‬مخافر شرطة،‮ ‬قانون،‮ ‬وانهيار حضارات‮..‬‬‬‬‬

1- هذه الواقعة‮ .. ‬وخلفيات وضع أمني‮ ‬قانوني‬‬‬

‮«‬الفاجعة التي‮ ‬كنا نخاف أن تحدث‮‬، وقعت فعلا‮: ‬قاصر‮ (‬17‮‬سنة‮) ‬يفارق الحياة أثناء الحراسة النظرية لدى الأمن بالجديدة صباح اليوم‮ (‬الأحد‮)‬بعدما تم اعتقاله لمخالفته حالة الطوارئ الصحية‮». ‬هكذا علق الصديق عبد الله،‮ ‬على إثر الخبر الذي‮ ‬تداولته وسائل الإعلام ونشرناه في‮ ‬موقعنا عن وفاة قاصر‮ ‬في‮ ‬الجديدة‮.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
تفاصيل الحكاية،‮ ‬كما‮ ‬يستفاد من مصالح الأمن الإقليمي‮ ‬بمدينة الجديدة‮ ‬تقول‮ «‬إن قاصرا عمره‮ ‬17‮ ‬سنة،‮ ‬كان موضوعا تحت المراقبة بسبب خرق إجراءات حالة الطوارئ الصحية،‮ ‬قد وافته المنية أثناء نقله للمستشفى بسبب أزمة صحية طارئة‮.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
وكان المتوفى قد نقل فجر‮ ‬يوم أمس للمستشفى لفحص حالته الصحية قبل الاحتفاظ به مجددا تحت المراقبة،‮ ‬في‮ ‬انتظار عرضه على النيابة العامة المختصة اليوم الأحد‮.‬‬‬‬‬
غير أن المعني‮ ‬بالأمر تعرض لعارض صحي‮ ‬لاحقا مما استدعى نقله مجددا للمستشفى؛ حيث وافته المنية قبل الوصول للمؤسسة الاستشفائية‮ .‬‬‬‬
وقد أمرت النيابة العامة بفتح بحث قضائي‮ ‬من طرف المصلحة الإقليمية للشرطة القضائية،‮ ‬تحت إشرافها،‮ ‬للكشف عن جميع ظروف وملابسات القضية،‮ ‬بينما جرى إيداع جثة المتوفي‮ ‬بمستودع الأموات؛ رهن التشريح الطبي‮ ‬لتحديد أسباب الوفاة‮». ‬النازلة،‮ ‬فتحت شهية‮ ‬السؤال،‮ ‬وبعده تقدير عملية الحجر الصحي‮ ‬وما‮ ‬يترتب عنه من قضايا تهم الاعتقال‮..‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‮ ‬قبل هذه الحادثة كان صديقي‮ ‬بالجديدة قد أخبرني‮ ‬عن حالة ابنه الذي‮ ‬اعتقل بسبب الحجر الصحي،‮ ‬بالقرب من البيت‮.‬‬‬‬‬‬‬
الشاب المعتقل،‮ ‬لم‮ ‬يسمح له بمغادرة مقر الاعتقال بالرغم من أنها المرة الأولى ولم‮ ‬يكن أمام والده‮ ‬حلا‮‬،‮ ‬كدفع الكفالة لخروجه‮‬،‮ ‬كما قد‮ ‬يمكن افتراضه في‮ ‬حالات‮ ‬يكون الخطأ فيها أكثر من نية الخرق‮.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
الأكثر قسوة على‮ ‬الأب كان،‮ ‬هو أن‮ ‬يقضي‮ ‬الابن ليلته في‮ ‬المعتقل،‮ ‬إلى جانب‮ ‬آخرين‮ ‬بعدد مهم‮‬، كما أكد ذلك في‮ ‬ظروف قد تعطي‮ ‬الانطباع بأنها تشجع على الوباء أكثر مما تشجع على احترام القانون‮.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
أول ما‮ ‬يتبادر للذهن‮ ‬هو أن نتصور ثلاثين شخصا،‮ ‬قد‮ ‬يكون اغلبهم بلا كمامات ولا وسائل تنظيف ولا حفظ‮ ‬،‮ ‬في‮ ‬مكان لا‮ ‬يتجدد فيه الهواء،‮ ‬ولا منافذ فيه‮ ‬ولا طراوة،‮ ‬لمدة لا تقل عن اثنتي‮ ‬عشرة ساعة قبل عرضهم على النيابة العامة لتقرر إطلاق السراح أو المتابعة‮ ‬حينا‮. ‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
