نبات الصبار …وداعا رفيق الفلاحين.. !

ألف المغاربة وتعودوا على رؤية تلك النبتة التي تؤثث مشاهد قراهم ، نبتة عاشت معهم أحزانهم وأفراحهم ..يفرحون بمواسم الصيف فتفرح معهم ، ويحزنون مواسم الجفاف فتحزن لحزنهم وتساندهم.. بما تملك من أوراق وثمار ..حتى نشأت بينها وبين القرويين علاقة روحية صعب عليهما معا التفكير في حياتهما بعيدا عن الآخر.. لكن كان للقدر رأي آخر، بعد أن أصاب النبتة في مقتل وانتهى بها الى الزوال …لتصير قرى المغرب العميق وبدون سابق إنذار خالية و بلا صبار…
فما الذي وقع ؟ وكيف ؟ ومن المسؤول ؟ وما الحل لتجاوز المصيبة؟

تاريخ عريق

نبات الصبار أو التين الشوكي أو صبير التين الهندي، نوع من الصبار ، وأصله من جنوب أمريكا الشمالية، ومنها انتشر إلى أوربا خلال القرن 16 من أوربا انتقل إلى شمال افريقيا والمشرق العربي ، إذ يكثر في السعودية واليمن وجنوب لبنان والسودان ومصر… وتختلف تسمياته من بلد إلى بلد ، حيث يسمى البرشومي في السعودية وبالبلس في اليمن والتين السوكي في مصر، وكرموس النصارى في الجزائر وبعض من مناطق المغرب… بالإضافة إلى أسماء أخرى كالزعبول وأكناري و››الهندية›› أو ‹›الضرك››.

ظروف قاسية ..
واستعمالات متعددة

يعيش نبات التين الشوكي في الأماكن الجافة وله قدرة عجيبة على مقاومة الجفاف ولو في أقصى درجاته، حيث تعمل سيقانه وجذوره وأوراقه على تخزين كميات كبيرة من المياه وتحتفظ بها لأطول مدة ممكنة… يزداد طول نبات التين الشوكي المتزين بأشواك كالإبر وتزهر أوراق الصبار أواخر فصل الربيع وتنضج ثماره خلال الصيف…
ينتشر نبات التين الشوكي في كل التراب الوطني، من الشمال إلى الجنوب، وإن كانت بعض المناطق معروفة أكثر بتواجده مثل الرحامنة وقلعة السراغنة ودكالة وعبدة وأحمر… وقد لجأت وزارة الفلاحة في السنوات الأخيرة إلى غرس نبات التين الشوكي حيث غطت زراعته مساحات واسعة مل منطقة أيت باعمران التي أصبحت تعد المنطقة الأولى في العالم لإنتاج ثمار التين الشوكي، ناهيك عن بعض المناطق الأخرى كخريبكة وخنيفرة وأزيلال…
بالإضافة إلى قيمة ثمار التين الشوكي الغذائية، فإن لها فوائد صحية حيث تعد هاضما ممتازا وعلاجا لمشكلات المعدة والأمعاء وخاصة الإسهال، وقد دخلت ثمار التين الشوكي مؤخرا مرحلة التصنيع، حيث بدأ يصنع منه المربى، ويستخرج من بذوره بعض الزيوت التي تستعمل للتجميل، أما أزهاره فستعمل بعد تجفيفها علاجا لالتهاب القولون وتضخم البروستاتا وتخفيف النزيف…

تحالف من أجل البقاء

ارتبط نبات الصبار بالعالم القروي، ودخل حياة الفلاحين وسكان البوادي ،لدرجة أصبح جزءا من حياتهم، ألفوه وتعايشوا معه لقرون، فلم يجدوا أكثر وفاء منه ، وهو الذي لا يتخلى عنهم إذا ما تخلت عنهم الأمطار وخذلتهم السحب والغمام. يعيش معهم قسوة الطبيعة وقساوة الجفاف، بل يجدون فيه خير سند خلال السنوات العجاف… حيث يتخذون من أوراقه غذاء لمواشيهم ، ومن ثماره طعاما لأبنائهم ومن جذوره وبقاياه حطبا لمواقدهم، وقد كنا شاهدين على الدور المنقذ الذي لعبه التين الشوكي خلال سنوات الجفاف بداية الثمانينات إذ لولاه لهلكت قطعان الأبقار والجمال والأغنام والدواجن…
كما أن البدويين يعتمدون على التين الشوكي لتسييج حقولهم ومزارعهم وحمايتها من الهوام، وأحيانا يستعمل كأسوار لتقسيم الحقول وتحديدها، ناهيك عما يوفره من ظل وخضرة طبيعية تزين القرى والبوادي…

الحشرة القرمزية..
بداية الزوال ؟

الحشرة القرمزية، حشرة رخوة على شكل بيضوي، تضع بعد التزاوج بيضها الذي يتحول إلى حوريات دقيقة تفرز مادة شمعية بيضاء لحمايتها من فقدان الماء والشمس المفرطة، وقد ظهرت في المغرب سنة 2014، وهي تصيب نبات الصبار فقط ، وتتميز بلون أحمر داكن نظرا لإفرازاتها لسائل الكرمن وموطنها الأصلي هي الغابات الاستوائية في أمريكا والمكسيك … ويمكن أن نشير إلى أنها ظهرت في لبنان سنة2013 كما جاء في جريدة النهار اللبنانية عدد 07 غشت 2013.
وقد تفاجأ سكان البوادي والقرى في بداية الأمر ، بإصابة نباتهم بهذا المرض الغريب، وظنوا بثقة زائدة أن «رفيقهم الأسطوري» قادر على الخروج من المحنة كما خرج منها خلال سنوات الجفاف… لهذا لم يهتموا بالأمر كثيرا، بدأ المرض الوباء يدب في أوراق النبات، وبدأت الحشرة تحقن بيضها في الألواح الخضراء ومع تكاثرها، بدأت تمتص ما فيه من ماء حتى أتت عليها وحولتها إلى أعواد ولما أدرك القرويون هول الكارثة، بدأوا يبحثون عن حل لإنقاذ نباتهم، لكن الوقت كان قد فات، بعد أن تحولت مساحات كبيرة وأسوار عالية وسدود لا نهاية لها من الصبار إلى أعواد حطب واقفة في مشهد يرثى له …
لإنقاذ ما يمكن إنقاذه

