محمد برادة وتجربة البحث عن أفق 2/1

لابدّ أن هناك عدة مداخل يمكن الولوج منها للحديث عن شخصية الأستاذ محمد برادة..وهو أمر طبيعي بحكم اختلاف إسهاماته وتعدد عطاءاته الأكثر تنوعا وتأثيرا واقعيا ورمزيا..فالأستاذ برادة يعتبر رجل النهضة الثقافية المغربية بامتياز من خلال المشاركة الفعالة والحضور الدينامي على الأقل في المجالات الأربعة التالية:

1_مجال الدرس الأدبي في الجامعة المغربية الناشئة الذي كان أحد مؤسسيه في ستينيات القرن الماضي عندما التحق بالمدرسة العليا للأساتذة بظهر المهراز بفاس لينخرط في تجربة تربوية رائدة مازلنا ننعم بثمارها إلى اليوم من خلال تواصل الأجيال المتعاقبة التي وضعتها رهن إشارة المدرسة العمومية..وتتميز شكلا ومضمونا بانتصارها للتيار الحداثي في تلقين الآداب والفنون مع ربطها بوظائفها المجتمعية الأصيلة القائمة في أصل نشأتها أي الإعلاء من شأن الهوية المغربية والتقليص من مساحة الاستلاب للشرق أو للغرب..والحث على أن يحتل فيها الإنسان مكانه المستحق وجودا راسخا وأفقا مفتوحا.
وأما اللحظة الثانية في هذا المسار الجامعي فهي لا تقل أهمية عن الأولى وتعتبر استكمالا وتتويجا لها، وأقصد بها فتحه أوائل الثمانينات مع الأستاذ أحمد اليابوري لسلك الرواية في الدراسات العليا بكلية الآداب بالرباط. وقد تميزت دروس الأستاذ في ها الماستر خاصة بتقديم إنجازات النقد الروائي الحديث كما تبلورت على يد المدرسة البنيوية الشكلية في فرنسا (بارث،جينيت، تودوروف، كريستيفا..)، والاستئناس بالتطبيقات الإجرائية والمعالجات المنهجية التي رافقت هذا التيار عبر منشوراته ومنابره المعروفة كمجلتي (تواصلات) و(تل كيل)..وقد أثمر هذا السلك طائفة من الباحثين الشباب الذين أطّر أطروحات بعضهم الأستاذ نفسه وصار لهم موقع مرموق في الجامعة المغربية..و كان لتأثيره بالأخص امتداد خارج الجامعة في أوساط النقاد وكتاب الملاحق الثقافية..
2_مجال النقد الأدبي وله ارتباط وثيق بالمجال الأول وباشر فيه محمد برادة مساهمته الثمينة منذ وقت بعيد مستفيدا من ثقافته المخضرمة وفضوله المعرفي الذي أتاح له الانفتاح على أنواع المناهج وأنماط المقاربات وظهرت نتائجه الملموسة في متابعاته النقدية لما يصدر في المشرق والمغرب، وفي كتبه المتعددة الصادرة هنا وهناك والتي نال بأحدها جائزة المغرب للكتاب وكان لها جميعها تأثيرها المشهود على أجيال القراء والممارسين للنقد والتنظير..
3_مجال الترجمة، وسار في موازاة مع مجال النقد لدى محمد برادة بل وكان سندها المعرفي والمنهجي..وقد ترجم الأستاذ مبكرا وكثيرا فنقل أعمالا فكرية وإبداعية للكتاب المغاربة المعبرين بالفرنسية كعزيز الحبابي وعبد الكبير الخطيبي والطاهر بنجلون وعبد اللطيف اللعبي، وأعطى بذلك للقارئ العربي والمغربي صورة عن تلك الجهود الحثيثة التي ظلت تبذل في سياق ثقافة وطنية لا غبار عليها ولكن بلسان يسجنها في اغتراب لغوي مفروض لابد من مغادرته ذات يوم، وبادر بعد ذلك مدفوعا بهاجس الباحث الأكاديمي الذي كانه بترجمة رائدي النقد الغربي الحديث الفرنسي رولان بارت والروسي ميخائيل باختين..وطبعا سيكون لهاتين الترجمتين المرجعيتين تأثيرهما الكاسح الذي نعرفه عربيا ووطنيا في أوساط النقاد وطلاب الأدب..
