الغرب والقرآن -32- : أفكار حول توحيد نص القرآن – 2/2

التفكير في النص القرآني، وشرحه وتفسيره وحصر معناه، ليس انشغالا عربيا، فقد دأب المستشرقون، ومعهم الدارسون القرآنيون، على محاولة تفكيك الخطاب القرآني وارتياد علومه ومباحثه ولغاته، وتحديد نوازله ومفاتيح فهمه، وذلك في مواجهة التيارات الدينية التي تحاول فرض أساليبها بمنطق استغلاقي واحتكاري وإيماني، لا يستقيم الآن مع تعدد المناهج وطرق البحث العلمية التي تنبني على التشخيص والتحليل والتدقيق والتمحيص واستدعاء القرائن العلمية المادية والتاريخية.

يستمر المستشرق جون جلكرايست في انتقاد الإرباك الذي حصل لدى الأجيال اللاحقة حول القراءات السبعة المختلفة المفترضة والعجز الكامل للعلماء المسلمين الأوائل في تصنيف القراءات المختلفة التي كانت جميعها في المتناول بالصيغ السبعة المعروفة وهو ما يوضحه الاقتباس التالي، بحسب قوله:
قال أبو الخير بن الجزائري، في أول كتاب نشره “كل قراءة مطابقة مع العربية، حتى ولو كانت من بعيد فقط، ومطابقة لواحدة من مخطوطات عثمان، حتى وإن كانت محتملة فقط لكن مع سلسلة المراجع المقبولة، هي قراءة موثوقة لايمكن التغاضي عنها، ولا يمكن إنكارها، بل هي تنتمي الى السبعة أحرف (القراءات السبع) التي أنزل بها القرآن، وهي ملزمة للناس لكي يقبلوا بها، بصرف النظر عن كونها وردت من سبعة أئمة، أو عشرة، لكن عندما لا يكون هناك ما يدعمها تماما من قبل هذه (الشروط) الثلاثة، فإنها تُرفض باعتبارها ضعيفة أو شاذة أو باطلة، سواء أوردها سبعة أئمة أو إمام واحد”. (السيوطي الإتقان في علوم القرآن، ص 176).
ويؤكد الباحث أن “هذا الحديث يبين كيف أنه من المستحيل تحديد القراءات السبعة المختلفة في لغة تلاوة القرآن كما كانت تقرأ بالفعل في صيغها المختلفة في المجتمع المسلم وكيف لم يمكن لإثنتين منها أن ترتبطا مع بعضهما بشكل مقبول بأي طريقة بالمطلق. أي قراءة جيدة كانت آليا تعتبر واحدة من القراءات السبعة المرخصة، ليس بسبب أنها استطاعت أن تثبت إنتمائها لواحدة منها، بل لأنها أصبحت مقبولة من خلال إعتبارات أخرى- إسنادها، وإنسجامها مع النص العثماني الساكن الوحيد، و مطاوعتها مع النحو العربي الصحيح.
ويرى جون جلكرايست أنه لدى كتاب مسلمين آخرين أمثال صدّيق طريقة أسهل للالتفاف على المشكلة. إنهم يصرّحون ببساطة بأن مثل هذه الاختلافات لم تؤثر أبدا على نص القرآن المكتوب على الإطلاق، ومع ذلك الأدلة الواضحة على النقيض من ذلك في الخلاصات الشاملة للأدلة على جمع القرآن في كتاب الإتقان للسيوطي وكتاب المصاحف لابن أبي داود، وكلاهما أشار إليهما صدّيق في مقالته بإيجاز مع موافقة تامة لما جاء بهماث.
ويغتبر الباحث أن هناك طعنا أخر في جدل ديزاي والذي يبرهن على وجود النقص في نهاية التحليل. ذلك أن براهينه بأن مقياس عثمان “مقياس التخلص من كل النسخ الصحيحة المرخصة الأخرى للقرآن المجيد” يعني أن واحدة فقط من القراءات كانت معيارية لضمان الاتساق على حساب الستة الأخرى بالضد من ميزة ما قام به عثمان كاملا بالفعل.
