أديبات مغاربيات باللغة الفرنسية

تقديم :
كان يلزم انتظار غاية نهاية 2016 حصول ليلى السليماني،على جائزة غونكور، أهم استحقاق أدبي في فرنسا، كي يكتشف الجمهور الكبير ما يعلمه سلفا أغلب هواة الأدب: يوجد في البلدان المغاربية جيل من المبدعات باللغة الفرنسية،يتمتعن بموهبة خاصة،وبلغن الشهرة في نهاية المطاف. يتوجه تفكيرنا على سبيل الذكر إلى التونسية فوزية الزواغي التي يعرفها جيدا قراء هذا المنبر الإعلامي. المقصود مجلة ‘’المجلة’’. تقدم ياسمينة لحلو،في هذه المقالة،هؤلاء المبدعات الجدد اللواتي يؤلفن باللغة الفرنسية.
ليلى صبار :
يعتبر هذا التمزق بين الوطن الأصلي وبلد الاحتضان،دافعا متواترا تعيشه مختلف الأجيال: ولدت ليلى صبار في الجزائر سنة 1941 من أب جزائري وأم فرنسية،وهي تعيش في فرنسا منذ سنة 1961 .العلاقات الوجدانية بين الشرق والغرب،ألهمت نتاجها الروائي،على غرار عملها : لا أتحدث لغة أبي. حيث ساجلت هذا التمزق وكذا الهوة بين ضفتي البحر الأبيض المتوسط.
كوثر حرشي :
جزائرية ولدت سنة 1987،في مدينة ستراسبورغ.لقد أصدرت ثلاث روايات، منها :حجم الدمار، وفي الأصل والدنا الغامض(منشورات Actes sud). أيضا هي صاحبة رواية أثارت الانتباه، صدرت شهر شتنبر سنة 2016 ،تحت عنوان :لدي فقط لغة واحدة،ليست لغتي.بحيث ناقشت قضية كيفية تناول الكتاب الجزائريين الفرنكفونيين :((يكفي أن تكتب بلغة موليير كي تصبح معروفا ككاتب فرنسي؟)).أو هل يراعي الأدب في فرنسا صلة ضيقة جدا مع الوطن كي يكون الأمر واضحا جدا؟فرنسا العاشقة للغتها، تشعر بالغيرة إن حدث ذلك.
تستحضر الروائية الشابة كوثر حراشي مسارات خمس كتّاب جزائريين باللغة الفرنسية :(آسيا جبار، رشيد بوجدرة، كمال داود، كاتب ياسين، بوعلام صنصال )موضحة بأن الاعتراف الأدبي الذي يمنح للكتّاب الأجانب نادرا ما يكون مطلقا وكليا.إذا كان مستوى الأسلوب جديرا بالاعتبار،فهناك معايير ثانية،ذات طبيعة تتجاوز نطاق المجال الأدبي،تلعب بهذا الخصوص دورا أساسيا.يتجه التخمين عادة إلى معطيات الموهبة،الملكة، العبقرية،لكن أليس الأدب كذلك،سؤالا سياسيا؟.
الأدب المغاربي الفرانكفوني الذي تبلور خلال الحقبة الاستعمارية الفرنسية،وشكل خلال بداياته تأملا نقديا للمجتمع،مرتكزا على وعي هوياتي ثنائي،مثلته تقريبا أصوات ذكورية مثل :ادريس الشرايبي، محمد ديب، مولود فرعون.
غنيمة حرب» :
بعد هؤلاء، انكبت أجيال أخرى من الكتّاب على فحص الحقيقة السياسية والاجتماعية لحقبتهم، فطرحوا نظرة ثاقبة حول تعقد العلاقات العاطفية والملتبسة في الوقت ذاته،مع المستعمِر ولغته. هكذا صارت الأخيرة، لدى كل من يتقاسمها في العالم، موضوع صراع، طموح، اكتساح و»غنيمة حرب»حسب الصيغة الشهيرة للجزائري كاتب ياسين.
إذا اعتبرت أسماء مثل :طاووس عمروش، آسيا جبار، سمية نعمان جسوس، فاطمة المرنيسي، بمثابة رائدات الأدب النسائي المكتوب بالفرنسية،وكذا أخريات عديدات،كتبن أيضا عن معاناتهن، وطموحاتهن وأحلام نساء ممزقات بين رغبتهن في إبراز فردانية حرة تعكس اختياراتهن ثم ضغط مجتمع ينزع نحو تذويب الفردانية في الجماعة،غاية محوها.بلوغهن المعرفة الحديث نسبيا خول لهن في نهاية المطاف استخدام الكلمة، والكتابة،والخطاب والذي صار بالنسبة للعديد منهن وسيلة للانعتاق.
تعكس نصوصهن رفضا لوضعية النساء داخل البلدان المغاربية الخاضعة إلى نير السلطة البطريركية.تمثل فرنسا بالنسبة للعديد منهن البلد المستعمِر،لكنه يقدم في الآن ذاته إمكانيات تحررهن،والولوج إلى المدرسة، والجامعة.تصبح الكتابة في ذات الآن وسيلة للتحرر من الضغوط المجتمعية وكذا إعادة تأسيس الهوية أمام سلطة تكره المرأة.
تقول التونسية فوزية الزواغي :((شكلت الكتابة أصلا مسارا تحرريا بحيث أمكنني مواجهة الكثير من الطابوهات التي تضمها ثقافتي))،وبالنسبة إليها،ف:((التحرر الحقيقي تجلى عبر لغة موليير)).
مليكة مقدم :
ولدت في الجزائر سنوات الأربعينات،اختارت في سن راشد،الرحيل نحو فرنسا. سنة 1992 ،توجت روايتها :عصر الجراد،بجائزة أفريقيا-المتوسط ،التي تمنحها جمعية كتّاب اللغة الفرنسية.من بين التيمات المتواترة ضمن مؤلفاتها،وضعية المرأة في بلدها الجزائر ثم العلاقات المبهمة حيال ذلك.لكن المعركة لم تنته أبدا :لقد انبعث خلال السنوات الأخيرة،الخطاب الديني وساد الفضاء العمومي،بالتالي يظل الأدب المغاربي النسائي الفرانكفوني أكثر من أي وقت مضى، سلاحا قصد الدفاع عن الحرية.
ميساء باي :
في روايتها المعنونة ب : حيزية. التي اختيرت سنة 2015 لجائزة ‘’فيمينا’’،استعادت ميساء باي قصيدة مشهورة متداولة في بلدها الجزائر،تعرف ب «حيزية» «،تستحضرمغاربيا بشكل ما حكاية جولييت أو إيزولت.تتخيل الروائية عبر هذا النص،وضعية تلك المرأة قياسا للقرن الواحد والعشرين وتطرح السؤال التالي:((هل بوسعنا تصور استمرار هذا الأمر عندنا،بحيث لانتحمل قط رؤية أدنى قطعة جلد في الشارع؟)).
أسماء المرابط :
تساؤل تشاطره أيضا أسماء المرابط ،التي تفرض نفسها باعتبارها إحدى الوجوه البارزة لحركة نسائية مسلمة.وتنتقد في نفس الوقت الحركة النسوية الغربية المهيمنة بفرنكفونية بلد مستعمِر سابقا.كتابها، مؤمنات ونسائيات :نظرة أخرى في الأديان.بمثابة إعادة تملك للمعرفة الدينية من لدن مسلمة تتحدى من يتوخون السيطرة على الجسد النسائي وتطرح معالم جديدة في الطريق توفق بين الأيمان والتحرر.
سنة 1968تكلم عبد الكبير الخطيبي عن :’’ماقبل تاريخ الأدب النسائي».تاريخيا وثقافيا أقصيت النساء من الكلام في المجتمعات التقليدية،لكن حاليا استطعن التخلص من صمت أجبرن عليه مدة طويلة.
ياسمين شامي الكتاني :
استعادة الكلام تلك انتزعت غالبا بالثورة،وبالحيلة أحيانا. كما الوضع مع النص الشهير: حفلة .للروائية ياسمين شامي التي درست في المدرسة العليا للأساتذة الباريسية،حيث بوسع كتابة نسائية التبلور على وجه التحديد،لكن بكيفية مواربة،باختيار موضوعات ثانوية تعالج بأسلوب يثرثر، قصد الانفلات من الدوكسا،أمكنها أن تظهر كيف يأخذ الكلام شكلا كي يقاوم البطريركية والتصدي لتعنيف الأمومة.
المجازفة في التعبير :
عبر كتابات،ومقالات وكذا نصوص تخيلية،لرموز مثل عالمة الاجتماع فاطمة المرنيسي (توفيت عام 2015) ،الروائية نفيسة السباعي والشاعرة حفصة بكري الأمراني،تتجلى أصوات متعددة من أجل معانقة قضية النساء،هكذا يتصادق السياسي مع الشعري،والمتخيل مع المعاش.هؤلاء النسوة أخذن بل انتزعن الكلام والقلم كي يعبرن،يتواجدن،يقررن،ويقاومن.
آسيا جبار :
الأكاديمية آسيا جبار التي توفيت سنة 2015 ،تعتبر مثالا جليا عن هذا الأدب الجديد الذي يناقش تاريخ الاستعمار الفرنسي في البلدان المغاربية،و الارتياب من اللغة الفرنسية وكذا المحظورات المرتبطة بالجنس وحرية المرأة. تترجم روايتها :الحب و الفانتازيا، صعوبة الاختيار بين الفرنسية والعربية.لقد تمكنت أخيرا من إسماع صوتها،بعد أن نهلت من اللغة الفرنسية الانفتاح والحرية.
تعتبر آسيا جبار المرأة الخامسة التي انتخبت ضمن أعضاء الأكاديمية الفرنسية لكنها الشخصية الأولى المنحدرة من شمال إفريقيا التي استطاعت ولوج تلك المؤسسة.أيضا كانت المرأة الأولى التي استطاعت سنة1955،ولوج المدرسة العليا للأساتذة الخاصة بفتيات منطقة سيفرSévres .تصادم هاتين الثقافتين تجلى ضمن نواة عملها.تماما مثل دور النساء أثناء حرب التحرير الجزائرية وكذا تطلعهن إلى التحرير. شكلت الكتابة بالفرنسية معركة للكاتبة التي أكدت بأنها دخلت إلى الأكاديمية الفرنسية،صحبة :((أطياف لازالت حية تمثل زملاءها الكتاب،والصحفيين،والمثقفين،نساء ورجال الجزائر،الذين أدوا خلال عقد التسعينيات،الثمن بحياتهم،كي يكتبوا ويطرحوا أفكارهم أو ببساطة فقط التدريس باللغة الفرنسية)).
* كتاب ذوو عضوية كاملة :مناصرات للحركة النسائية، بالرغم منهن أحيانا،لكن أيضا أديبات أخريات فتحن الطريق،مثال :
– صوفي بسيس :ولدت في تونس سنة 1947 وهي صاحبة مؤلفات عديدة تطرقت إلى وضعية النساء في البلدان المغاربية،منها عملها :العرب، النساء، الحرية.
– ليلى مروان : كاتبة فرنسية – جزائرية،لكن بهويات أكثر رحابة،نتيجة كوسموبوليتية واعية.مع أن مؤلفاتها تحظى بتقدير كبير عند الجزائريين ،فلن تعود ليلى إلى وطنها الأم،إلا عندما تصير: ((القوانين في صالح المرأة)).
سواء في فرنسا أو الجزائر أو المغرب، تواصل مجموعة من النساء انتزاع حريتهن بالقلم.تعتبر كتاباتهن حاليا أكثر تجليا ومتداولة إعلاميا،مكنتهن من تحقيق أثر قوي جدا.صار هذا التحرر بدوره تحررا للأدب الفرنسي،بحيث أثرته هذه الكتابات التي تجاوزت حدود مساحة الهندسة ذات الأضلاع المنتظمة،وحاورت الثقافات على نحو رائع.
مع وجود فارق كبير عن الرواد،فالأقلام الجديدة كما الشأن مع ليلى السليماني،كوثر أديمي أو ميساء باي ،لاتنضوي أو على الأقل ليس فقط،ضمن أفق التأكيد الهوياتي أو النضال النسائي.بل مبدعات لهن علاقة هادئة مع تاريخهن وهويتهن.المغربية غيثة الخياط ،التي كتبت بالأخص مؤلفا، جاء عنوانه كما يلي : le Maghreb des femmes ،وتعتبر نفسها : ((كاتبة فرنسية بجنسية مغربية)).لقد انخرطت هؤلاء الأديبات،في تأمل حول جمالية الأسلوب وكذا سمات محض أدبية لعملهن.بالتالي يرفضن أن تتم قراءتهن وفق تناول مختزِل يحيلهن على أصولهن، لكن الاعتراف بهن في نهاية المطاف كأديبات،حسب التحديد الكامل للدلالة دون التفات لأصلهن أو جنسهن أو ديانتهن.
إنه سعي شرعي على الوجه الأكمل.
*هامش:
La revue ; numéro 71 ; mai-juin ; 2017 ;pp :102- 105.


الكاتب : ترجمة :سعيد بوخليط

  

بتاريخ : 12/08/2017