وأول ما‮ ‬يتأسس كانطباع هو‮ ‬كون الأمر مهول،‮ ‬ويصعب تصريفه‮..‬ويزداد ذلك،‮ ‬بفعل الأرقام الرسمية حول الموضوع‮..‬‬‬‬‬‬‬
فقد ذكر بلاغ‮ ‬للمديرية العامة للأمن الوطني‮ ‬أن العدد الإجمالي‮ ‬للأشخاص المضبوطين في‮ ‬إطار العمليات الأمنية المنجزة لفرض تطبيق إجراءات حالة الطوارئ،‮ ‬منذ تاريخ الإعلان عنها من طرف السلطات العمومية،‮ ‬بلغ‮ ‬72‮ ‬ألفا و685‮ ‬شخصا في‮ ‬مجموع المدن المغربية،‮ ‬من بينهم‮ ‬38‮ ‬ألفا و842‮ ‬شخصا تم تقديمهم أمام النيابات العامة المختصة بعد إخضاعهم لتدبير الحراسة النظرية‮.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‮ ‬وهذا عدد هائل‮ ‬يكشف ولا شك الصرامة في‮ ‬التعامل مع أي‮ ‬خرق،‮ ‬لكننا جميعا نطرح السؤال البدهي‮ ‬والبسيط،‮ ‬لنجد له الجواب‮:‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‮+ ‬أين‮ ‬يقيم كل هذا العدد الغفير،‮ ‬لا سيما في‮ ‬المدن المتوسطة والتي‮ ‬لا تملك بالضرورة فضاءات واسعة للتفريق بين المعتقلين أو ضمان المسافة الآمنة الواجبة؟‬‬‬‬‬
نميل كثيرا في‮ ‬وضع كهذا‮، ‬إلى التأزيم‬،‮ ‬بواسطة تكبير الصورة‮..‬‬‬‬‬
‮*‬لا بد من التمييز،‮ ‬في‮ ‬هذا الرقم بين أمرين،‮ ‬كما شرح ذلك مصدر أمني‮ ‬مسؤول اتصل به العبد الفقير لرحمة ربه‮:‬‬‬‬‬‬‬
‮ = ‬الأرقام المقدمة تميز بين المضبوطين،‮ ‬وهي‮ ‬مؤشرات لا تعني‮ ‬التوقيف بالمدلول القانوني،‮ ‬وبين الأشخاص الموضوعين تحت الحراسة النظرية‮.‬‬‬‬‬‬‬
فالرقم الإجمالي‮ ‬المضبوط بلغ‮ ‬مساء أمس‮‬685،‮‬72‭‬تم الاحتفاظ تحت الحراسة النظرية ب‮ 842،‬38 ‬شخصا‮‬، هم من تم إيداعهم بأماكن الأمن وتم إخضاعهم للتحقيق،‮ ‬بينما الباقي‮ ‬يخضعون فقط للتنقيط والتحقق من الهوية وإخلاء سبيلهم فورا‮.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
نحن إذن أمام نصف العدد‬،‮ ‬من الذين‮ ‬يتم الاحتفاظ بهم‮.‬‬‬‬
‮= ‬المستوى الثاني‮ ‬يتعلق بمكان الحراسة والاحتجاز،‮ ‬والذي‮ ‬يثير لبسا لدى‮ ‬عديدين منا،‮ ‬وقد كنت شخصيا في‮ ‬هكذا التباس‮. ‬وهو أمر أملته تخوفات انتشار الوباء‮.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
فقد خيل لي‮ ‬أنه من الممكن أن ‬يتحول مكان الحراسة إلى بؤرة ممكنة،‮ ‬وتبين‮ ‬أن من الحصيف أن نطرح سؤال الأمكنة التي‮ ‬يحتجز فيها المخالفون،‮ ‬باسم القانون وتطبيقه على من هم متهمون بخطر نقل الفيروس،‮ ‬في‮ ‬حين أن تطبيق القانون هو ذاته طريقة قد تكون الأسهل في‮ ‬نقله؟‬‬‬‬‬‬‬‬
