في تقديم كتاب الدكتورة نفيسة الذهبي بالمقهى الأدبي بآسفي : « خواطر من زمن آسفي الجميل»

الملسوعون بهوى آسفي تسكنهم أقواسها كما تسكن العاشق تفاصيل وجه الحبيب ، أقواس هي الذاكرة ، فضاءات حياة بكل تفاصيلها الصغيرة، أصوات روائح و ألوان و أسماء و أحداث ، أقواس المدينة تزين الغلاف ، و من الحيز المفتوح على الزرقة المتواطئة مع الحجر في بناء تاريخ المدينة المتوغل في الفرادة ، يطل عنوان الكتاب و إسم كاتبته نفيسىة الذهبي من مواليد مدينة آسفي ، تلقت دراستها في مدرسة الهداية الإسلامية لتعود إلى آسفي ، خريجة جامعة محمد الخامس بالراط ، لتنخرط في سلك التعليم بثانوية بن خلدون، وبعدها تبدأ مسارها الأكاديمي بالجامعة باحثة ومدرسة .. لن أقول أكثر ، فالكاتبة تقدم نفسها بأريحية كبيرة في هذه الكتاب السيري بامتياز .
لقد أكدت الكاتبة في العنوان شرط الخروج عن المألوف، وبذلك تكون قد حررت النص من برودة الموضوعي إلى دفء الذات وانفعالاتها ، وولجت فضاء التعبير الحر عن التجربة الذاتية وما تتطلبه من توقد للحواس وتجييش للأحاسيس، والتحكم بفعل ذلك في المسافة الفاصلة بين الذات و الموضوع . شهدنا لها ، من خلال المتن ، قدرة مبهرة على استكناه الذاكرة بتفاصيلها، ومهارة ملفتة في السرد و الوصف ..
في الشطر الثاني من العنوان : زمن آسفي الجميل تجد تحته الكثير من النزوع نحو التاريخ . فالكاتبة ترقن النص بأصابع مؤرخة، و لكنه نص يمنحك فرصة للتحليق ، في رحابة زمن تلونه الذات بألوان ما ترسب في الذاكرة من ذكريات جميلة و ارتسامات زاهية عن مدينة احتضنت طفولتها المدللة وخطواتها الواثقة التي تخطت بنجاح قساوة موت الأب ، و أخذت صاحبتها في مدارج النجاح والتميز ، زمن آسفي أزمنة .. لأن آسفي مدينة الزمن المركب ، لكن الكاتبة لا تغمس ريشتها في غير زمنها الضارب في الجمال و الذكريات السعيدة ، في ظل أسرة وهبتها أمين ، أم والدة و أخرى حاضنة …
الكتاب متحف يضم بين دفتيه حياة بكامل زهوها الفكري و الإنساني و الروحي ، حياة فرد و لكنها حياة مدينة من خلال خزائن الذاكرة الفردية والجمعية الحافلة بألوان وجودها المتأنق المبرز للغنى و الأصالة .
ينقسم الكتاب إلى ثلاثة أقسام و مقدمة
القسم الأول : تلك الأيام .. وقفات تاريخية
هنا تخوض الكاتبة في لجة التاريخ ، تاريخ المدينة ، بحصافة المؤرخ وأدواته المعتمدة على تدقيق أخباره وتسييج وثائقه بالصدقية العلمية المطلوبة ، وذكر المراجع والموثقات الضرورية ، و إن كنا نستشف روح الزهو التي انتقت بها الأحداث ، ووجهت بها مجرى الكتابة حول هذا التاريخ سنجد في هذا الفصل ما يشفي غليل الباحث مما اجتمع لهذه السيدة ولم يجتمع لغيرها .. وأكيد سيكون الكتاب بذاته مرجعا للباحثين بعدها ،سواء تعلق الأمر بالتركيبة الإثنية للمجتمع الأسفي أو بأدوارها التاريخية خلال فترات الدول المتعاقبة ، و علاقتها الدولية وصراعاتها ضد الاستعمار أو تعلق بأسماء القياد المتعاقبين عليها