مضايق العتمات في ديوان « شيء ما يقع في العِلِّية»

إضاءة الاستهلال
تؤسس التجربة الشعرية للشاعر عبد الله بن ناجي مشروعيتها الإبداعية من عمق التجربة وأصالة الرؤية والخلفيات القراءاتية، ممّا حوّل الكتابة الشعرية إلى مشتل تنمو فيه هذه التجربة ،في صمت، برعاية المتمكّن من أدواته الإبداعية ، خصوصا أن الشاعر ينتمي إلى جيل التسعينيات وراكم ما راكمه من نتاج شعري له خصوصيته، التي تمتح وجودها من تصور متفرّد في الكتابة الشعرية ، ذلك أن الشعر بالنسبة إليه، عقيدة أبدية آمن بها، ومازال مُخْلِصاً لها رغم ما يعرفه العالم من تهميش للشعر ، غير أن عبد الله بن ناجي الذي يعشق الإقامة في الظل ، ينحت مشروعه الشعري بصير المجاهد المرابط ، لا يكل ولا يتسلّل إليه الفتور. فبعد أكثر من عقدين خرج بعملين شعريين وهما « هزيم المنخفض»(2014) و « كأني به التيه» (2015) ليتوِّج التجربة بديوان جديد اختار له عنونة مثيرة « شيء ما يقع في العِلِّيَّة» (2017) . مما يتطلب الوقوف مليّا على ما تزخر به من سمات جمالية وطروحات في الإبداع.

 

إن النص الشعري مجال لإبراز التوترات العميقة، التي تعبّر عنها الذات داخل سياقات تعبيرية ؛ شارعة أفق القراءة المنتبهة لتلك الذبذبات الظاهرة والخفية في نسيج النص، والمنبثقة من الإحساس بضرورة الكشف عن هذه التوترات ، عن طريق ، البحث والكشف والحفر في الأراضي البكر من أجل فتح جغرافيات منسيّة في عالم الذات المضطرب ؛ والمترع بارتجاجات لها علاقة بزاوية النظر المنطلَق منها للولوج إلى تلك العتمات التي تظل في حكم الالتباس والمحيّرة في الوقت ذاته ، الشيء الذي يفرض على الشاعر تحويل هذه التوترات الجوانية إلى لغة معجونة بماء الشعر ، ولن يتحقق هذا إلا بامتلاك القدرة على الخلق والابتداع . وفي هذا الإطار يمكننا القول إن الشعر له مناطقه الموغلة في التّخفِّي تحتاج إلى قارئ يمتلك آليات نقدية عمادها الإدراك والتأويل والمعرفة الشعرية. إن هذه المشارط النقدية الوسيلة الناجعة لتشريح العتمات النصية، وإلقاء الضياء عليها حتى تمنح بعضا منها، على اعتبار أن الشعر، في جوهره، يظل في حكم الإشارة لا التصريح، ومن تم لابد من الوقوف عند ما يجعل النص الشعري أكثر حضورا ووجودا إبّان القراءة الفاعلة المثمرة، التي تسعى إلى نسج علاقة حميمة بين الدال والمدلول الشعريين، فالعلامات الشعرية حمّالة لتأويلات مختلفة ومفتوحة على أفق لاكتشاف لُبّها وامتداداتها. ولا مشاحة في الأمر لأن الكتابة الشعرية -كما عبّرنا في البداية-ناجمة عن التوترات ولا نحصر الأمر هنا في الجانب العاطفي والشعوري، وإنما ينفتح على تلك الفتوحات الكتابية في النص، بعبارة أخرى قدرة الشعر على التعبير عن التخوم في القول والتشكيل. إن كل كتابة شعرية هي عصارة التجربة في الحياة والإبداع، وتجسيد للتصورات والخلفيات المتنوعة الينابيع وتعبير عن الموقف من الذات والعالم، فسعي الشاعر لا يكمن في الخضوع لما هو سائد في الكتابة، بل في الوصول بهذه الكتابة إلى حافة المهاوي التي تتناقض مع السطح الأسلوبي، وذلك بخلق عمق شعري ناضح بجوهر الوجود والموجود.