سؤال لا تهمة فيه،‮ ‬بقدر ما هو‮ ‬يطرح بنية وهندسة‮ ‬الحجر الصحي،‮ ‬وتوفير شروطه الصحية،‮ ‬التي‮ ‬قد لا تخطر على بالنا في‮ ‬المعيش اليومي‮ ‬للقانون وتطبيقاته‮…‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
وكانت الأجوبة،‮ ‬في‮ ‬عمقها كامنة في‮ ‬هندسة العمل الأمني‮ ‬نفسه‮. ‬ويقول مصدرنا‮:«‬الأرقام المسجلة لا تتعلق بالمدن وإنما بالقيادات الأمنية‮. ‬مثلا عندما نقول إن ولاية أمن العيون سجلت ضبط‮ ‬1329‮ ‬وتم الاحتفاظ تحت الحراسة النظرية ب‮ ‬1152‮ ‬منذ بدء حالة الطوارئ‮ .. ‬فهذا ليس معناه أن مدينة العيون هي‮ ‬من سجلت هذه الأرقام،‮ ‬وإنما جميع مناطق الأمن التابعة لولاية أمن العيون وهي‮ ‬العيون المدينة،‮ ‬والداخلة،‮ ‬ومفوضية المرسى،‮ ‬والسمارة،‮ ‬وطانطان،‮ ‬وكلميم،‮ ‬وبوجدور‮.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
وبإعمال قسمة حسابية‮ (‬عدد المودعين تحت الحراسة النظرية‮ ‬1152‮ ‬مقسوم على عدد أيام الحجر الصحي‮ ‬37‮ ‬يوم فإن المعدل اليومي‮ ‬سيكون هو‮ ‬31‮ ‬تقريبًا في‮ ‬ستة مناطق أمنية وهو معدل قليل جدا‮»..‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
في‮ ‬الدار البيضاء،‮ ‬التي‮ ‬تعرف دوما تضخما في‮ ‬الأعداد،‮ ‬مدينة الملايين‮ ‬وصل عدد الذين وضعوا تحت الحراسة النظرية،‮ ‬قرابة‮ ‬8700‮ ‬شخص،‮ ‬خلال الـ37‮ ‬يوما التي‮ ‬دامها الحجر‮ ‬وطوارئ الصحة العامة،‮ ‬فإذا قسمنا العدد الكلي،‮ ‬على‮ ‬أيام الحجر،‮ ‬ثم قسمناه على‮ ‬عدد مقرات الأمن المخول لها استضافة المعتقلين،‮ ‬أي‮ ‬12‮ ‬دائرة أمنية محلية،‮ ‬فإننا نكون أمام معدل لا‮ ‬يتجاوز‮ ‬20‮ ‬موقوفا‮.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
وبذلك تتضح الصورة أكثر‮.‬‬
‮+ ‬كان السؤال الذي‮ ‬يلح على الذهن أيضا هو‮: ‬هل من الكفاية،‮ ‬أن نطالب الأمن بتطبيق القانون بصرامة بدون أن نمكنه من الوسائل،‮ ‬ولا سيما الفضاءات التي‮ ‬تساعده على حراسة في‮ ‬ظروف آمنة،‮ ‬لمن هم تحت طائلة القانون؟‬‬‬‬‬‬‬‬
‮ * ‬يتضح من معطيات البحث والتحري‮ ‬أن مصالح الأمن عبأت جميع سيارات الخفر والنجدة لنقل الموقوفين بشكل متفرق أي‮ ‬بأعداد قليلة تحترم إملاءات التباعد الاجتماعي‮ ‬وضرورات الأمن،‮ ‬ناهيك عن تعقيم جميع السيارات والمركبات،‮ ‬كما تقوم بتعقيم كل المقرات‮..‬‬‬‬‬‬‬‬
والذي‮ ‬استبعدناه‬،‮ ‬بدون تقدير تأثيره هو تناقص وانخفاض عدد الموقوفين عن‮ ‬ذمة الجرائم المعتادة‮.. ‬ونقصد بذلك السرقة،‮ ‬والخصومات والسكر العلني‮.‬‬‬‬‬‬‬
فقد كان عدد السكارى، في‮ التقدير‮ ‬الرقمي‮ ‬للوضعية‮ ‬يفوق بكثير معدل ما‮ ‬يتم‮ ‬توقيفه اليوم، وعدد الأماكن المحجوزة للتوقيف اليوم‬،‮ ‬تسمح بإقامات فردية أحيانا،‮ ‬مع وجود استثناءات‮‬،‮ ‬لا‮ ‬يمكن أن نتجاوزها‮..‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‮+: ‬أليس من المنطقي‮ ‬أيضا أن‮ ‬يكون الذين‮ ‬يسهرون على‮ ‬تطبيق القانون في‮ ‬منأى من الإصابات بالعدوى،‮ ‬وفي‮ ‬ظروف لا تقل أهمية‮ ‬وخطورة عن تلك التي‮ ‬يمارس فيها أهل الصحة،‮ ‬بل لعل الخطورة تزداد مع تنوع العناوين التي‮ ‬يكون عليهم أن‮ ‬يعايشونها…؟‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‮*: ‬قال مصدرنا إنه لم‮ ‬يثبت لحد الساعة أن وقعت حالة عدوى بسبب العمل في‮ ‬مجال التوقيف أو الحراسة النظرية،‮ ‬بل الحالات التي‮ ‬تم تسجيلها في‮ ‬صفوف الأمن،‮ ‬إما كانت جراء المخالطة،‮ ‬أو عبر بوابات المطارات‮…‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‮+ ‬بل أليس من المنطقي‮ ‬أن نبدأ العقوبات بالأخف‮ ‬إلى الأثقل في‮ ‬ما‮ ‬يتعلق بهذا الجانب‮..‬؟‬‬‬‬‬‬
‮ * ‬هنا مربط الفرس‮.‬‬‬
الإجراءات مشروعة وشرعية،‮ ‬وليس هناك ما هو أقل منها للأسف،‮ ‬في‮ ‬غياب بديل له علاقة بالتربية المدنية والحضارية التي‮ ‬لا تحتاج إلى‮ ‬جزر ولا حجر،‮ ‬في‮ ‬العالم كله وليس في‮ ‬المغرب‮ ‬حصرا‮. ‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‮ ‬الإجراء،‮ ‬والتشريع المرافق له، الاستثنائي،‮ ‬ليس في‮ ‬المنطق مجرد‮ ‬بديل بسيط لإجراءات تتم في‮ ‬الظروف العادية‮، ‬بل هو‮ ‬رخصة استثنائية مقننة تفرضها البداهة والعقل السليم قبل المبدأ التشريعي‮..‬لكن السلطة التشريعية لا‮ ‬يمكنها أن تظل صامتة،‮ ‬بمتابعة سلبية فقط،‮ ‬بل عليها أن تعطي‮ ‬للسلطة الزجرية،‮ ‬وهي‮ ‬الأمن والقوات المحافظة على‮ ‬الأمن العام الوسائل المادية والبشرية والقانونية لذلك،‮ ‬وهنا لا بد من إعادة النظر في‮ ‬المرسوم الخاص بالطوارئ الأمنية في‮ ‬متابعة الطوارئ الصحية،‮ ‬لا بد من عقوبات بديلة،‮ ‬كالغرامات،‮ ‬من منطق معمول به في‮ ‬حوادث السير،‮ ‬وهي الغرامات الجزافية التصالحية،‮ ‬والتي‮ ‬تعطي‮ ‬بابا لتقليص عدد الموقوفين أو الحراسات‮ ‬أو المتابعات‮. ‬وهنا‮ ‬تطرح المعالجة‮ ‬نفسها،‮ ‬من باب إعادة النظر في‮ ‬المرسوم المعني‮ ..‬ضرورة توفر الأمن اليوم على‮ ‬نفس المسطرة في‮ ‬الحوادث،‮ ‬لكي‮ ‬نقلل من الحراسات النظرية ومن التوقيفات،‮ ‬وتخفيف الضغط النفسي‮ ‬على‮ ‬العائلات والمعتقلين والضغط الميداني‮ ‬على الأمنيين‮..‬ ‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
إن الوضع‮‬، في‮ ‬عمقه،‮ ‬محاولة للجمع بين اشتراطات تكاد تكون متناقضة‮: ‬فرض الحد من الحرية بالقانون لكي‮ ‬يبقى الجميع ويقبل الحد من حريته بالمسؤولية‮..‬‬‬‬‬‬‬
وقبل هذا النقاش هناك عمق إنساني صحي‮ ‬لا‮ ‬يمكن القفز عليه‮.. أ‬فليس هذا هو الهدف الأسمى‮ ‬من كل هذا‮، ‬هو‮ أن‮ ‬يكون المحتجز آمنا،‮ ‬والشرطي‮ ‬آمنا‮‬،‮ ‬والمحيط آمنا؟‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬

2- علم انهيار الحضارة‮..‬‬‬

 

La collapsologieهو علم‮ ‬يهتم بانهيار الحضارة‭.‬‬‬
نعم،‮ ‬هو علم قائم وله أتباعه ومنظروه‮ ‬يسمى علم انهيار الحضارة‬‬
‮ ‬واسمه مشتق‮ ‬من الإنجليزية والإغريقية معا:‬‬
كولابس‮ ‬collaps‮ ‬بمعنى انهيار بالإنجليزية.‬‬
لوغوس‮ ‬logos‮ ‬ويعني‮ ‬خطابا أو علما بالإغريقية.‬‬‬
أحد منظريه‮ ‬في‮ ‬فرنسا‮ ‬يدعى‮ «‬بابلو سيرفيني‮» ‬وهو‮ ‬يعتبر بأن كوفيد 19 «‬سكتة قلبية شاملة تبين الهشاشة القصوى ‬لمجتمعاتنا‮»..‬.‬‬‬‬‬‬‬
هل هذا صحيح؟
سؤال سيجيب عنه عملاء الحفريات في‮ ‬المستقبل‮!‬‬‬
الأركيولوجيون‮..‬‬
‮ ‬هو أيضا قال مثل ادغار موران‮: «‬لقد كنت أستبق العديد من الأزمات‮ ‬لاسيما المالية‮ ‬والمناخية أو الطاقية،‮ ‬لكن هذه الازمة لم أتوقعها أو لم أرها قادمة،‮ ‬بالرغم من أنني‮ ‬كنت أعرفها نظريا‮!»… ‬‬‬‬‬‬‬‬‬

‬3- هل هناك خيال سياسي‮ ‬جديد؟‬‬

 

