شجون الوقت في ديوان « لي فقلب علسان » لعبد الرحمان الحامولي

بداءة ، لا يسع القارئ والمهتم بالشأن الزجلي بالمغرب ، إلا أن يستحضر الزجال الزاهد في خلوته عبدا لرحمان الحامولي ، والحامولي بالمناسبة ، اسم موشوم في ذاكرة الصويرة ، وصقالة زجلية ، وحزمة من اليتم والهموم والمعاناة مع المرض الذي يأكله يوميا في عزلته وعزوفه، وتلك عملة متفردة في زمن الأضواء.
حين أطل على المشهد الزجلي من خلال ديوانه الأول «لي فلقلب علسان «ّ، ضمن منشورات جمعية الإشعاع للثقافة والتنمية بالصويرة مشكورة ، ويكون أعضاؤها قد ربحوا الرهان ، ليفاجئنا بعدها الشاعر بديوانه الثاني « راب الحيط على ظلو « ، وبذلك يضاف لديوان الزجل المغربي تجربة حافلة ومختمرة ، ومسكونة على الدوام بعفوية وطفولة البوح، وحسبنا في ذلك عنوانها المعلق في سقف الغلاف « لي فلقلب علسان « كدوحة الأطفال ، الذين يبوحون ما يحسونه دون حواجز ، ولا حسابات ، ولا حدود جمركية في انتظار تعليبهم لاحقا .
يشتمل ديوان الحامولي على باقة شعرية من النصوص الزجلية، تتوزع إلى أربعة أقسام تعتليها العناوين التالية :
وقفة مع الذات « 14 نصا”، الإحساس بالهم المشترك ” 10نصوص «، نسائيات « 06 نصوص « ، وأخيرا تأملات « 11 نصا ” .
والملاحظ ، أن الخيط الرابط والجامع بين هذه النصوص هو الحضور اللافت للشجون الذاتية والاجتماعية والعربية ، حتى لكأنها القضية المركزية في الديوان ، فجل قصائد الديوان تحفل بروائح هذه الشجون ونكهتها وألوانها وحضورها ، ولو وضعنا معجما لألفاظ هذه الشجون وتجلياتها ومعانيها وفضاءاتها لتحصلنا على نتائج مذهلة ومبهرة :” حزانو ، خانو ، قبيح ، صدعك ، بكاتو ، نخمم ، قهراتو ، صدماتو ، فمحاني، الصدمة ، همك ،الغربة، ظلماك ، قهرني ، طاب كلبو ، تذوب ….”
نقرأ في هذا السياق من قصيدة ” هاذا زمان واش من زمان ؟”
” الزمان نهكني
وأنا ما قادر لمحانو
كنحس ونشعر بين دركني
زهرت ودارت بيا نيرانو” ص 9
تبدو الذات الشاعرة الراوية منهكة بأشواك الزمان ونيرانه الحارقة ، وكي تدرأ هذا الهجوم الشرس والضاري تقف عاجزة عن مواجهته ، ومن ثمة لا تملك سوى الإذعان له والتعامل معه برحابة ممزوجة بالألم لأنه فادح ومتنوع وقابل للتنوع “وأنا ما قادر لمحانو”.
ويتضاعف إحساس الشاعر بهذه الأحزان القاسية والآلام الجارحة في قصيدته الموسومة ب ” وقتاش ياقلبي ترتاح ” :
وقتاش ياقلبي
ترتاح من لهموم
مالك حازن بالنواح أو مضيوم
داير بيك الغربي
والرياح لقوية بالشوم
وانا مريض ومرياح
معذب يوم على يوم «  ص 20
ولو شئنا في هذا الشاهد رصد الدوال اللافتة والمنشغلة على معجم شجون الذات كما يلي :» لهموم ، حازن ، النواح ، مضيوم ، الغربي، ارياح ، الشوم، مريض ، معذب» نتأكد ن هيمنة حساسية الحزن وبصورة مفزعة ، إذ تتجلى كل صور ومعاني عميق التوجع .