وتجربة الشاعر عبد الله بن ناجي يمكن اعتبارها نموذجا لهذه المضايق التي تخلقها الكتابة الشعرية، فهو، على الأقل، يؤسس لخطاب شعري يزاوج بين الذات كهوية حقيقية لأية تجربة في الكتابة، والوجود كتمثل لهذه الذات وانفتاح على سياقات معتمة تفتحها للشروع في استكناه ما يميز هذه التجربة من سمات جمالية فنية تُميّز الرؤية الشعرية للشاعر. والمتأمل في العمل الشعري الأخير الصادر عن منشورات سليكي إخوان يعطي صورة جلية حول الأفق الشعري ومسار التحولات التي مرت بها التجربة الشعرية.
1) تخومية القلق بين الذات والوجود :
من البدَهي القول إن العمل الشعري « شيء ما يقع في الْعِلِّيَّة» يشرع للقراءة مسالك ممتدة في اجتراح الدهشة والغواية، لمصاحبة خطاب شعري مختلف من حيث جدّته الإبداعية، التي لم ترسُ على شاطئ القول الشعري السائد، ولكنها اختطت لنفسها بناء شعريا متمردا ومحطّما للكهنوت الشعري، مما يمنح القدرة على اقتراف جنحة المقاربة المفتوحة على كل الاحتمالات التأويلية، إذ لا غرابة من التأكيد على كون التجربة منطلقها الأساس مرجعية فلسفية تنهل من معين القلق. هذا القلق لا يدل على معنى الاضطراب والتبرّم، بقدر ما يقصد به الاحتراق والمحنة التي تعبُرها الذات في مجابهة المعتم والملتبس في هذه الذات، التي هي في أمسّ الحاجة إلى مجاورتها بغية إدراك جوهر هذا الاحتراق، والمتمثل في رغبة الذات من التحرّر من قضبان الوجود ، للبحث عن المنافذ لمعانقة الحرية ، والعلامات الدالية التي تؤكد لنا صحة التأويل هو أن بين العلية كمكان يواري الأشياء ويحافظ على الأسرار ويسلط عليها العتمة وطيران العصافير تخوم واضحة بين المواراة والكشف ، وهنا مجلى هذا القلق الذاتي الذي يعتور الذات . فالذات، واعتمادا على تقنية الرصد الشعري، تكشف عن العتمات بالحديث عن سماع الهمس والفئران الزرقاء والورق الممتلئ سوادا؛ والغيم الجاف والهواء مصاب بالاختناق، وعن التوجس الذي يقض مضجعها دليل على أنها توجد في حالة تخومية بين عالمين عالم الذات الطافح بالغليان وعالم الوجود الناضح بالمفارقات التي زادت من إشعال نيران القلق في كانون التجربة الشعرية.
إن الشعر إقامة وجودية في العتمات، وترحال إلى القصي في الذات. والغاية من وراء هذه العملية السّفَرية إضاءة المعتم والتعبير عن حاجة الكينونة لتقول عبورها لغة وخيالا ، وبعبارة أوضح أثرا يخلّدها في تاريخ الإبداع، والقلق – كما أشرنا سلفا- ما هو إلا علامة شعرية تؤكّد على حقيقة المكابدة في إبداع نص شعري يضطلع بمهمة الكشف عن هذا التوتر الأنطولوجي للذات الوالجة لعوالم العتمات حتى تتمكن من إزالة كل ما يعيق الذات من إعلان وجودها كتابة شعرية حارقة ولعل قول الشاعر يثبت – فيما نعتقد- ذلك ( أسمع ورقا يمتلئ بالسّواد) فالذات السامعة توجد بين مفصلين البياض الذي يحيل إليه الورق والعتمة التي تدل عليها كلمة السواد لتأسيس عوالم ممكنة عبْرها تحقق ولادتها الجديدة المتمثلة في التحليق المستمد من ذاكرة الطفولة .