يمكن القول بنعم‮. ‬الوباء فتح ثغرة في‮ ‬هذا الجدار الذي‮ ‬كان‮ ‬يسمى عالما مرسوما بشكل حتمي‮ ‬ونهائي‮.. ‬‬‬‬‬‬‬
والثغرة في‮ ‬المخيال السياسي‮ ‬القادم مهمة‮‬،‮ ‬إذ‮ ‬يبدو من خلالها أن كل شيء ممكن‮ ..‬‬‬‬‬‬‬
الحسن والأحسن
‮ ‬السيء والأسوأ‮..‬‬‬
لنا أن نختار،‮ ‬أو نتحمس،‮ ‬حسب زاوية النظر ووسائل العمل‮ ‬التي‮ ‬نختارها‮.‬‬‬‬‬‬
والخيال‮ ‬أيضا؟‬
بأي‮ ‬وسيلة تتخيل وتحلم‮ ‬أنت،‮ ‬لكي‮ ‬تحدد عواطفك‮: ‬هل ستخاف من ثغرة المخيال السياسي‮ ‬الجديدة،‮ ‬وتتمنى أن‮ ‬يبقى ماهو قائم قائما‬‬‬‬‬‬‬‬
‮ ‬أم ستتحمس وتشعر بالحبور؟‬‬
‮ ‬لذلك لا بد من تحديد الموقف من أشياء تبدو طبيعية ولكنها ليست كذلك‮:‬‬‬
‮ ‬ضرورة وجود وسائل عمل عمومية.‬
ضرورة‮ ‬الحفاظ على الشعوب في‮ ‬حالة اجتماعية جيدة‮: ‬‬‬‬
بتوفير‮ ‬خدمات التغذية والصحة والمساواة والبيئة‮..‬‬‬
‮ ‬غير أن سياسة عمومية قوية،‮ ‬جديدة،‮ ‬يفتحها المخيال السياسي‮ ‬الجديد،‮ ‬لا تعني‮ ‬تغييرا عميقا وبنيويا‮‬،‮ ‬فلا بد له من مقدمات‮:‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‮ ‬طي‮ ‬صفحة‮ ‬إيديولوجيا التنافسية،‮ ‬والأنانية الممأسسة،‮ ‬وذلك بالذهاب نحو التعاون والتضامن‮ ‬والمزيد منهما معا‮..‬‬‬‬‬‬‬‬
خيال سياسي‮ ‬جديد‮ ‬يعيدنا إلى‮ ‬هذه البداهة‮!‬‬‬‬‬
‮ ‬فهل هذا‮ ‬يعني‮ ‬أننا تنكرنا له فسخر منا وعاد‮ ‬من جديد؟‬‬‬‬

4- العولمة‮: ‬هل دفناها بعجالة‮ ‬قبل أن نتأكد من موتها؟‬‬‬


‬الذين‮ ‬يدافعون عنها،‮ ‬مثل‮ «‬آلان مينك‮»‬،‮ ‬يقولون إن الوباء كان وراءه خفاش والبانغول‮ ‬أو«أم قرفة‮»‬،‮ ‬وهو ما لا‮ ‬يمكن اعتباره نتيجة مباشرة للرأسمالية.‮ ‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
الخفاش سابق عن العولمة‮..‬‬
كما أن التهامه كان بمحض تقاليد صينية ضاربة في‮ ‬الزمن‮..‬‬‬
هنا تكون العولمة مثل الخفاش والقطط، لها أرواح عديدة منها ما‮ ‬يعرفه أنصارها‮:‬‬‬
‮ *‬العولمة الرقمية،‮ ‬وقد خرجت منتصرة من الوباء‮‬،‮ ‬بل تأكدت وتكرست كأفق اقتصادي‮ – ‬بيداغوجي‮ – ‬اجتماعي‮ ‬تعويضي‮ ‬رهيب‮..‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‮*‬العولمة‮ ‬المالية،‮ ‬وهي‮ ‬تمثل الرئة التي‮ ‬يتنفس بها العالم‮ ‬اليوم‮ -‬حتى وهو‮ ‬يعاني‮ ‬من تنفس حاد بسبب الوباء‮- ‬لأن حركة الرساميل والأموال وحرية تنقلها جزء من العالم الحديث‮. ‬حتى الراديكالي‮ ‬يساريا لا‮ ‬يمكنه أن‮ ‬يعاديها أو‮ ‬ينعيها على الأقل.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‮*‬عولمة المنتوجات،‮ ‬ويمكنها أن تتأثر سلبا،‮ ‬لأنها ارتبطت بالحاويات الصينية التي‮ ‬تجوب العالم،‮ ‬والجواب على تعثرها،‮ ‬هو إعادة توطين بعض الصناعات وعدم التركيز‮ ‬على إمبراطورية الشرق في‮ ‬تدبير‮ ‬كل هذا‮…‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‮* ‬عولمة حرية تنقل البشر،‮ ‬هذه تتطلب بعض الوقت قبل العودة إلى مجالها الحيوي، السياحة والنقل‮..‬ثمنها سيكون كبيرا ولكنه‮ ‬يعالج مع الزمن‮ …‬‬‬‬‬‬
هذا ما‮ ‬يقوله أنصار العولمة في‮ ‬رفض تأبينها‮…‬‬‬‬

