لحسن زينون: أول درس علمتني والدتي أن الله محبة ولا خوف منه!

أعشق تراثنا الوطني وأحترمه، ولا يمكن أن آتي إليه متطفلا

بالزمن نكون ونفنى، هو الذي ينضجنا ويقتلنا،إنه الأب الأبدي لمشمولات الوجود. والخريف بهذا المعنى هو فصل مزدوج الإحالة يشير لنهاية سنة وبداية أخرى، إنه زمن مفصلي، به نبدأ التفكير لغلة سنة كاملة .
في الخريف تستعد الطيور لتهاجر بعيدا، تعلمنا أن هذا الفصل مرتبط بالسفر والحرية والانطلاق، فالخريف يفتح الباب على مصراعيه، لتطير الأشياء مع أوراق الشجر، هذه الأوراق تدنو من الأرض، لتخبرها بأسرارها الكثيرة.
ولكي يكون للخريف جدوى ومعنى ينبغي جعله نقطة انطلاق توصلنا لمحصول معين. ولا بد لنا من تأطيره بفلسفة المشروع .
إن الخريف كان ولا يزال دائما فصلا قلقا ومضطربا، باعتباره زمنا طبيعيا يحيل على النهاية والختم المعلن لموسم كامل، لكنه يتزامن وبشكل مفارق مع بداية موسم ثقافي غير معلن عنه. فهو بهذا المعنى أي طبيعيا زمن نهايات لكنه بالمعنى الآخر أي ثقافيا زمن بدايات .
كيف يستحضر المثقف هذا الفصل القلق وكيف يتمثله، وهل تختلف الكتابة وباقي أوجه الإبداع في هذا الفصل تحديدا؟
في مدينة وجدة، وبعد تقديم عرضه الفرجوي الجميل “فرحة مغربية” في افتتاح المعرض المغاربي للكتاب، التقيت الفنان المغربي الكبيرالأستاذ لحسن زينون. وخلال هذا الحوار، أكد الكوريغرافي الكبير أن توظيف التراث ليس عملا سهلا، وأنه خريج ذاكرته الطفولية في الحي المحمدي في الدار البيضاء. كما استحضر الدور المؤثر لوالدته في توجهه الفني وخياره الجمالي الذي لم يكن ليقبل به والده آنذاك .
في الحوار أيضا، يحدثنا لحسن زينون عن علاقته الخاصة بفصل الخريف، كما يقربنا من عمله الفني البارع “فرحة مغربية”.

 

p الكوريغرافي والمخرج لحسن زينون، ماذا تمثل مشاركتك من خلال عرضك “فرحة مغربية” في معرض الكتاب المغاربي في وجدة ؟
n بداية دعيني أقول لك أنني أعتبر معرض الكتاب المغاربي في وجدة، وإن كان لا يزال في دورته الأولى، بمثابة معبد مستقبلي مضيء، من شأنه أن ينير للشبان الصغار الموجودين هاهنا طريقهم نحو الكتاب .
أما بخصوص عرضي الذي شاركت به في هذا المعرض، فقد أردت أن أطلع جمهور مدينة وجدة والجمهور الذي أتى من خارج هذه المدينة الشرقية الجميلة على عملي الأخير”فرحة مغربية”، الذي لم يعرض حتى الآن على التلفزيون المغربي، ربما لأنه لم يحن الوقت بعد، أو ربما لأن التلفزيون المغربي لم ينتبه لهذا العمل الذي أعتبره مهما كونه يشتغل على التراث المغربي وخصوصا فن العيطة .
إن هذا العرض الفرجوي الراقص ليس فيه ولا حركة جسدية أجنبية واحدة، ولكن فيه الكثير من الاشتغال على تطوير العمل التراثي المغربي. وقد أدخلت عليه رقصة “النهاري” التي تنتمي إلى التراث المحلي في المغرب الشرقي، لأنني أحب هذا النمط، ولكن أيضا ليعرف سكان مدينة وجدة أن رقصاتهم عظيمة جدا وينبغي أن يفتخروا بها. فهي تمثل كنزا ثقافيا وفنيا غنيا جدا ومتميزا داخل النسق الفرجوي التقليدي المغربي .