إن الذات الشاعرة ، وهي تؤسس أفقها الشعري، تحاول قدر الإمكان التعبير عن هذا التجاذب السري بين الخارج والداخل، بوساطة لغة تشيّد معالمها المتخيلة عن طريق أسلوبية مجازية استعارية تزيد من توهج التجربة وعنفوان الرغبة في اقتحام المجهول والزمن واللغة والامتداد في اللانهائي ؛ ولعل هذا ما لمسناه في الشاهد الشعري الأول ،حيث الذات تكشف عن حالة التوتر وهي تصغي لحوار كائنات لا حيَّة المتحوّلة مجازيا واستعاريا إلى كائنات تفيض بالحياة تكشف هذا التجاذب العنيف الذي تنوجد فيه الذات بين الخارج والداخل، ومن تمّ يروم إلى القبض على هذه اللحظة الفارقة من زمن الحاضر بالانتقال إلى الماضي المندثر والزائل من خلال ،اللغة كآلية من آليات الاسترجاع الداخلي ، إذ تحيل التجربة الخارج المتمثل في ( الجدران ، يدان سميكتان ، وقع الأجراس، الحناجر الشجيّة ، المآذن ….) إلى بؤرة دلالية تحمل مدلولات مختلفة عبْر الداخل الذي مجلاه جملة (أَسمعني أُسمعني) فالسماع هنا يحمل المعنى الظاهر العادي، لكن المعتم والخفي يبرز انطلاقا من الكشف عن الباطن والحوارية الذاتية التي تعبّر عن قمّة التهدّجات التي تفور بها هذه الذات لتعرّية الغامض. من هنا يمكننا الإقرار بأن الذات الشاعرة حقّقت شعريتها من خلال العبور من المتاهات المظلمة إلى أفق مفتوح على اقتناص الجليل والبهي، رغم ما يُطوِّق الذات من أغلال تكشف عنها الحقول الدلالية، التي تكرّس تيمة القلق والتوتر التي تسِم هذه التجربة، إذ يمكن اعتبار الجمالية التخومية بصمة من بصمات شعريته، ذلك أن الشاعر كانت له الاستطاعة على تحويل الصراع الذاتي والوجودي إلى كيان شعري سِمْتُه هذا التجاذب الرهيب بين العتمة والضوء.
فالذات تدخل في حوارية ذاتية، إذ تواجه صورتها المُضبّبة للكشف والإفصاح عما يعتورها من مشاعر وأحاسيس متناقضة في كَوْنٍ هويتُه الخراب والعمى ، ولعل مقوله ( أنا بالغ العماء) تبرز حدّة التخومية التي وصلت إليها الذات في علاقتها بالعالم الخرب القِيَّم والذاهبِ صوْب حتفه ، إن العماء دال جمالي على مدلول القبح ، ذلك أن المبالغة في العماء تعبير عن الرفض لهذا القبح المجلّل لوجود في حالة احتضار ، هنا مكمن مضايق الكتابة الشعرية التي تستنفر كل طاقات التأويل وتستفز الحواس قاطبة حتى تستطيع القبض على تخومية الشعر الصافي ، وما يزكّي طرحنا الرغبة الثاوية في سريرة الذات لمعانقة العري ( أحب أن أجلس إلى نفسي عاريا) إن الأمر هنا دعوة إلى المجالسة الحميمة للذات مع حقيقتها، فالتجرد من اللباس تملص من درن الظاهر وغوص في جوف الأعماق، حتى تتحقق المكاشفة المؤدية إلى عوالم متخيلة تناوش الرأس العالق بين زمنين مفارقين الحاضر باحتراقاته وتوتراته والماضي بحنينه وطهره .