 

5- عودة المجلس الوطني‮ ‬للمقاومة‮…‬‬‬‬‬


نقاش آخر،‮ ‬يغري‮ ‬من هم أمثالي‮ ‬بلا هوادة‮: ‬العودة إلى قاعدة المجلس الوطني‮ ‬للمقاومة في‮ ‬فرنسا‮. ‬إيه نعم‮!‬‬‬‬‬‬‬‬‬
استشعر المتتبعون وكتاب الافتتاحيات على‮ ‬غرار‮ «‬ناطاشا بولوني‮«‬،‮ ‬في‮ أسبوعية‮ «‬ماريان‮» ‬اليسارية ضرورة إبراز ما ورد في‮ ‬كلمة رئيس دولة فرنسا‮: ‬فقد التقطت‬،‮ ‬في‮ ‬عدد‮ ‬17‮/‬23‮ ‬أبريل الجاري،‮ ‬عبارة من خطاب الرئيس الفرنسي‮ ‬إيمانويل ماكرون قال فيها‮:« ‬سنستعيد أيامنا السعيدة‮»‬،‮ ‬وأحالتها إلى أصلها،‮ ‬في‮ ‬البرنامج‮ ‬الخاص بالمجلس الوطني‮ ‬للمقاومة‮ ‬في‮ ‬الأربعينيات من القرن الماضي،‮ ‬عندما أعلن الوقوف في‮ ‬وجه النازية والحرب من أجل التحرير‮..‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
المجلس الوطني‮ ‬تأسس في‮ ‬1943،‮ ‬وضم في‮ ‬عضويته كل التوجهات السياسية،‮ ‬وممثلين عن الصحافة،‮ ‬والنقابات والأحزاب المعارضة لحكومة فيشي المتعاونة مع النازية‮، ‬برنامجه موضوع الإحالة،‮ ‬تم الإعلان عنه في‮ ‬1944،‮ ‬وهو برنامج من شقين‮: ‬برنامج عمل فوري،‮ ‬والمقصود به العمل من أجل تحرير فرنسا‬،‮ ‬وجزء‮ ‬يهم إجراءات‮ ‬يتم تطبيقها بعد تحرير البلاد‬،‮ ‬يضم لائحة من الإصلاحات الاجتماعية والاقتصادية‮.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
كأنما‮ ‬يذكرني‮ ‬ببيان وثيقة الاستقلال في‮ ‬نفس السنة‮، ‬قبل برنامج الفرنسيين بثلاثة أشهر تقريبا والذي‮ ‬ضم شق التحرير وشق البناء الاجتماعي‮ ‬والاقتصادي‮..‬‬‬‬‬‬‬‬
لا علينا‮..‬‬
تساءلت الكاتبة عن المعنى الحالي‮ ‬الذي‮ ‬أراده الرئيس،‮ ‬مع التخوف من محاولة إسعاد الناس بالرغم من أنفهم‮. ‬وكتبت‮ ‬،‮ ‬ما ملخصه‮ «‬عند الخروج من زمن الحرب أو بعد الجائحة‮‬،‮ ‬تظهر الأسئلة التي‮ ‬لا بد منها‮‬،‮ ‬مثل السؤال المرتبط بمعرفة‮ ‬أي‮ ‬مجتمع نريد أن نعيش فيه‮، ‬وأي‮ ‬تنظيم اجتماعي‮ ‬يمكن لكل واحد منا أن يجد فيه تفتحه وازدهاره و أن‮ ‬يتمتع فيه بكل إمكاناته وشروط سعادته‮»..‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