4_مجال الإبداع الفني الذي كان فيه من مجددي الكتابة السردية المعاصرة التي ظلت قبله تراوح المكان وتجاري التقاليد السردية البائدة حتى جاء هو وكوكبة من مجايليه فرفعوا عنها الحصار وفتحوها على عوالم جديدة لم تكن تتوقع اختراقها وهي قابعة في أقماط التقليد والاجترار مع الجيل الأسبق من رواد البدايات..
ومع أنه تأخر في نشر مجموعته القصصية الأولى (سلخ الجلد) إلى أواخر السبعينات فإن لا أحد ينكر الدور الرائد الذي نهض به في وضع القصة المغربية على سكة الحداثة التي طال انتظارها..ثم حان الوقت المـتأخر قليلا هو كذلك لكي يقدم تجربته الخصيبة في مضمار الرواية التي دشنها بروايته المتحفية (لعبة النسيان.1987) التي كان لها مفعول مشهود على مسار الرواية المغربية  وواصلها بالمثابرة على نشر الرواية تلو الأخرى بإيقاع منتظم وبنكهة متميزة استقطبت مزيد القراء والمهتمين بفنه..
********
ولأننا نتوقّع أن هذه المجالات الأربعة قد ألقي عليها الضوء كفاية من طرف الباحثين فإن اختيارنا قد اتجه إلى تناول مجال آخر وليس أخير بلورته تجربة الأستاذ كرئيس لاتحاد كتاب المغرب ومساهم في إنشاء تقاليد ثقافية راسخة تواجه المدّ الجارف لأوضاع لم تكن على الدوام لصالح المثقف المغربي وأساسا بالدعوة إلى الارتقاء بممارسة الكاتب إلى صف النضال الملتزم..
وقد كان بدا واضحا، في وقت مبكر من حقبة السبعينات، بأن الظروف قد قاربت النضوج داخل اتحاد الكتاب لكي ينتقل زمام القيادة إلى جيل جديد بعقلية مغايرة وحساسية جديدة..أي عمليا من يد حزب الاستقلال الموصوف بالمحافظ إلى أيادي بديلة تبشّر بشعارات مختلفة بدأت تمارس إغراءاتها على الشبيبة من الكتاب الذين لا يبدون مقتنعين بجدوى أو أهمية أن يواصل الكتاب الاستقلاليون إدارة دفة اتحاد كتاب المغرب..ولكن كان لابد من انتظار الوقت المناسب الذي لن يتأخر طويلا..
وكان محمد برادة، المثقف العضوي الملتزم، الذي ساهم في تأسيس الاتحاد أوائل الستينات، واعترض بعنف على ممارسات الدكتور عزيز الحبابي التي كان الكثيرون يصفونها ب»اللامؤسّساتية»، قد عاش فترة في فرنسا صرفها في تهيئ أطروحته للسلك الثالث حول (التنظير النقدي) لدى الناقد المصري محمد مندور..ولمّا عاد إلى موقعه في الجامعة المغربية، أواسط السبعينات، وكانت هذه الأخيرة تعاني من سكرات القمع بعد الإجهاز على مكاسب الطبقة الطلابية بحظر الاتحاد الوطني لطلبة المغرب والاستغناء عن بعض الأساتذة المشتبه في ولائهم للدولة أمثال محمد عابد الجابري وعبد الكبير الخطيبي وأحمد اليابوري.. أتيح له سريعا أن يستعيد موقعه المعهود في كلية الآداب بفاس ويسهم في تجديد الدرس الأدبي الحديث بصحبة زمرة من الزملاء القدامى كحسن المنيعي ومحمد السرغيني وأحمد المجاطي والخمار الكنوني.. كما عمل على تجديد انخراطه في صحافة حزبه الذي تحول من الاتحاد الوطني للقوات الشعبية إلى الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية وجعل قلمه في خدمة الخط التحريري لجريدته المسمّاة المحرر التي كان يرأسها الشهيد عمر بنجلون..متعاونا مع زمرة من رفاقه أمثال الجابري والسطاتي والقرشاوي..
