ما الذي تستطيعه الثقافة اليوم ؟

عبد الحميد جماهري hamidjmahri@yahoo.fr

 
أحيانا يبدو أن الخطاب الذي يغالي ويضخم من قيمة الثقافة، هو الذي، شعوريا أو لا شعوريا، يناقضها، أو، على الأقل، يكون المقابل المتوازي والموضوعي للخطاب الذي يعارضها ويستصغر شأنها..
هو نوع من السراب الثقافي، لأن الثقافة لا تستطيع القيام بكل شيء، حيث لا تستطيع الجواب على القلق الذي يعتري مجتمعا ما من انهيار نموذجه الاقتصادي مثلا..
وفي اللحظة التي ينهار فيها نموذج البلاد التنموي، يمكن أن يكون للثقافة دور في التواضع الذي يعلي من شأن النقد الذاتي وثقافة الحقيقة والتواضع الحضاري، لكنها لا يمكن أن تغني عن نسبة النمو أو عن منصب شغل..
اللجوء إلى الثقافة في لحظات الأزمة قد يعتريه نوع من الاستعلاء الممجوج والنزعة الإعلائية بالمنطق الفرويدي، نحو جوهر لا يوجد أصلا ، لأن الثقافة بلغة لورانس انجيل « ليست حملة تواصلية ناجحة» ولا يمكنها أن تختزل في ذلك..
ثانيا، اعتدنا على القول إن «المعروضة ربح»، والحال أن جزءا من «ثقافة العرضla culture de l offre « في طورها إلى إثبات نسبية نجاعتها..
فالفيلم لم يعد قادرا لوحده، وبعرضه وحده، قادرا على خلق «الثورة الحميمية» التي تحدث عنها اندري مالرو، أهم وزير ثقافة عاشته فرنسا مع شارل دوغول..
والكتاب أيضا والمسرحية كذلك، لأن المسعى الإرادوي للمبدع لا يكفي بأن ينشر ويوزع القيم الثقافية بدون فعل وسند مادي حقيقي يتضمنه تصور جدلي للثقافة..
وبالرغم من الفارق الكبير في الحقيقة الثقافية بين بلادنا وبين فرنسا مثلا، فإن المقاربات التي عددتها الكتب، التي تناولت الوضع في السنتين الأخيرتين، على ضوء مواجهة الإرهاب من جهة، وتعالي المشروع اليميني المتخلف والعنصري، تشترك في مقاربتها من حيث أولويات مراجعة السياسة الثقافية..
بالنسبة للمؤسسات الثقافية، ترى العديد من الأصوات أن الأهم ليس هو خلق مؤسسات وبنايات جديدة، بقدر ما أن المطلوب اليوم هو إعادة صياغة وظيفتها على قاعدة« العلاقة الجسدية مع المواطن».. وفي ذلك لا بد من الأخذ بعين الاعتبار التشبيك، المحلي منه والجهوي، الذي بدونه لا يمكن للثقافة أو الإنتاج الثقافي أن يقود الجمهور إلى العودة إلى قاعات السينما والمسرح والمعارض والمؤسسات التي تقدم «عروضها»….
ونحن لا يمكن أن ندفع بحب الفن وإنتاجه واستهلاكه بقيمه الثقافية إذا لم تكن لنا سياسة، أو بالأحرى تربية فنية.. ومن مفارقات وضعنا أن التربية الفنية تقتصر في المدرسة على … النشاط العلمي، لا فرق بين المراقبة المجردة لسيرة الحشرات وتربيعات الفن التشكيلي،… والحال أن هناك دعوة صريحة في الغرب اليوم، إلى مصالحة المدرسة مع التربية الفنية، بل مصالحة الطفل مع المدرسة عن طريق إعادة تملكه لتاريخه الفني …من خلال المشاريع، والعمل المشترك، وليس من خلال الامتحان الاختزالي المبني على الحفظ والاستظهار..
ولعل الفرق الواسع اليوم بين جزء من أوروبا الثقافية وفرنسا هو هذا الفرق الشاسع بين النموذجين التربويين في الفن..
نحن سنأتي بطبيعة الحال في ترتيب آخر أكثر إرهاقا..وبعدا!
المطلوب تواضع كبير وإرادة في نفس القدر وبنفسه!