p من أين انبثقت لديك فكرة إنجاز هذا العرض الفرجوي الغنائي الراقص، برؤية حداثية وعمق جمالي جديد ومختلف، مستثمرا في ذلك مكونا غنائيا تقليديا مغربيا هو غناء العيطة، وذلك بتوظيف مجموعة من “الشياخ” العيطة وكذلك بعض”اللعابات” من منطقة دكالة وعبدة؟
n جاءت فكرة هذا العرض باقتراح من والي مدينة وجدة سي معاذ الجامعي، الذي كان من قبل- كما نعرف- عاملا على إقليم الجديدة. وكانت المناسبةهي أن نبدع عرضا فرجويا يليق بتدشين مسرح مهم (المسرح البلدي في الجديدة) كان مهددا بالهدم فأعيدت إليه الحياة. وهكذا أجبته على الفور بكل سرور، فكان العرض الذي شاهدته “فرحة مغربية”. وكان شرطي الوحيد هو أن يزودني بشياخ البلاد ويمدني باللعابات اللواتي يسميهن أهل المنطقة بالعونيات، وأن يعطيني الوقت الكافي لأشتغل معهم بروح مختلفة وباحترافية ضرورية. تدربنا لمدة تراوح الثلاثة أشهر تقريبا، أنجزنا فيها هذا العرض الذي شاهدته في معرض الكتاب المغاربي في وجدة. كما شاركنا به في عدة مدن مغربية، في الرباط والدارالبيضاء وأكادير وفي معرض الفرس في الجديدة، وأيضا في باريس وأمستردام وبعض أقطار العالم العربي. وكنا نجد في كل مرة الكثير من القبول من طرف الجمهور.

p لاحظت في عرضك “فرحة مغربية” أنك اخترت بعض لعيوط الصعبة نسبيا، خصوصا العيطة الحصباوية “العبدية”و”المرساوية”. كما أدمجت بعض السواكن مثل ساكن”مولاي عبد الله”و”مولاي الطاهر”. لماذا التركيز على هذين النمطين من تراث العيطة المغربية؟
n إنه اختيار. وقد كنت أدرك جيدا مدى صعوبة الاشتغال على قصيدتي”الحصبة” و”حاجتي فكريني” مثلا. كما كنت أواجه هذه الصعوبة باستشارة المختصين في مجال العيطة ومن بينهم وأهمهم الكاتب والباحث الصديق حسن نجمي. لم يكن تفكيري موجها أبدا في اتجاه الأنواع السهلة، بل على العكس تماما، حيث اعتبرت هذه التجربة بمثابة امتحان أو رهان رفعت سقفه مع أعضاء الفرقة التي اشتغلت معها. وبفضل مجهودهم الكبير استطعنا أن نفتتح بهذا العمل مهرجان العيطة في آسفي. وعبدة هي المنطقة التي يوجد فيها عدد وافر من أكبر مبدعي العيطة في المغرب. هناك وجدتهم بالمرصاد يرددون: “من يكون هذا الذي أتى إلينا من الدارالبيضاء ليعلمنا العيطة؟!”. ولكن عندما شاهدوا العرض انحنوا تقديرا ورحبوا بإمكانية التعاون معي والاشتغال المشترك من أجل تطوير وتغيير النظرة إلى هذا الفن الغنائي الموسيقي الشعري الشفوي الجميل والعميق .

p رغم تكوينك الموسيقي والكوريغرافي بالمعنى الحديث، لم تتعامل مع العيطة تعامل شخص غريب عنها، بل تصرفت كمخرج وكمختص في التعبير الجسدي بفهم واضح، وبحب ملموس لهذا اللون التراثي الغنائي؟
n إنني مغربي أولا، أعشق تراثنا الوطني وأحترمه، ولا يمكن لي أن آتي إليه متطفلا أو ألصق به ما يسيء إليه. فأنا أكن تقديرا كبيرا لأهل هذا التراث. كما أشعر بالغبن حين أرى بعض الألوان التراثية التي تحجرت في المغرب، والكثير منها قد مات وانتهى أو في طريق الانقراض مثل”عبيدات الرمى” مثلا .
هل تعرفين أن حقيقة هؤلاء وفكرة رقصتهم الأولى كانت هي القنص؟ لقد كان اصطياد الحيوانات في الماضي مطبوعا بالفرجة أيضا، إذ كانت تسبقه طقوس احتفالية تأتي بالتدريج بدءا بارتداء جلود الحيوانات، والرقص، ثم الدخول في حالة تشبه إلى حد كبير ما يسمى ب”الحضرة” أو”الجذبة”، وهي رقصة تجعلك ترتفع عن هذا العالم الحسي. كما تحدث عن ذلك جلال الدين الرومي عندما قال: “من بين الطرق التي تؤدي إلى الإله اخترت طريق الرقص والموسيقى”. ورقصات الدراويش أيضا تجسد هذه الحالة الروحية المتسامية، فعندما يبدأ الشخص بالرقص يغيب عن هذا العالم إلى عالم آخر يرتفع وكأنه يرقص مع النجوم .