ويذهب جلكرايست أن ديزاي يغفل حقيقة أن عثمان اختار فقط النص الساكن للقرآن مقياسا وفي استبعاد المخطوطات التي لاتحتوي على النقاط المميزة أو الحركات، تأثر بصعوبة باختلاف اللهجات في النص التي كانت تقول بوجوب الأخذ بالأحرف السبعة (كما جاء في الروايات الأولى المقتبسة التي وردت عن القراءات السبعة في صحيح مسلم). وبالتالي جاءت هناك فترة الإختيار عندما كان القرآن يتلى بحرية في العديد من اللهجات المختلفة حتى إختار بن مجاهد إعتباطيا سبعا منها حسب إختياره هو ليقدمها بإعتبارها القراءات التي كان يتحدث بها محمد.
وقال جلكرايست: “لم يخطر ببال عثمان أبداً أن يتخلص من ستة قراءات مرخصة إلهيا عندما شرع بإختيار واحدة لتكون معيارا لأغراض الإتساق كما يدعي مولانا. لقد آمن منذ البدء بأن ليس هناك أبداً ولا يجب أن يكون موجوداً غير نص واحد فريد للقرآن و نظر إلى الأدلة التي تشير إلى أن القرآن من البداية كان مقسّما بين كل أنواع القراءات المختلفة بنظرة رعب، خوفا فيما لو إستمر هذا أن يُفقد النص الأصلي برمته. وهكذا أخذ الخطوة المتطرفة لأمر الإختيار من الجميع بأن يختار واحدة لكي يبطل القراءات المختلفة للقرآن تماما لأنه أعتبر مثل هذه الممارسة بمثابة إنحراف عن النص الأصلي غير جائز”.
وتابع: “يدّعي ديزاي بشكل متواصل بأن غرض عثمان كان تأسيس واحدة من الصيغ السبعة المختلفة للقراءات على حساب الأخريات لكنه، كما قال سابقا، أضاع الغاية. لم يكن لعمل عثمان سوى النزر القليل ليفعله مع القراءات، في الحقيقة إنه ركّز قبل كل شيء على مصاحف كانت مقتصرة على مزاعم عن النص الساكن للقرآن وحده. العدد الضخم من الفروقات في القراءات كانت قد إنعكست فقط في تشكيل الحروف وهكذا فلت بفعلته تماما. أسس عثمان معيارا وحيدا هو النص الساكن للقرآن- الصيغة الأساسية- وكانت السبعة أحرف دائما معتبرة من قبل علماء الإسلام الأوائل للإبقاء على عمله ولثلاثة قرون كان القرآن يتلى رسميا بكل أنواع اللهجات المختلفة. في الحقيقة ذلك مافعله لاحقا بن مجاهد بإعتماد سبع من هذه القراءات بإعتبارها مقبولة رسميا وإستمرت في البقاء كجزء من القراءات المرخصة. وهكذا ما ألغاه عثمان كان فقط صنف من القراءات المختلفة التي أثرّت بالنص الفعلي المكتوب للقرآن وليست صيغ القراءات العديدة التي كانت منعكسة فقط في اختلاف تشكيل الحروف”.
ويستنتج الباحث أنه “لا يمكن اعتبار السبعة أحرف بأي شكل مناسبة لإرث الإسلام لوفرة من القراءات المختلفة التي نزلت جنبا إلى جنب في القرآن. ليس هناك شيئا في المدوّنات عن هذه الاختلافات أو الصيغ المختلفة اللهجات التي كانت موجود فعلا يمكن أن يرتبط بالصيغ السبعة المقبولة للقراءة كما نصّ عليها التقليد المتّبع. كتّاب من أمثال ديزاي يحاولون فرض تطابق بين الاثنين فحسب كما يعطون الموافقة الإلهية كذلك لكل الاختلافات المعروفة الموجودة، ولكن ليس هناك عالِم موضوعي في تاريخ نص القرآن يمكنه أن يجد علاقة مباشرة بين الاثنين. في الفصل القادم يتوجب علينا أن نعطي انطباعاتنا الخاصة عن الأسباب الحقيقية للقراءات المختلفة وللفقرات المفقودة من القرآن” (اعتمدنا على الترجمة التي قدمها حربي محسن عبدالله لدراسة جون جلكرايست: ” جمع القرآن السّبعة أحرف: القراءات السبع المختلفة”).


الكاتب : سعيد منتسب

  

بتاريخ : 02/06/2020