تنحاز الذات إلى التعبير عن القلق الوجودي، وهي في حالة تأمل منطلقه الوعي بالسّفر في مجاهل الذات لاستكشاف البواطن والمنسي، ولعل السَّفر في محراب الخيال علامة شعرية مدبوغة برؤيا شعرية منفتحة على احتمالات وتآويل، ذلك أنه يروم إلى التعبير عن الذات في فردانيتها أي في عزلة طافحة بفرح المحال يقول الشاعر:
(لا أرافق أحدا في السيْر
أضحى
أو
أمسى
نشوة الوقوف وحدي
لا أنسى)
هكذا تجد الذات نفسها في مواجهة الأسئلة الحارقة حيث التّيه لسان حالها، فالعلامة الشعرية المطروحة سؤالا (إلى أين؟) تحمل في العمق سؤال الحيرة المربكة لذات مهووسة بالتحرر من كل القيود سواء الذاتية أو الجمعية، وعليه يختار الشاعر الحفر وسيلة للكشف عن المخبوء والمخفي بوساطة اللغة التي مارست عليه القتل، فهو بمثابة شهيد الكلمة مجازا، لأنه اجترح طريق السؤال بدل الجواب ومن هنا نلمس المرجعية الفلسفية التي أسّها طرح الأسئلة بدل تقديم الأجوبة يقول:
(ويح حروفي
ثكلتني …
لا معاول للحفر في السؤال)
فالنص يبرز قلق الذات من غياب السؤال في واقع الحال، ومن تمّ غياب التجديد والابتداع، وهي دعوة مبطّنة للانتصار للشعر المتمرّد والخارج عن أعراف بائتة لخلق نص شعري حيوي الرؤى والتصورات.
(أراك مغلولا
الغيم في عينيك ملح البحر ومواويل الأفول
يمتطي وجنتيك
إلى أصابع قدميك السفح وصهيل الخيول
مهما تخفي نواياك ثناياك بالحرائق تفوح
وشائج للكلام سيقانك)
إن الرؤية الشعرية يتم تحويلها إلى رؤيا شعرية ملتبسة وغامضة، لكن المتأمل في المقول الشعري يستكْنه عمقها وتأسره نظرا للثراء الدلالي الذي تحبل به، إذ أنها رؤيا انكسارية؛ سقوطية مادامت الذات مسيّجة بحقل دلالي نشتم منه روائح الهزيمة المدويّة (مغلول، الغيم في عينيك، ملح البحر، الأفول، الحرائق) معجم يشي بمعاني الكمد والتعداد والصدود والمد والجزر، فالحالة التي توجد عليها الذات تخومية بامتياز. فالنص الشعري نهر من الآلام والعذابات والمكابدات كتجربة وجودية وتعبير ناطق عن عمق المأساة. وعليه للخروج من هذا الالتباس الوجودي تلجأ الذات إلى السخرية (الباروديا) للتخفيف من حدّة هذا القلق أو العدمية، التي نستشفها في التجربة، وللإشارة فالعدمية « هي غياب المعنى، هي اللاجدوى، وهي مهمة للحياة، ولا يستطيع الكائن الإفلات من براثنها «
كتابة الغور تستلزم القدرة على حثّ الحواسّ كلها، وسبْر الغوامض لحدائق الشاعر السرية، ذلك أن الشاعر وهو يحفر مجراه الشعري، كان يدرك إدراك اليقين أن التجربة مضنية وتتطلب الصبر والمكابدة النابعة من رؤية تلتقط المنسي والغابر في الذات والعالم، وقد فلَحَ في إبداع النص الشعري المنتمي إليه، نص يصيخ السمع للحياة التي ظل يبصرها بعين ساخرة ماكرة يقول:
(موتي بغيظك يا حياة وانفجري
كمدا
ذا أنا أبتسم
لا ألتفت إلى الآتي منك عتادا
عنادا أحفظ في القلب قالب حلوى أحبّتي
إن مسحوا ملامح وجهي
في ذاكرتي وجوههم تمشي
مهما تجدي وصاياك لهم
في القلب قد رسخوا)
هذه المجابهة التي تخوضها الذات مع الحياة تعبير عن حاجة الإنسان إلى اليقين إلى أن المحبة هي المصل الحامي لانهيار القيم النبيلة في عالم رأس ماله اللاقيم، وعليه كان الأفق كرؤيا تنتشل الذات من هذا العالم يقول:
(إن المدى كان لي سندا)
وبالرغم من كون الذات تخوض تجربة شعرية مَحْتَدُهَا القلق والتوتر، فهذا يبرز عمق الكتابة الشعرية الجانحة صوب المناطق المعتمة في الإنسان يقول:
(ترهقني المعاول لا تفتأ تحفر والماء ينأى)
هكذا تعبّر الذات عن الحِمْل الوجودي الذي يقضّ مضجع ذات تبحث عن الخصب والحياة، والوصول إلى ماء التجربة.
2) مضايق اللغة :

تقوم التجربة الشعرية على بنية التجاوز للكائن النصي ، في الشعرية العربية، حيث « توظّف قوانين اللغة توظيفا خاصا يكشف معالم الانحراف المفضي إلى مفارقة مدارها لذة النص الناتجة عن تحريك الملاحظ الجمالية في النّفس» وهذا يدل على أن اللغة تخلق كينونتها خارج أسوار اللغة المسكوكة ، وتحفر وجودها الجمالي من أنظمتها الأسلوبية ذات المنحى الانحرافي حيث نجد أن الشاعر يوظف اللغة بطريقة مختلفة تربك عتاقة الذائقة الشعرية، على اعتبار أن « لغة الأدب تتميّز بأنها قد تتحوّل عن النمط العادي إلى صورة منحرفة تقوم على خرق ماهو شائع من نظم لغوية ، والانحراف اللغوي يتولّد أساسا من الخروج على الأطر المرسومة للغة ومخالفة العرف اللغوي المرتضى والجَوْر على النظم النحوية والصرفية دون الإخلال بالبنى الأساسية للغة. فالانحراف هو انتهاك لغوي قائم على الإتيان باللامتوقّع واللامنتظر من التعبير يعوّل عليه المنشء لغايات جمالية وفنية» من هنا يمكن القول إن اللغة لا تكتسب شعريتها إلا عن طريق خلق علاقات لغوية جديدة تنحو صوب المدهش والخارق، وتنتصر للامألوف كل هذا يمنحها الاستطاعة لإبداع عوالم شعرية نابضة بالحيوية الإبداعية، ومتّسمة بتكسير أفق الانتظار « الذي تنزاح عنه الاستعارة الحيوية أفق لغوي ومعرفي جاهز. أي أنّه يخضع لما هو قائم في اللغة الطبيعية وفي العالم من قوانين صارمة هي التي تعتمد في تجربتنا اليومية ، وفي تواصلنا حول هذه التجربة « فالنص الشعري قوامه أسلوب استعاري يحوّل اللغة من الاستعمال العادي إلى التوظيف الجمالي ، وفق رؤية عميقة للكتابة الشعرية التي تروم التعبير عن إشكالات الذات والكون ، بوساطة لغة تنبثق من الإدراك الواعي والمدرك لحركية الوجود ومن تم من تبدّل حدوس الذات في صلتها بالعالم لأن الشاعر هو « يشعر بجوهر الأشياء لا من يعدّدها ويحصي أشكالها ، وألوانها ، وأن ليس مزية أن يقول ماهو (و) يكشف لك عن لبابه وصلة الحياة به» هذا الأمر يبيّن أن مقصدية الشاعر لا تكمن في التوصيف بل في الحفر في طبقات الذات والكون لاستنباط الأعماق المستورة ، واستشراف العوالم الوجودية التي تظل في حكم الملتبس والمحيّر، لكون « الشعر واسع منفتح كالوجود « هذا الانفتاح جعل الشعرية العربية تنماز بديمومة الخلق والابتداع.
انطلاقا ممّا سلف نؤكّد على أن اللغة الشعرية شكّلت هاجسا محوريا في الخطاب الشعري الذي يروم خلقه، وهذا دليل على سمة القلق والتوتر الذي ميّزت هذه التجربة، سواء على المستوى التيمي أو الإستيطيقي، من هنا فإن اللغة الشعرية تبتعد عن غنائية الذات المبطّنة بين ثنايا الخطاب الشعري إلى غنائية تحتفي بالأشياء والوجود، وناضحة بالحس الجمالي الذي كان المقوم الأساس في بنية النص الشعري، ولنتأمل قوله:
(شيء ما يقع في العليّة
أسمع همس الستائر للجدران
أسمع فئران زرقاء تركض على أطراف أصابعها أسمع ورقا يمتلئ بالسّواد والغيمُ بلا مطر يُمطر)
إن اللغة الشعرية، في هذا المقطع، تضجّ بجمالية تركيبية وصوتية ودلالية، ذلك أن الجمل المهيمنة نجد الجمل المضارعة مما يوحي بحالة التوتّر وعدم استقرار الذات في الزمان والمكان وتركيبيا إسناد سمة الفاعلية للأشياء، أي أنسنة الأشياء كإحالة ضمنية على غياب الفعل عن الذات التي ترهف السمع للعالم المحيط بها، واللغة هنا استعارية زادت من الكشف عمّا يعتمل في الخوافي الباطنية لذات تكتفي بالسماع، دلالة على الحس الشللي المصابة به. فالنسيج النصي في هذا العمل الشعري متشابك و منشبك نظرا لهاجس الخلق الذي يعتور الذات الشاعر للتعبير عن الكينونة والكون بأسلوب يفجّر براكين الذات الخامدة ظاهريا والمتّقدة باطنيا من خلال مؤشرات لغوية ( أشدّ بالحبْل خاصرتي وكفّي على مقابض الجمْر/ أسقي بالمواويل صدْعَ الجنْب الأيْسر بالأيمن تورق القلاع برأسي/ رأسي مشعل بين الكف والكتف / رأسي عالق بين اليوم والأمس / رأسي مائل / ناوليني إنها تمطر) مما يعكس أن اللغة تشعُّ بحرائق الذات وتحولات الوجود المطوّق لها ، وهي الراغبة في إحداث خرق لسقف البيت حتى تستطيع الشعور بالتحرر وذلك عبر تيمة اللذة التي ماهي إلا اغتسال من أدران الحياة المثقلة بالعبث واللاجدوى. وعليه فحين « يصبح الواقع علامة في اللغة يلتحم الدال بالمدلول ولا يكون الإبداع إنجازا للواقع، وإنّما يتحوّل إلى اكتناه جمالي كشفي، يتعدى تجربة المعيش إلى استخلاص خصوصية العمل الإبداعي « بعبارة جلية إن الشاعر عبد بن ناجي لا يصور الواقع بقدر ما يبدع واقعا إبداعيا تقوم فيه «اللغة بنقل تجربة الذات، وتسهم في الكشف عن جمالية لا مرئية لباطن الأشياء في دلالاتها المتفجّرة لرؤيا الشاعر التي تفوق طاقة اللغة وهو يمنحها تفرّدها الخاص» فاللغة تنحو في اتجاه الجدّة الأسلوبية، إذ بقدر ما تقترب من الذات بقدر ما تتماهى مع الوجود ، في ترابط عميق ينبئ بكون الشاعر يمتلك مفاتيح الإبدال الشعري، ذلك أن الذات الشاعرة تصوغ وجودها اللغوي عبْر النحت الجمالي والفني ، واليقين بأن مهمة الشعر لا تكمن في مجاراة المنجز ،بل بتغيير المجرى في كتابة شعرية تفيض بأسرار الكوامن يقول :
(أُغَيِّرُ جهة الممشى
أسير عكس مجرى الماء في النهر
أستمع نبع الأيادي في الأعالي عير أني لا أمسك غير رأس
القطرات في الكأس)