وستظهر »الإصلاحات الكبرى مثل دابة تحمل أسفارا.. مرهقة ومضطربة!
ويكفي أن نراقب البنايات الكبرى، من جهة الموازاة مع تلاشي البنيات التي عمرت طويلا : مسرح عبد الرحيم بوعبيد عاطل، في الوقت الذي تتلاشى فيه دور السينما وتنقرض رويدا رويدا، وتخلو دور الثقافة من شعرائها وقصاصيها وزجاليها …الخ…
ثالثا، لا يمكن أن نتحدث عن فعل ثقافي دون برمجة تغطي الفضاءات الثقافية، ونكتفي أيضا بالاقتصار على «الدعم» الذي تحول إلى بيت مال المسلمين في عام الرمادة..
ليس من حق بلادنا أن تدفع بفنانيها ومثقفيها ورجالاتها الرمزيين إلى الانحشار في البحث عن لقمة العيش… والصراع المرير مع «الوقت«…، دون هامش من الرخاء الثقافي الذي يسمح لهم بالإبداع وتحمل العبء في إنجاح المشروع الثقافي..
تبقى النقطة التي تميز الفضاء الرمزي المشترك اليوم في بلادنا :
أولا، الرأسمال اللامادي، والذي دأبنا على تصنيفه من مدة في خانة الرأسمال الرمزي..
ومؤخرا تابعنا بغير قليل من الرتابة !!! تقرير المجلس الاقتصادي عن هذا الرأسمال، لكن معطياته أسياسية في فهم السياسة الثقافية والفعل المرافق لها.
فقد كشفت دراسة المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي وبنك المغرب أن قيمة الثروة الإجمالية للمغرب انتقلت من 5.904 إلى 12.833 مليار درهم، وذلك بما يعادل زيادة 5 في المئة سنويا في المتوسط خلال الفترة ذاتها. ويشكل الرأسمال غير المادي أهم مكونات الثروة الإجمالية للمغرب بحصة حوالي 73 في المئة .
بالإضافة إلى قياس قيمة الثروة الإجمالية للمغرب وتطور محدداتها، خلال الفترة ما بين سنتي 1999 و2013، مع تقييم حصة الرأسمال غير المادي في هذه الثروة، تقترح هذه الدراسة توصيات من أجل إدماج الرأسمال غير المادي في السياسات العمومية بهدف تسريع دينامية خلق الثروات وضمان توزيعها المنصف لفائدة جميع المواطنات والمواطنين ومختلف جهات المملكة.
وتتمحور هذه التوصيات حول سبعة محاور، خمسة منها تتعلق بالمشترك الثقافي، من قبيل تعزيز قدرات الرأسمال البشري وإرساء ميثاق اجتماعي جديد وتعزيز أرضية القيم المشتركة وجعل الثقافة رافعة للتنمية، والمحصلة أن الأمر يتعلق بتعزيز »أرضية القيم المشتركة وجعل الثقافة رافعة للتنمية من خلال تثمين وتعزيز قيم المشروع المجتمعي المشترك القائم على التسامح والعيش المشترك والحوار والتقاسم وإشاعة القيم الفردية الإيجابية الداعمة للتنمية، وحماية وتعزيز الرصيد الثقافي، المادي وغير المادي للبلاد، وتحرير المواهب والطاقات وتطوير القدرات الإبداعية«.
ثم هناك الثورة الرقمية، والتي تعد بالنسبة لنا ثورة ثقافية أكثر منها تكنولوجية أو مادية تواصلية.. إنها في عمق التحول لدى الفرد والجماعة وفي تمثل المجتمع..وقيمه.فالثقافة ليست هي التمثال أو الآثار الثقافية إنها أيضا …الشبكة التواصلية!
وما تعلمنا إياه الثورة الرقمية هو أن الإنسان لم يعد وحده من يملك الثقافة ، بل الآلة أيضا أصبحت تمتلكها.. وهي قصة أخرى..

الكاتب : عبد الحميد جماهري hamidjmahri@yahoo.fr - بتاريخ : 24/11/2017

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *