النص المترجَم.. أسئلة الرحلة وأسئلة العودة

ترْحل النصوص مثلما يرحل الناس والأشياء والأفكار والرؤى.. هي الرحلة نفسها حتى وإن اختلف الفاعلون، وتباينت السياقات، وتنوعت الأزمنة، وتعددت اللغات…رحلة تتم، في الغالب، عن طريق الترجمة لقهر المسافة بين اللغات والثقافات.. وتقودنا إلى رحلة أخرى.. إنها رحلة الأسئلة التي تستدعيها هذه العلاقة بين هذه الرحلات الثلاث: رحلة الرحلة، ورحلة النص، ورحلة العودة، أسئلة تتناسل وتتعدد بحجم القضايا والإشكالات التي تثيرها هذه الممارسة التي شكلت ولاتزال لحظة مفصلية في تاريخ الحضارة والفكر الانسانيين، وشاهدا على التفاعل بين الثقافات الذي يتخذ في كل مرحلة مظهرا معينا؛ يتأرجح بين الرغبة في تحقيق تثاقف إنساني سام، وبين الرغبة في فرض مركزية تأسر نفسها في نوايا وغايات ضيقة، أسئلة تنأى، تتباعد وتدنو، لكنها تظل في بعض الأحيان أهم من الأجوبة:هل بالترجمة وحدها يرحل النص، أم يرحل بوسائط أخرى؟هل تتغير، بعد هذه الرحلة وأثناءها وبعدها،ملامح النص التي اكتسبها في لغته في زمن ومكان محددين؟ هل يختار النص وجهة رحلته أم المترجمُ هو المتحكم في تحديد هذه الوجهة؟عندما يرحل النص، ما الذي ينتقل منه إلى الضفة الأخرى: لغته، ثقافته، مؤلفه، زمنه، مُترْجِمه وثقافته، بصيغة أخرى: هل رحلته رحلة جمع أم رحلة مفرد أم هما معا؟هل يعود النص إلى موطنه، بعد رحلته هذه، كما كان قبلها: ما الذي يحمله معه عند العودة؟ وما الذي يفقده بعد هذه الرحلة؟ كيف تحدث العودة؟ وبأية وسائط؟ ما الدور أو الأدوار التي يؤديها النص بين الرحلتين، رحلة الذهاب ورحلة العودة؟ما الذي يغيره النص في مُؤلفهوجمهوره وثقافته؟ وما الذي يغيره في مُترجمه وجمهور وثقافة هذا الأخير؟ينتقل النص بين نقطتي الذهاب والوصول، هل تتبادل هاتان النقطتان الأدوار، بعد رحلة النص، فيصبح الذهابُ وصولاً والوصولُ ذهاباً؟هل الرحلة تتم دائما خارج موطن النص الأصلي وبلغة أخرى، أم يمكن للنص أن يرحل داخل موطنه وبلغته؟هل الرحلةُ، ومن ثمة الانتقال إلى الضفة الأخرى، غربةٌ وحنينٌ والعودةُ ألفةٌ ودفءٌ؟
لن تكون، بالتأكيد، الإجابة عن هذه الأسئلة وعن غيرها، متجانسة بين كل المترجمين الذين ينتمون لأجيال مختلفة، ويقومون بهذه الرحلة صحبة النص، بلغات مختلفة، وفي سياقات متنوعة، وحيدين، ينتجون الحوار ويساهمون فيه، ويعيشون لذة العبور من ضفة إلى أخرى، من إحساس إلى آخر، يستحضرون في هذه الرحلة كل محافل التداول النصي، يصارعون من أجل تحقيق الرحلة في أحسن الظروف، والوصول إلى الضفة الأخرى بأمان نسبي على الأقل، مواجهين سهام نقد تبرئ المؤلف وتدين المترجم في كتير من الأحيان، هذا الذي يُنتج، في نظر الكثيرين من هواة تثبيط العزائم، ترجمات رديئة تخدش براءة المؤلِّف، وتشوه سمعة بضاعته وتؤثر على درجة تداولها التجاري؛ ناسين بأن الرداءة ليس لها عنوان، وبأن المترجم هذا المصارع السيزيفي، الذي نكيل له كل أنواع التهم، هو الذي يستطيع بفعله أن يجيب عن الأسئلة، عن الرحلة، وعن العودة…
نص الورقة التي قدمت بها ندوة “رحلة النص وعودته” بمشاركة المترجمين:
سناء الشعيري من المغرب، كاميران حوج من سوريا وتشن تشنغ من الصين، ضمن فعاليات الدورة الخامسة والعشرين للمعرض الدولي للكتاب بالدارالبيضاء2019.


الكاتب : عزيز لمتاوي

  

بتاريخ : 23/04/2019