فهاجس الإبدال الشعري حاضر في تجربة عبد بن ناجي لا لشيء إلا لكونه يؤمن بأحقية الموجود أن يخترق الوجود بالإتيان بما هو مختلف وهذا ما تجسّد في هذه التجربة الثرية بخطاب شعري يتميز بإيقاعية غنائية تتخلّق من رحم المفارقة. فبنية المفارقة حاضرة بشكل موغل في النسيج النصي، فقد تمكّن الشاعر من أن يجعل اللغة منحرفة عن الاستعمال الوظيفي «المعياري» لها، من خلال الخرق في البنى الأسلوبية التي تخلّصت من شحنة الجزالة اللفظية إلى السيولة العباراتية -إن صح التعبير- مما وسم التجربة بمسحة جمالية وبنية ذات بعد فني، فالشاعر وظّف ممكنات اللغة لخلق تشكيلات تعبيرية منحت للتجربة وهجها الوجودي ، والمتأمّل في الحقول الدلالية سيقف عند هذه الميزة التي تفصح عنها التركيبات الآتية ( الغيم – بلا مطر/ طيور -لا تطير/ الليل – النهار/ بارد- ضوء الشمس/ نهيقا – صهيلا/ القرْح- الفرح/ مد- جزر/ تعداد -عدّ/ شدّ- صدّ/ الماء – الرمل مليئة ، فارغة ) وبالتالي تكشف عن عمق الصراع الوجودي الذي توجد عليه الذات أثناء الخلق والإبداع . إن الأسلوب المفارقة تجسّد عبر المتواليات الطباقية (من الطباق) مما خلق مناخا شعريا مشحونا بالقلق، ونلمس فيه إحساس الذات بالتوتر والصراع الداخلي الذي تحياه في صلتها بالذات والعالم بحثا عن كينونة مفتقدة وبالتالي فالتجربة الشعرية تعبّر عن « الصورة الكاملة النفسية أو الكونية التي يصدرها الشاعر حين يفكّر في أمر من الأمور تفكيرا ينمّ عن عميق شعوره وإحساسه» وتكشف عن مكابدات الذات الباحثة عن وجودها حيث الخيبة و التّيه هوية الشاعر يقول :
) أضيء مصابيح الشّوارع بالنظرات البعيدة/ أصيب ولا أصيب / لا شمعة تشتعل إلا في الصدر/ بالصبر أحيا والصبر في الصدر يحْيَا/ لا غير خُفّ حُنين أنتعل)
لذلك نجده يحارب الخيبات بالكتابة حتى تسمو الذات، عبْر اللذة التي تعرّي الروح، التي يمكن اعتبارها وسيلة تعبيرية إلى الأعالي،
على سبيل الختام:
جوهر القول إن التجربة الشعرية للشاعر عبد الله بن ناجي تعمل على نسج خطاب شعري ذي فعالية شعرية تفصح عن وعي إبداعي جمالي ينتصر للإنسان وللقيم وللحياة، محتفيا بكينونة توجد بين كمّاشة واقع المفارقات والتناقضات، وقيم تنهار جرّاء التحولات الرهيبة التي يشهدها العالم.
الهوامش:

*عبد الله بن ناجي : شيء يقع في العلية، ديوان، منشورات سليكي إخوان، طنجة، ط1، 2017.
1-سامي أدهم: عودة إلى نيتشه معاصرا: النّهيل: العدمية وبقايا القيم المعاصرة، مجلة كتابات معاصرة، ع99، آيار – حزيران 2016، ص 36. 2-د. عمر عبد الله العنبر: ثقافة النص بين البنية والأسلوب الشارقة، الإمارات العربية المتحدة، دائرة الثقافة، ط1، 2017، ص 113.
3-فتح الله سليمان، الأسلوبية (مدخل نظري ودراسة تطبيقية)، الدار الفنية للنشر والتوزيع، 1990، ص 23.
4-إدريس بلمليح: القراءة التفاعلية (دراسات لنصوص شعرية حديثة)، دار توبقال، الدار البيضاء، ط1، 2000، ص 63.
5-عباس محمود العقاد، عبد القادر المازني، الديوان، ج1، ط2، القاهرة ،1921، ص 20.
6-عباس محمود العقاد، مجلة الكتاب،1947، في كتاب أدونيس، الثابت والمتحول، ج3، صدمة الحداثة، ط5، دار الفكر العربي، 1406ه، 1986، ص89
7-إيمان ناصر: قصيدة النثر العربية: التغاير والاختلاف ص 190.
8 -خير حمرة: جدل الحداثة في نقد الشعر العربي، اتحاد كتاب العرب، دمشق، 1997، ص91.


الكاتب : صالح لبريني

  

بتاريخ : 01/06/2018