل السياسي والخبير في العلاقات المغربية العربية والإفريقية والشرق أوسط، الأكاديمي الموساوي العجلاوي، ليلقي عرضا حول القضية الوطنية والمستجدات الإقليمية والجهوية والدولية.
لماذا استقال هورست كوهلر المبعوث الشخصي للأمين العام لمنظمة الأمم المتحدة في الصحراء المغربية؟ هل فعلا لأسباب صحية؟ أم لانغلاق وانسداد الأفق في هذا النزاع المعقد، أم أن الرجل أصيب بالإنهاك، خاصة أن منظمة الأمم المتحدة تطالبه بتقديم تقرير مفصل كل ستة أشهر؟ … هذا جزء من مجموعة من الأسئلة استهل بها الموساوي العجلاوي عرضه الذي قدمه أمام ثلة من مناضلات ومناضلي حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية بمقر الحزب بسلا.
واعتبر الموساوي العجلاوي استقالة كوهلر استقالة مفاجئة وغير متوقعة، قد تكون فعلا لأسباب صحية، وقد تكون لحالة الإنهاك التي أصبح عليها الرجل بسبب مطالبته ليس فقط بتقديم تقرير كل ستة أشهر للأمم المتحدة بل بتقديم أدق التفاصيل، كما أنه استطاع في ظل 17 شهرا أن يقوم بمجهود كبير تمثل في جمع الأطراف المعنية بنزاع الصحراء وتكسير ذلك الجمود الذي تسرب إلى الملف.
إن هذا الاستقالة بالنسبة للمحلل السياسي العجلاوي، تشكل منعطفا كبيرا في ملف الصحراء بغض النظر عن أسبابها سواء أكانت صحية أو غيرها، باعتبار أنه رجل دولة له خبرة دولية كبيرة وتجربة عميقة وبإمكانه أن يكون أدرك الرهانات الدولية الكبرى التي بإمكانها أن تشكل أمامه حجر عثرة لإيجاد الحل السياسي المناسب لهذا النزاع الذي عمر قرابة 50 سنة.
وأبرز العجلاوي أن الأمين العام للأمم المتحدة غوتيريس حين قدم تقريرا للأمم المتحدة في بداية شهر أبريل وحتى في قرار الأمم المتحدة الأخير الذي جدد مدة بعثة المينورسو، لم تكن استقالة كوهلر واردة، بل جاء في التقرير والقرار أن هناك جولة ثالثة للأطراف المعنية بنزاع الصحراء، لكن السؤال المطروح هو ماذا وقع في شهر ماي، ليقدم كوهلر على اتخاذ قرار الاستقالة؟
هذا السؤال أجاب عنه العجلاوي بفرضيات أخرى متشعبة ومرتبطة بالمحيط الإقليمي والجهوي والدولي وحتى على صعيد منظمة الأمم المتحدة نفسها وعلى الصعيد الوطني ارتباطا بملف الصحراء.
وقدم العجلاوي جوابا أوليا في صيغة سؤال، هل أدرك كوهلر أن نزاع الصحراء حائط صعب لا يمكن تسلقه بسبب انغلاق الأفق في ظل تحولات متسارعة إقليمية وجهوية ودولية، خاصة أن دول الجوار اعتبرتها الأمم المتحدة جزءا من الحل ومطالبة بالمساهمة في إيجاد الحل السياسي المتوافق عليه. لكن، يقول العجلاوي، هناك أشياء كثيرة تجري في إفريقيا، تتميز بعودة الجنرالات وبسط أيديها على السلطة، فالوضع بالسودان يغلي وهناك صراع قوي على السلط يتحكم فيه الجيش، وبليبيا يزحف الجنرال حفتر نحو مقاليد الحكم، أما بالجزائر فلاتزال لعبة الشارع والعسكر سارية، ويبدو جليا أن الجيش هو المتحكم في الحكم وهو محرك كل الخيوط بالساحة السياسية الجزائرية اليوم، ولا يعرف بماذا سينتهي مسار المخاض الاحتجاجي للشعب الجزائري، كما أن موريتانيا مقبلة على انتخابات في شهر يونيو رغم أن هناك استقرارا في النظام والحكم.
وأشار الخبير في ملف العلاقات المغربية والعربية والإفريقية إلى أن منطقة شمال إفريقيا في تحول كبير وخطير بإمكانه أن يؤثر بشكل كبير على دول المنطقة برمتها، فإذا ما انكسرت الجزائر سيكون انعكاس ذلك بشكل خطير على دول الجوار، ليخلص العجلاوي إلى القول إن الوضع الإقليمي حول نزاع الصحراء معقد وسيزداد تعقيدا وقد يدوم النزاع سنوات، خاصة أن اجتماع مجلس الأمن الأخير وضع ثلاث نقط في جدول الأعمال ومنها ربط نزاع الصحراء مع الوضع الإقليمي، وأمام الوضع الحالي لا يبدو الأفق متاحا للحل، ليرجع العجلاوي لاستقالة كوهلر ويقول إن الرجل اقتنع بالخروج بانتصار صغير عوض أن يخرج بفشل كبير في الملف.
وسجل المحلل السياسي أن جل المبعوثين في ملف نزاع الصحراء قدموا استقالتهم على إثر أزمة، وهذا مخالف اليوم لكوهلر، إذ يبدو أن هذا الأخير استوعب أن هذا النزاع قد يدور وينقلب ليصبح ورقة لحرب عسكرية بين المغرب والجزائر، أو قد يكون ورقة لصراع بين دول كبرى، أو ورقة لاشتعال فتيل حرب دولية، خاصة أن الوضع الإقليمي والدولي خطير جدا والتحركات فيه تنذر بأن منطقة شمال إفريقيا أضحت لعبة شطرنج يبحث فيها الكل، روسيا وأمريكا وأوروبا، عن موقع وموطئ قدم، ويبدو أن الحل السياسي غامض وسيزداد تعقيدا.
وتساءل العجلاوي أمام هذا الوضع الإقليمي والدولي ما إذا كانت أمريكا ستقف أمام تجديد مهمة بعثة المينورسو، مع العلم أن هذه البعثة أعطيت لها في 1991، 7 مهام احداها وقف إطلاق النار وإجراء الاستفتاء الذي عرفت الأمم المتحدة مع مرور الوقت أنه لم يعد ممكنا.
وأكد العجلاوي أن تعويض كوهلر لن يكون سهلا وستكون فيه معارك، وتساءل هل الذي سيعوضه سيكون أمريكيا كما كان في السابق أم إفريقيا، أم سيكون هناك تفاوض بين الأمين العام للأمم المتحدة والرئيس الأمريكي ترامب.
وعلى مستوى المغرب أشاد العجلاوي بالديبلوماسية المغربية التي تكون حاضرة وتلعب دورا مهما في جميع القرارات الأممية المتعلقة بالملف، كما أشار إلى أهمية توسيع الوفد المغربي المشارك في اللقاء الذي رعته الأمم المتحدة، كما دعا العجلاوي بالإضافة إلى الحق التاريخي للصحراء المغربية إلى توظيف جانب القانون الدولي للدفاع عن القضية الوطنية، ثم إلى إعطاء إشارات قوية في مشروع الحكم الذاتي بالتقدم في مشروع الجهوية المتقدمة التي جاء بها الدستور وإعطاء الجهات إمكانية التطور لأن ذلك يشكل ورقة إيجابية للملف.
وشدد العجلاوي في الأخير على أن أكبر ورقة في الملف بالنسبة للمغاربة هي الوحدة الوطنية والإجماع الوطني لأن الدبلوماسية الرسمية والدبلوماسية الموازية ليست مسألة تكامل وترابط فقط، بل إن المنتظم الدولي إذا ما لم يأخذ الإجماع الوطني بعين الاعتبار فكأنه ينزع من الشعب شيئا من أصوله وهذا يعتبر جريمة في القانون الدولي.


الكاتب : الرباط: عبد الحق الريحاني

  

بتاريخ : 28/05/2019