أو بواقع حالها جغرافيا و ثقافيا إحاطة موضوعية من خلال وقفات تاريخية مشهودة للمدينة ، وهنا تلبس الكاتبة عباءة المؤرخ وتستعمل لغته في الميتانص و في النص ، تتحدث عن الرواية الشفوية وحدودها ثم تنتقل إلى سرد بعض حلقات تاريخ المدينة ووصف نطاقها الجغرافي و بيئتها البشرية و خبرات أهلها في مجال الطبخ …لكنها ما تلبث أن تنتقل إلى الإفراج عن الذاتي و تفجير الحنين ، وتبدأ العملية بصورة لها و هي بعد طفلة يليها عنوان مثير هو « طيف مكان « و هنا يتحول الحنين إلى مفتاح لكنوز المعرفة بالمدينة من و لارتباطات بين الكاتبة و المكان ..
الفصل الثاني : إيحاءات الحنين
تتصدر الفصل صورة صبية لا تزال تسكن المرأة الناضجة الآن ، نظرتها المتحدية ، ووداعتها المميزة ، و في هذا الفصل تتخفف الباحثة من أدوات الحفر و النبش التاريخي ، وتخلد إلى ذاكرة مشرعة على فضاءات متعددة ومتداخلة وضاجة وحميمية ، فضاءات اللعب و المتعة ، فضاءات التصييف و الاستراحة ، فضاءات روحية ومزارات صوفية ، الفضاءات الأسرية البيتية و ما تزخر به من أوان و أدوات تشهد بمقدار التحضر ودرجته ، فضاءات التعليم وما تتيحه من تباري شريف و فرص للقراءة و التثقيف بوجود الكتب والمجلات ، فضاءات ، فضاءات التعلم النسائي لمهارات التطريز وغيره من خلال استحضار دار المعلمة ، ثم تنتقل إلى استحضار العادات و التقاليد من خلال عادات الأعراس و أنواع العيوط و الأناشيد الصوفية ..
في هذا الفصل نتعرف على عادات احتفالية أخرى وأنواع الأطعمة و ألعاب الأطفال و أنواع التسليات و المسامرات و الألغاز و الأحاجي و معجم المستعملات الآسفية من أواني و غيرها ..
الفصل الثالث: فصل الاعتراف
في هذا الفصل نجد الاعتراف رد جميل المدرسة و نساء و رجال التعليم، بدءا من الهداية الإسلامية وشيخها الفذ الفقيه الهسكوري ، إلى ثانوية ابن خلدون كفاتحة مسارها المهني الذي تكلل بالالتحاق بجامعة بن طفيل بالقنيطرة ، وما كان للجامعة من دور كبير في الاحتكاك بالرواد الأوائل في التاريخ ومنهم عبد الله العروي و الباحث جرمان عياش والدكتور ابراهيم بوطالب و محمد حجي و عبد الكريم كريم و محمد زنيبر .
الفصل الأخير من هذا الكتاب اختارت له الكاتبة عنوان : مفارق الذكرى ، خصصته بكثير من البر والخشوع لشخصيات لعبت في حياتها دورا فارقا .. و الدها أولا ثم والدتها ثم شقيقتها .. و أخيرا رفيق الدرب المحفوف بالعطاءات … رحلوا ولكنهم تركوا في نفسها وروحها أثرا و إيثارا ..
ويبقى الكتاب في نهاية المطاف، متحفا يضم بين دفتيه حياة بكامل زهوها الفكري والإنساني و الروحي ، حياة فرد ولكنها حياة مدينة من خلال خزائن الذاكرة الفردية والجمعية الحافلة بألوان وجودها المتأنق المبرز للغنى و الأصالة ..

* قدمت هذه الشهادة خلال تقديم كتاب” خواطر من زمن آسفي الجميل ” للدكتورة نفيسة الذهبي بالمقهى الأدبي بأسفي يوم الجمعة 16 مارس 2018


الكاتب : دامي عمر

  

بتاريخ : 27/03/2018