وأخيرا توجّه بنظره إلى اتحاد كتاب المغرب وبادر إلى مواصلة اللقاء مع أعضائه وانخرط معهم في تلك النقاشات المحتدمة التي ظلت تقوم حول موضوعات السياسي والثقافي وحول حرية الكاتب وهويته ومطالب الالتزام التي تطوّقه بها دينامية المجتمع…
ولابد أن الكثير من الكتاب كانوا مهيّئين لتقبل نوعية الخطاب الجديد الذي بدا محمد برادة بارعا في صياغته إلى حد بعيد..سواء عبر مقالاته الملتهبة في مجلة أقلام الاتحادية أو على صفحات جريدة المحرر..أو في أثناء التجمعات الثقافية والأدبية التي كان يداوم على غشيانها والتدخل في حلقاتها بهيأته العصرية وشعره المنسدل على طريقة مثقفي اليسار الفرنسي..وسوف تساعده قساوة الأوضاع السياسية والحالة الفاترة التي كانت تجتازها الثقافة المغربية إجمالا إضافة إلى البؤس المتزايد الذي ظلت تعاني منه أوضاع اتحاد الكتاب على الإمعان في التبشير برؤية ثقافية جديدة هي في الواقع مزيج مستمد من الأدبيات الاشتراكية والفكر القومي المبطن بنزعة يسارية ..كل ذلك في إطار من الروح الوطنية والإنسية المغربية وغير ذلك من توابل تلك الحقبة..
وينبغي أن نضيف إلى ذلك كله أن شخصية الأستاذ برادة الإنسانية وفكره المتفتح سيلعبان دورا كبيرا في إغراء عدد وافر من الكتاب على المراهنة عليه كرجل مناسب لهذه المرحلة..
وقد كانت الدورة الثالثة والأخيرة من ولاية الأستاذ غلاب، بين 1973 و1976، قد تزامنت مع مجموعة من الحوادث الظرفية الضاغطة دوليا (أزمة البترول..) وعربيا (حرب أكتوبر..) ومغربيا (المسيرة الخضراء..)..ورافقها احتدام ذلك الصراع الإديولوجي الآخذ في البروز بل والاحتقان بين الأعضاء المنتسبين للاتحاد (يمينيون، استقلاليون، اتحاديون، يسار ثقافي ناشئ..إلخ).. والتبلور التدريجي لفكرة كانت مهيأة للانبثاق هي إعلان الاتحاد الانتهاء من مرحلة والخوض في مرحلة جديدة يلجها بوصفه «منظمة جماهيرية مستقلة وديموقراطية».
وفي يوم مشهود من أواخر شهر ماي 1976 انعقد بأكدال بالرباط المؤتمر الخامس الذي سيكون الحدّ الفاصل بين تاريخين عاشهما الاتحاد منذ تأسيسه أوائل الستينات..وسيتميز هذا المؤتمر في المقام الأول بأنه سيكون آخر مسمار يدق في نعش طائفة الكتاب الرسميين الذين عادوا إلى رشدهم وقرروا الانصراف بغير رجعة إلى دواوينهم وأطماعهم الصغيرة، بل أكثر من ذلك سيسجّل انسحاب الطاقم الاستقلالي من التباري على عضوية المكتب المركزي بمن فيهم المرحومان عبد الجبار السحيمي والعربي المساري اللذان كانا مقربين من برادة..وهكذا سيعمل الزعيم الجديد على تقوية مكتبه بثلاثة كتاب اتحاديين اثنان منهما سيصبحان رؤساء للاتحاد فيما بعد، هما أحمد اليابوري ومحمد الأشعري، فضلا عن زميله القديم أحمد السطاتي.. وسيقوم باستعادة ممثلي المستقلين الذين غابوا في المكتبين المنبثقين عن المؤتمر الثالث (1970) والرابع (1973) في شخص الروائي مبارك ربيع والشاعر المعبّر بالفرنسية محمد الواكيرة، ولكن أهم خطوة سيقبل عليها برادة هي تمثيل اليسار الثقافي اليافع عبر مواصلة الشاعر محمد بنيس، مدير مجلة الثقافة الجديدة، لعضويته في المكتب المركزي مما سيبدو اعترافا ضمنيا من الاتحاد بوجود تيار جديد في الفكر والثقافة لا بد من إسماع صوته…
وسنلاحظ بأن هذا الحضور اليساري الذي بدا محتشما في المؤتمر الرابع سيتقوّى تدريجيا في عهد الرئيس محمد برادة وذلك في موازاة مع استبعاد العناصر الاستقلالية خلال الولايات الثلاث التي قاد فيها هذا الأخير الاتحاد..وهو أمر لا يمكن تفسيره سوى باستمرار الخلاف السياسي، بينه وبين الاستقلاليين، حول النهج الذي ينبغي للاتحاد أن يسير فيه..
وهكذا، فما إن نصل إلى المؤتمر السادس (يناير 1979) حتى يكون اليسار التقدمي قد أصبح ممثلا بثلاثة أعضاء هم الكاتبان إبراهيم الخطيب ومصطفى المسناوي إلى جانب استمرار الشاعر محمد بنيس، بينما سيختفي ممثلو التيار المستقل من الصورة من جديد..وفي الجملة، فقد بدا وكأنما صادف برادة في هؤلاء الشباب ما يُغنيه عن تلك الفسيفساء السياسية التقليدية التي لم يعد الاتحاد يرى من وراء وجودها أي طائل..
لكن ظروف المؤتمر السابع الذي انعقد بالدار البيضاء في أبريل 1981 ستشهد انفصام هذا الزواج الكاثوليكي بين الجناح الاتحادي والجناح اليساري..وسيكون انفصاما صاخبا زاد في إذكائه الحضور الانقلابي للشاعر عبد اللطيف اللعبي الذي كان قد أفرج عنه من اعتقال سياسي طويل، وإلحاح الشاعر محمد بنيس على اعتبار هذا المؤتمر مؤتمر تراجعات كما أطنب في توضيح ذلك في كلمة نشرها في الثقافة الجديدة.. وقد قاد محمد بنيس، بمعية جماعة قليلة، وكان متوّعك الصحة ويتحرك بمساعدة عكازين، صراعا مريرا خلال هذا المؤتمر ضد ما اعتبره استحواذا على الاتحاد من طرف جماعة الاتحاديين الذين لم يعد في نيّتهم الذهاب بعيدا في الاعتراف بفصيل اليسار الثقافي وإحلاله المكان المفترض أن يحتلّه داخل اتحاد الكتاب..
وحتى يغطي برادة على ذلك الفراغ الذي نجم عن إقصاء ممثلي اليسار (باستثناء المرحوم المسناوي) سيعمل على تسهيل دخول عنصر جديد يمثل حزبا يساريا تقليديا هو حزب التقدم والاشتراكية ممثلا بالشاعر إدريس الملياني الذي سيطول مقامه، لأسباب لوجيستيكية، لعدة مكاتب متوالية…
لقد عرف عن الأستاذ محمد برادة أنه يعشق الانخراط في الصراعات ويبرع في إدارة الأزمات..وسواء في كلية الآداب بالرباط التي تقاعد منها أواسط التسعينات..أو في إطار النقابة الوطنية للتعليم العالي..أو ضمن مكاتب اتحاد كتاب المغرب المتعاقبة..فقد ظل الرجل نموذجا للمناضل الصلب الذي ينافح عن حزبه ويروّج لخطه السياسي والثقافي الذي كان من أبرز مهندسيه على الإطلاق..
وفي ذلك يقول محمد برادة:»أشهد أنني لم أتلق أبدا تعليمات من قيادة الحزب الذي أنتمي إليه (..) وكنا حريصين من جهتنا على أن نعيش التجربة على ضوء الحوار الديموقراطي مع جميع المثقفين والمبدعين على اختلاف انتماءاتهم ومشاربهم. لكن الديموقراطية لا تعني في نظري ألا يدافع من يشكل توجها راجحا عن موقفه..الديموقراطية صراع أيضا وتحمل للمسؤولية في الآن والهنا وعدم الخوف من الانتماء..»
وإلى ذلك، سوف تتميز ولاية برادة بمجموعة من لحظات القوة لا يمكن للملاحظ إلا أن يسجلها في باب المكاسب التي حققها الاتحاد عبر مساره الطويل، وفي مقدمتها ما سيسفر عنه المؤتمر الخامس من إعلان للاتحاد كمنظمة جماهيرية مستقلة ديموقراطية، والعمل على تحديد مفهوم الثقافة الوطنية الديموقراطية، وتجديد مطالبة السلطات الحكومية بمنح الاتحاد صفة جمعية ذات نفع عمومي، وأخيرا وليس آخرا اقتراح صيغة لميثاق الشرف وهي الوثيقة التي جاءت لتسدّ فراغا تنظيميا ظل يشكو منه اتحاد الكتاب في غياب قانون داخلي تمتثل له جميع الأطراف..
ويعتبر ميثاق الشرف من أهم الوثائق في أدبيات اتحاد كتاب المغرب..وهي الوثيقة التي أقرّها، كما تقدم، المؤتمر الخامس للاتحاد سنة 1976 مدشنا بذلك مرحلة جديدة ومبلورا لأفق مختلف في الصراع الثقافي الذي ارتفعت حدة إيقاعه خلال السبعينات والثمانينات..وبتعبير الميثاق نفسه فإنه جاء «ليضع خطا فاصلا بين ثقافة رجعية قائمة على إديولوجية محافظة وتبريرية ملتبسة..وثقافة تنطلق من منظور قومي تحرري»..
ويتعلق الأمر في هذه الوثيقة باستعراض جملة من الأفكار تتجه إلى تحليل الوضعية الثقافية بالمغرب بعد عشرين سنة من الاستقلال ودعوة إلى تدعيم أسس أدب مغربي يستوحي قيم الثقافة القومية الجديدة المنشودة..وسواء في مضمار الكتابة الروائية أو المسرحية والشعرية والقصصية..أو في مجال التراث الشعبي المكتوب منه والشفوي..فإن المطلوب أن تستمد مشروعيتها وقيمتها من «استيحائها لأشكال الصراع الطبقي ومن تفاعلها مع الواقع المغربي الجديد.»
وسيكون الهدف المنظور والمعلن عنه هو «تحقيق ثقافة وطنية ذات مضمون تحرري ثوري ضد الأوضاع الفاسدة» تجعل من الكتابة تعبيرا عن ممارسة و»التحاما مع قوى التغيير الفعلية ومراهنة على تصور معين للمستقبل»..وينتهي هذا الميثاق الملتهب بعبارات حاسمة تذكرنا بحماس السبعينات: «إن هذه الاختيارات هي التي يلتزم بها أعضاء اتحاد كتاب المغرب عن مجتمعنا وصراعاته ومشاغله كما يستوحي الموافق الشجاعة لطلائع مثقفينا وأدبائنا ولجميع الذين جعلوا من الكلمة دربا يضيء مسيرتنا التاريخية.»