وعلى الرغم من أن الهاجس الذاتي الذي يهيمن عند الشاعر و الطاغي على بوحه الشعري ، إلا أن الإحساس بمعنى الآخر ريثما يفجر لديه الحس الجمعي نموذجا ناصعا لأنسنة العلاقات ،نقرأ من قصيدة « المعاق «»
« طفل صغير وجميل
مشلول من طرافو
عندو البصر قليل
يقطع القلب يا لي شافو
يمشي بالمهل فالسبيل
أو العكاكز تحت كتافو «ص 37
يتكشف هذا المقطع عن حضور آخر للذات حين تتجاوز دائرتها للقيام بالفعل المطلوب، من أجل تكريس الألفة والقرابة الاجتماعية التي تتمثلها القصيدة ، وهو ما يشي بالتقاط الشاعر لآلام الآخرين، فمثلما يرى هو في ذاته فإن الآخر – المعاق يصبح ضاغطا ومهيمنا حين يتساوق والأحاسيس الدفينة التي يحرق لظاها الشاعر .
في مفتتح قصيدته « الحمامة» ، يشرع الراوي في حوارية بينه والحمامة :
يا حمامة شكي عليا بهمومك
حني راسك في المداد
وكتبيها بقمقومك
جاوبيني ياحمامة
كيف حالتك وحال يومك « ص 35
في هذا المقطع يتوجه الخطاب إلى الحمامة ليقارب ما يراه شكوى ، ويحكي قصتها وقصة الشاعر نفسه ، إذ تبدو الحمامة على قدر عال من التماهي مع الشاعر ، على نحو يتضح من خلاله أن شكوى الحمامة هي شكوى الشاعر .
لا تتوقف شجون الشاعر عند حدود الذاتي والاجتماعي ، بل تجاوزت حدودها الجمركية لتعانق الهم العربي المشترك ، كما في قصيدة ” غوال بلوشام ” التي يعكس عنوانها نيتها ، فالغيلان الموشومة توحي بحيونة الآخر وبدائيته باعتبار الوشم :
” تفجر الألغام بالنار فالسما
دارت قيامة
كنوس بالظلم ينحرون الأرحام
ما فقلوبهم الرحمة
بالقوة والعظمة
مواعيد بالحرب كل عام ” ص 38
إن تكالب الدوال السالبة « تفجرت ، الألغام ، النار ، قيامة ، ينحرون ، القوة ، الخرب « ، في هذا المقطع لن يكون سوى تثبيت لما أفشى به العنوان من حساسية قاتلة تفضي إلى الموت في أبشع صوره « ينحرون الأرحام « ، ومن إنتاج الإنسان – الغول والمستأسد ، ولا شيء سوى صناعته لثقافة الموت وحروب الغنائم ، وتغول ثقافة القوة والعظمة ,
لكنه في قصيدة « سرجو الخيل « يزاوج بين معنى التقتيل ومعنى استنهاض وبعث الهمم في السواعد :
« العديان طلقات علينا ذيابها
نهشات لحمنا نيابها «

ترهنو السيوف
وتفجرو الصواريخ» ص 40
نفس أسطوانة التقتيل والموت لمسترسل ، لكن ريثما تنبعث في قفلة القصيدة ضمائر الغفوة عبر استيحاء الخيول صورة لاستنهاض وتحريك ذاكرة التاريخ وكل ما من شأنه تحريك الراكد والميت ،ومن ثمة الارتباط بالكرامة الإنسانية وأسئلة الشرط الإنساني :
« سرجو للخيل ركابها
عطوا للقوم حسابها « ص 18
وصفوة القول ، ديوان الحامولي ” لي فلقلب علسان ” تجربة زجلية ومرآة صقيلة تعكس بدون منازع حياة صاحبها ، يتلبسها البوح العفوي والطفولي ، وتقترن بوضع اجتماعي يملأه التهميش والإقصاء ، وتكتمل صورة الإقصاء حين يرمي المرض بهذا الشاعر ” البوهالي ” إلى العزلة والنسيان ، متمنياتنا للحامولي الشفاء العاجل والعودة للنبش فيه وفينا وفي هذا الزمن الناشف والجارح.


الكاتب : عبدالله المتقي

  

بتاريخ : 26/09/2018