من خلال طريقة تدخل وزارة الفلاحة يتضح أن هناك تأخرا وارتباكا ، ربما لم يتم تقدير خطورة الأمر كما ينبغي ، لهذا ظلت حقول الصبار في دكالة وعبدة و الرحامنة وأحمر تتعرض للتلف والضياع دون أية مبادرة، لكن وبعد بلوغ الآفة مستويات مخيفة، انطلقت الوزارة الوصية وأعلنت» الحرب» على الحشرة القرمزية، حيث دعت إلى استنفار مصالحها بالجهات المتضررة من أجل محاصرة الحشرة، وقد تم عقد عدة اجتماعات وبحضور عدة مؤسسات كالمكتب الوطني للسلامة الصحية ووكالة التنمية الفلاحية والمعهد الوطني للبحث الزراعي، كما تم إطلاق مشروع للمساعدة العاجلة للقضاء على الحشرة الخطيرة بمشاركة منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعةFAO.
لكن المتتبع لتدخلات الوزارة ومن خلال بياناتها، سيلاحظ أن التأخر في تدخلاها جعلها تركز على الإسراع في اجتثاث صبار دكالة و الرحامنة وعبدة وأحمد وطمره، كوسيلة ناجعة لمحاربة ومحاصرة انتشار الحشرة القرمزية، وكأنها لا تملك إلا هذا القرار الذي يعني القضاء النهائي على نبات الصبار في هذه المناطق المذكورة…وفي الوقت نفسه كانت الوزارة تتحرك وتستنفر مصالحها بالمناطق التي تمت زراعة التين الشوكي فيها، حيث ظلت تؤكد باستمرار أنه تم غرس 50 ألف هكتار وأن الرقم انتقل إلى 150 ألف هكتار في أفق أن يبلغ 160 ألف هكتار سنة2020 لإنتاج ما يقارب مليوني طن… وهو الأمر الذي أكده أحد مسؤولي المكتب الوطني للسلامة الصحية حيث قال إن الوزارة تدخلت في بعض الجهات بالأدوية وأنها تسارع الزمن للحيلولة دون وصول الحشرة الخبيثة إلى بعض المناطق التي عرفت غرس التين الشوكي في إطار المخطط الأخضر مثل إقليم خريبكة ومناطق أيت باعمران.

تعويض الصبار ..
بين الممكن والمستحيل

في إطار هذا البحث (التحقيق) اتصلنا بالمندوبية الجهوية لوزارة الفلاحة بمراكش والتي أحالتنا على ONSSA حيث سألناهم عن الحل الذي تعتزم الوزارة القيام به، لتعويض الفراغ الذي تركه زوال نبات الصبار، فأحالونا بدورهم على أحد المسؤولين بمكتب ONCA بالشماعية والذي أكد لنا أن الوزارة تقوم بدراسات علمية عبر معهد الزراعة والبيطرة لتجميع حقائق عن الحشرة القرمزية وهل يمكنها أن تعيش تحت التربة أم لا ، وبناء عليه التفكير في النبات الذي يمكنه مقاومتها لغرسه مكان نبات الصبار. من جهة أخرى عبر لنا مجموعة من الفاعلين الجمعويين بمنطقة أحمر عن استيائهم مما وقع لنبات الصبار ، وأبدوا رغبتهم في أن تسارع وزارة الفلاحة في تعويضه سواء بالصبار نفسه بعد رش أماكنه بمبيدات وأدوية للقضاء على الحشرة القرمزية ، أو تعويضه بمغروسات أخرى تستطيع تعويضه رغم تأكيدهم أن تعويضه من باب المستحيلات. كما يمكننا أن نشير إلى أن جل سكان البوادي رفضوا جرف بقايا نبات الصبار وطمرها ، ولما سألناهم عن السر وراء ذلك، أكدوا أنهم لن يفعلوا على الاقل في الوقت الحالي، لأنه رغم موته لا تزال جذوره حواجز وحدودا لحقولهم ومزارعهم، وأنهم لن يقعلوا حتى تأتيهم الوزارة المكلفة ببدائل يضعونها مكانه . ترى هل هو مطلب منطقي أم تعلق بنبات كبروا معه ويرفضون التسليم بموته وزواله؟
في الأخير لا يسعنا أن نتأسف لحال الصبار ، نبات لم يستسلم ، لا يزال يقاوم ، تُخرجُ أوراقُه أوراقا صغيرة خضراء، تينع، ثم ما تلبث أن تصاب وتموت.. تتلاشى محترقة دون أن تدري لماذا ؟. فمن يخبرها أن الكارثة قد وقعت وأن الصبار قاوم وحيدا في صمت، ولما يئس مات شامخا واقفا كباقي الأشجار…


الكاتب : إعداد : عبدالعزيز المنتاج

  

بتاريخ : 10/07/2018