ومن جهة أخرى، وفي تزامن من الجهد التنظيمي، ستشهد الولايات الثلاث للأستاذ برادة مجموعة من الأنشطة الإشعاعية الكبيرة بهذا القدر أو ذاك والتي ستؤكد مكانة اتحاد كتاب المغرب على المستوى العربي وتخلق للشباب إمكانية التعرف عن قرب على أهم رموز الأدب العربي الحديث في حقبة السبعينات.. وكان من أبرزها إقامة لقاء الرواية العربية الجديدة بفاس الذي سيشارك في فعالياته عدد متزايد من الروائيين والنقاد العرب والمغاربة وستصدر أعماله ضمن كتاب ستنشره دار الآداب البيروتية ويكون له صدى واسع في أوساط الباحثين في الرواية العربية الحديثة…
وكان اتحاد كتاب المغرب قد دعا إلى ملتقى ثقافي عربي حول الرواية العربية بمدينة فاس أيام 21-24 دجنبر 1979..حضرته ونشطت حلقاته بالفعل ثلّة من النقاد والروائيين العرب التي لم يكن من الممكن تصور اجتماعهم في أي وقت من الأوقات ولا في أي بلد من العالم العربي للأسباب المعروفة..ولا أقل أن نذكر من بين هؤلاء برهان غليون وعبد النبي حجازي محمود أمين العالم وبطرس الحلاق وعبد الحكيم قاسم وسهيل إدريس وغالب هلسا وطراد الكبيسي وعبد الرحمن منيف وإدوار الخراط وجمال الغيطاني..كما شارك من المغاربة الأدباء والنقاد عبد الكريم غلاب ومحمد شكري ومبارك ربيع والطاهر بنجلون وعبد الكبير الخطيبي وأحمد المديني وسعيد علوش وعبدالفتاح كليطو ومحمد برادة..
وقد برز في هذا المؤتمر النقدي لأول مرة للوجود ذلك التيار العلمي، النظري والتطبيقي، الذي يستفيد من المناهج الغربية الحديثة في تفكيك وتحليل الخطابات ومقاربة الفضاءات الروائية العربية ولا يكتفي بالإنشاء الوصفي الذي يحوم حول النصوص من دون أن يتمكن من النفاذ إليها..وقد أثارت الانتباه بقوتها وطرافتها بحوث المغاربة حول المتخيل والرؤية للعالم والأزمنة الروائية..وكانت مفاهيم حديثة الوفود إلى نقدنا العربي المعاصر..كما لفتت الأنظار مقاربات بعض المشارقة بانتقادها المبكر للمنهج الواقعي والإديولوجي الذي كان رائجا ويكتسح الساحة العربية من أقصاها إلى أقصاها..
لكن أبرز مكسب حققه اتحاد الكتاب في هذا الملتقى هو إقدامه على الجمع حول مائدة واحدة بين أهم أقطاب الإبداع والنقد الروائي العربي وبخصوص موضوع غير متوقع تقريبا هو موضوع الرواية العربية الناشئة..حيث جرى الكشف المخبري عن مظاهر الأزمة الآخذة في الاستفحال إن على مستوى الكتابة الروائية نفسها من حيث شكلها وموضوعها ورؤيتها للعالم أو من جهة النقد الذي يقاربها بكثير من الانطباعية والأحكام الجاهزة والأفكار المستعجلة أو المغرقة في الخلفيات والمضمرات الإديولوجية.. أما الدرس الحقيقي الذي «لقّنه» المغاربة لزملائهم في المشرق خلال هذا اللقاء فهو واقع أن في المغرب العربي كتابا ونقادا للرواية لا يقلّون نباهة وموهبة وإنتاجا..وأن حكاية «الريادة المشرقية» لا تتضمن سوى أفضلية مزعومة وتنقصها المصداقية..


الكاتب : حسن بحراوي

  

بتاريخ : 17/11/2017