p هناك قولة لبودلير معناها أن الجسد لحظة رقصه هو في الحقيقة يكتب شعرا بالحركة، في هذا السياق حدثنا عن اهتمامك بالرقص الذي هو في العمق تخليص للجسد من تلك الرزانة الزائفة والمزعومة، وأيضا عن اشتغالك على الجسد في حالته الراقصة والتي هي في العمق فكرة فلسفية؟
n أظن أن أفضل جواب على هذا السؤال هو ما تقدم به صديقي”رايموند زانتشي” حينما قال: “التاريخ مليء بشخصيات أكدت على مركزية الرقص عالميا بكل تجلياته …والذين يؤمنون بهذه الفكرة هم في رفقة جيدة مع أجدادهم”. ويعتقد “فرا انجليكو” أن الرقص جسر للعبور إلى الجنة وبالنسبة لبودلير كما سبق وأشرت، ولدى الكثير من الكتاب أيضا الكتابة رقص بالكلمات، وعند جلال الدين الرومي- المتصوف الكبير? الرقص والموسيقى طريقان يؤديان إلى الله.

p كيف توفق بين الإخراج المسرحي والإخراج السينمائي في نفس الوقت الذي تواصل فيه البحث في تراث الرقص المغربي وإعادة تقديمه للجمهور برؤية مختلفة وجديدة ؟
n الإخراج المسرحي والسينمائي عالمان مختلفان وليست هناك أي علاقة لأحدهما بالآخر،لا من حيث تسيير الممثلين أو المساحة المحدودة لخشبة المسرح، مقارنة بفضاءات السينما اللامحدودة .
في المسرح ينبغي أن ترفع صوتك كي يسمعك من يجلس في آخر كرسي داخل القاعة، أما في السينما فيكفي أن يتحدث الممثل بنبرة خافتة لتلتقط المسجلات الدقيقة إشاراته الصوتية .
أما فيما يخص سؤالك حول كيفية التوفيق والجمع بينهما فسأجيبك باختصار: الرقص هو الذي مكنني من ذلك. الرقص هو الذي فتح لي الكثير من الأبواب. لقد علمني كيف أستثمر الساحة والفضاء. إن الرقص كفيل بجعلك تتحكم في جسدك لكي يقوم بحركة معينة في انسجام مع الموسيقى التي تخترقك. في تلك اللحظة هناك الكثير من الأشياء التي تحدث في نفس الوقت .

p الفنان لحسن زينون، ألا تلاحظ أن المغاربة الذين كانوا متسامحين في الماضي مع مختلف الفنون، وبالخصوص مع الرقص، أصبحوا اليوم يعيشون نوعا من الردة في تعاملهم مع الجسد بصفة عامة ومع الرقص بالخصوص؟
n نعم بالفعل! لقد تغيرت العقليات بشكل لافت. عندما دخل الإسلام أول مرة إلى المغرب وجد ساكنة أمازيغية في هذا البلد لهم عاداتهم ورقصاتهم الخاصة، والعمود الفقري للرقصات في المغرب كما تعلمين هو “أحيدوس” و”أحواش”.
الإسلام لم يحرم الرقص أبدا، وإلا لكانت هذه الأنواع قد انقرضت منذ أمد بعيد .
أؤكد لك أن عقلية الإنسان اليوم هي التي تريد تغيير الكثير من الأشياء. ومشكلة هؤلاء الناس ليست هي الرقص ولكنه الجسد. لأنه لا يساوي في تمثلهم سوى الجنس للأسف. هذا هو أصل القضية كاملة، إنهم لا يرون جمالية الجسد وتعبيراته الرمزية. ما يرونه هو البعد الجنسي فقط. وهذه نظرة قاصرة عن إدراك المعنى الثقافي والحضاري والرمزي للتعبيرات الجسدية .

p كيف تنظر إلى أشكال فهم التراث الموسيقي والغنائي والكوريغرافي في المستقبل، أي أفق؟ وأي مصير؟
n هناك العديد من الطرق والكثير من الشعوذة أيضا، إذا لم يكن الإنسان على جانب علمي فسيتيه حتما ويفقد البوصلة . من خلال تجربتي في الرقص تعلمت أن الفنون تدرس مثل باقي العلوم .
p أنت ابن الحي المحمدي بمدينة الدارالبيضاء، وبالضبط في”درب مولاي الشريف”. حدثنا عن هذه المرحلة من حياتك في الحي؟
n ما أذكره تحديدا هو أنه لم نكن نتوفر في حينا على مدرسة. كان هناك مسجد فقط. وكنا ونحن صغار وجها لوجه أمام الشارع حيث الكثيرمن العنف. ولكن كانت هناك أيضا أشياء وعادات جميلة أسترجعها الآن بشيء من الحنين والإعجاب. هل تتخيلين معي حيا كل سكانه أجانب قادمون من أماكن مختلفة. وأبي وهو في طريقه إلى العمل لا يمتطي دراجته إلا بعدما يغادر الحي؟! كان هذا السلوك المغمور بالاحترام والتقدير متبادل بين كل جيراننا في الحي .
وكان الواحد منهم لا يشعر بأصالته وهويته إلا عندما تكون الفرصة مواتية لإقامة حفل عقيقة أو زواج أو ختان …، ذلك أنهم يستضيفون أهلهم وأبناء قبيلتهم في الساحة الكبيرة داخل الدرب حيث كانوا يقيمون أحواش أو أحيدوس … وكان ذلك هو أول تغذية فنية لي. في طفولتي شاهدت كل أنواع التراث الموجود في المغرب، بفضل ذلك توجهت نحو الرقص والتعبيرات الكوريغرافية كخيار شخصي فني إبداعي وجمالي .

p الفضل في توجهك نحو الرقص يرجع لوالدتك أيضا، حدثنا عن علاقتك بها وكيف تستحضرها الآن؟
n من أفضل من الأم لحماية ذريتها. لقد لعبت والدتي دورا حاسما في حياتي وكان لحضورها أهمية خاصة في طفولتي المبكرة. كانت والدتي قوية بشكل لا يصدق، وكانت تتحلى بالجرأة في وقت يصعب فيه تحدي السلطة الأبوية. كما كانت شريكة لي في مساري الذي اخترته. وفي كل مرة كانت تذهب فيها إلى السوق، كانت تقتصد لتقتني لي ما أحتاجه من كتب الموسيقى والزي الرسمي للرقص … كل هذا خفية عن والدي طبعا. كانت تحمي حساسيتي بشكل كبير، وهو ما أعطاني بعض التوازن .
أنا حتى اليوم لم أدفن طفولتي. وما أنا عليه الآن هو بفضل حبها الكبير، ودقتها، وحساسيتها الجميلة. هذه الأشياء هي التي جعلت مني هذا الرجل المحب دوما للجمال ولأماكن أخرى في الفن الذي وجدت من خلاله طريقي .
أذكر جيدا الدرس الأول الذي علمتني والدتي، كان هو حب الله وعدم الخوف منه. لقد كانت تردد دائما “الله محبة يا ولدي، لا تنسى ذلك أبدا” .

p نستقبل هذه الأيام فصل الخريف، وهو زمن نهايات طبيعيا،ولكنه في الوقت نفسه وبشكل مفارق يتزامن مع دخول ثقافي غير معلن عنه كيف تنظر إلى هذا الفصل القلق والمضطرب؟
n لي شعور جد خاص تجاه الخريف، لأنني ازددت فيه، في فصل الخريف تحدث الكثير من الأشياء. فالخريف يهيىء الطبيعة بعناية فائقة لتحول خاص. ومثال ذلك الأشجار التي تتعرى شيئا فشيئا خلال هذا الفصل. لكنه يهدينا في المقام الأول ظاهرة ساحرة نعبر فيها من الولادة إلى الموت. وهذا العبور يعكس الحياة العادية المنتشية بالألوان. هذا الفعل الذي أعتبره فارقا مرورا بألوان مثيرة من الأخضر للأصفر ومن الأصفر للأحمر ومن الأحمر للبني كي تنتهي بأوراق سمراء توجد ميتة على الأرض. إن الحالة النفسية للمبدع تتعرض هي أيضا لهذا التحول الخارق خلال هذه الفترة. أما الوقائع المقلقة لفصل الشتاء: عاصفة، أمطار رعدية، وظواهر موازية على الرغم من توترها وطابعها القلق فهي تغذي الأشجار والطبيعة وتهيؤها للحياة من جديد في انتظار فصل الربيع .
أستحضر الآن قولة أفريد دو فيني:”العمل هو حلم الطفولة الذي يتحقق في جدار العمر”، إذن هذا هو المعنى الذي حدثتك عنه قبل قليل، هي حياتي كلها، ما كنت أحمله كحلم بالكاد أحققه الآن، كنت مثل الخريف، الماء والشتاء والثلج… صعوبة الحياة، والمشاكل التي تحدث ثم بعد ذلك يأتي الربيع بأزهاره ووروده والروائح الزكية… هكذا أشعر بالضبط .


الكاتب : أجرت الحوار: شهرزاد عجرودي

  

بتاريخ : 16/10/2017