كان جميلا أن‮ ‬يعود الفرنسيون إلى لب المشروع الذي‮ ‬قاده المجلس الوطني‮ ‬للمقاومة الفرنسية،‮ ‬المشروع المجتمعي‮ ‬في‮ ‬الربط بين الخلاص الفردي‮ ‬والجماعي‬،‮ ‬عبر‮ «‬جعل الدولة الأداة والوسيلة‮ ‬لإرادة المواطنين في‮ ‬حماية المشترك النبيل،‮ ‬والخير المشترك‮»…‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
الدولة-كم هو جميل هذا التعبير‮ – ‬أداة لإرادة المواطنين‮…‬هي‮ ‬المقدمة،‮ ‬كما ترى صاحبة الافتتاحية،‮ ‬لما جاء من‮ ‬تخطيط وتأميمات‮ ‬طالت الأبناك والتأمينات ومجال الطاقة،‮ ‬وما جاء من ضمان اجتماعي‮..‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
كان المجلس الوطني،‮ ‬هذا المعنى هو تجسيد‮ ‬عملي‮ ‬للوحدة الوطنية جمعت الجميع،‮ ‬من الدوغوليين إلى الشيوعيين‬،‮ ‬وكان قبل ذا وذاك حامل شعلة الأمل‮ ‬والطموح الديموقراطي‮..‬‬‬‬‬‬‬‬
كل هذا تذكرته كاتبة افتتاحية في‮ ‬النصف‮ ‬الأول من القرن الواحد والعشرين،‮ ‬وهي‮ ‬تسرد قرارات دوغول من أجل‮ ‬تعميق الاستدانة والرفع من التضخم،‮ ‬عوض التقشف‮ ‬الذي‮ ‬دافع عنه الكبير مانديس فرانس وقتها‮! ‬درس كبير في‮ ‬ممارسة السلطة‮!‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
مهم أيضا أن نقرأ‮ ‬في‮ ‬افتتاحية اليومية اليسارية الأكثر حداثة‮‬،‮ ‬أسلوبا وتصورا وسجالا، ما‮ ‬يلي‮:« ‬إن طموح المجلس الوطني‮ ‬للمقاومة،‮ ‬في‮ ‬اعادة تأسيس ‬مجموعة سياسية‮ ‬وطنية على قاعدة‮ ‬قيم الحرية والمساواة والأخوة،‮ ‬يجب أن تكيف مع عالم اليوم الذي‮ ‬هو عالمنا‮… ‬الكل مترابط،‮ ‬وعلينا أن نستحضر ذلك عندما نفكر في‮ ‬وضع قواعد‮ ‬مجلس وطني‮ ‬للمقاومة جديد‮!»»»‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
لا عقدة من الحديث عن المقاومة في‮ ‬عز القرن الواحد والعشرين وزمن العولمة وأزماتها.‬
لا سخرية و لا اتهام بالتقادم لقواعد العمل الوطني‮ ‬الجماعي‮..‬‬‬
هل نكون قادرين على إعطاء فرصة جديدة لتعاقد قاعدة‮/ ‬قمة مبني‮ ‬على قيم المقاومة وجيش التحرير وإعطاء إمكانية لمن لم‮ ‬يحضر الصيغة الأولى في‮ ‬أن‮ ‬يتدارك التاريخ بالدفاع عن الصيغة الثانية ؟‬‬‬‬‬
ربما‮..‬لماذا لا؟‬


الكاتب : عبد الحميد جماهري

  

بتاريخ : 28/04/2020