القصة القصيرة جدا : الثالوث المحرم في مجموعة «عندما يزهر الحزن»

يبدو أن ذائقة أدبية غدت تتكون في السنوات الأخيرة، بخلق أشكال تعبيرية تتناسب وتغييرات المجتمع، ولعل من أقرب تلك الأشكال لخصوصية عصر السرعة، ما أضحى يعرف بالقصة القصيرة جدا، هذه الكتابة التي تقوم على التكثيف و الإيجاز وتقديم نص مركز في جمل مختصرة موحية يقتصر فيها الكتاب على أقل عدد ممكن من الشخصيات،مع تكثيف الحوار والاستغناء عنه إذا أمكن، واختزال الحدث القصصي بشكل يكاد يغيب فيه المكان والزمان…. وهو ما يحيل لغتها سهاما موجهة نحو الأهداف التي يحددها الكتاب، ناهيك عن تنامي تعاطي الأجيال الصاعدة مع هذه الكتابة الحديثة في أدبنا وهو ما غدا يفرض علينا كنقاد ضرورة الانتباه لما يتشكل حولنا، ومقاربة هذه القدرة الخارقة للجيل الناشئ على اختزال كل مظاهر صراعات المجتمع في هذه الكتابة المكروسكوبية، بدل صم الآذان عنها، والاكتفاء بالحنين إلى الأشكال التعبيرية التقليدية التي يتآكل يوما بعد يوم عدد المقبلين عليها، وهو ما يبشر باحتمال تربع القصة القصيرة جدا على عرش الثقافة العربية المستقبلية واحتمال إزاحة الرواية التي أزاحت الشعر من على صهوة الثقافة العربية. ولنقرب القارئ من خصوصية هذه الكتابة الزئبقية نواصل النبش في بعض المجموعات القصصية للقصة القصيرة جدا، لنقف اليوم عند مجموعة «عندما يزهر الحزن» للقصاص المغربي عبد الغفور خوى متسائلين عن مدى إمكانية هذه الكتابة المختزلة عن معالجة القضايا الكبرى التي تؤرق بال المفكرين؟؟ وإلى أي حد يستطيع الإيجاز المختصر تعويض الإطناب المفصل في مقاربة قضايا متشعبة مثل الدين ، الجنس والصراع الطبقي؟؟
المجموعة القصصية «عندما يزهر الحزن»مجموعة تقلب تصورات كل من له رأي سلبي حول القصة القصيرة جدا، لما يتداخل فيها من نقد صريح للفكر للخرافي، واستغلال الدين، وإشادة بالفكر الفلسفي العقلاني بطريقة تخلخل الموروث و الحاضر مع الانفتاح على الأسطورة، التاريخ، الدين، السياسة، الأدب، التصوف، علم الكلام… وهو ما يتطلب من القارئ أن يكون مسلحا بثقافة موسوعية وإلا انفلتت منه خيوط هذه الكتابة المجهرية…
«عندما يزهر الحزن « مجموعة قصصية صادرة في طبعتها الأولى عن مؤسسة الرحاب الحديثة بيروت لبنان 2018 ، وعلى الرغم من الإغراء والجاذبية التي تفرضها العتبات القرائية والمؤشرات الخارجية على القارئ، خاصة عنوان المجموعة الاستعاري، وصورة الغلاف الحبلى بالدلالات والقراءات وهو ما يشرع تلك العتبات على فضاءات من التأويل لا حدود لها، و على تصور فرضيات قرائية بعيدة المدى، قبل أن يجد القارئ نفسه في متن مجموعة أكثر عمقا وإغراء، لذلك سنغض الطرف، ونتجاوز الوقوف على هذه العتبات، لنبحر بالقارئ في ثنايا هذه الكبسولة المكثفة، ونسافر به من خلالها في تاريخ الأديان والفلسفة والفكر عموما ….
«عندما يزهر الحزن» مجموعة قصصية تضم 53 قصة قصيرة جدا بعناوين مشحونة بكل المعاني السلبية التي يمكن أن يتخيلها عاقل منها هذه العناوين (مروق/ القتل / خدعة/ هروب/ هجرة/ يتم/ إبادة/ طرد/ مؤامرة/ خوف/ عبودية / عبودية متجدرة / انتحار/ تحول /غايات متباينة/ حرمان / تناقض/ انفجار/ قتيلان / إدراك متأخر/ لغو/ وأد/ تجسيم/ سفور/ ترهيب/ تبرير / انتهازية/ اعتقال/ الفئران التي تضخمت/ نباح ….)
المجموعة كما يبدو من عناوين قصصها نقد قوي وصريح لقيم متجذرة في مجتمعاتنا العربية خاصة ما يتعلق منها بالثالوث المحرم (الجنس، الدين، والصراع الطبقي) لتجعل المجموعة من الإنسان بؤرة اهتمامها؛ ماضيه حاضره ومستقبله منذ نزول آدم إلى الأرض، وقتل قابيل لهابيل إلى الآن، وما يتشكل في الحاضر المعاش أمام أزمة القيم التي تستفحل يوما بعد يوم فتخلخل بعض ما كنا نعتقده مسلمات ثابتة في تحقيق النجاح في الحياة ، كاعتبار العمل والمثابرة السبيل الأوحد للنجاح والتفوق، لتقدم لنا المجموعةُ النملةَ رمز الكد والعمل وهي تقف على باب الصرار (رمز الكسل والغناء) تستجدي كرمه ليردها خائبة ويـ(نصحها بامتهان الغناء فالصراصير تغني وتربح مالا وفيرا) ص 19 واقع تغيرت في الأرض تحت أقدامنا، والسماء فوق رؤوسنا دون أن ندري أسباب هذه التغيير لنستمع لبطل إحدى قصص المجموعة لما تطلع إلى السماء ألفاها خلت من العصافير التي كانت تزينها… ( بحث عن السر جاءه الخبر اليقين : صارت للقطط أجنحة) ص 20 ، هكذا أمسى واقعنا يعرف ظهور أشياء غريبة غير مألوفة في عاداتنا وتقاليدنا. فهذا البطل لما أمعن النظر في الواقع لم يجد سوى (الديار على عروشها خاوية، رأى إخوة يرمون بأخيهم في غيابات الجب رأى أُسُودًا تولي الأدبار وخراف تلاحقها، رأى الشعراء يتوسلون خبزا حافيا رأى مومسا تقود بغالا بخيط عنكبوت…) ص 45 هذه التغييرات وغيرها في المجموعة كثيرة أصبحت تفرض علينا تغيير السؤال الفلسفي؛ إذ لم تجد إحدى بطلات المجموعة أي جواب عن سؤال: هل ينحدر الإنسان فعلا من أصول حيوانية؟ سوى القول: ( ليس المهم من أي ن ينحدر الإنسان. لكن المهم هو إلى أين ينحدر؟ ) ص 13.
أمام تنوع وتعدد تيمات المجموعة القصصية وتنوع طرق مقاربتها لعناصر الثالوث المحرم ( الجنس ، الدين والصراع الطبقي)، وخوفا من إغراق القارئ في بحث مطول، سنكتفي بإطلالة على نقد المجموعة للفكر الديني، وتوظيفها لبعض القَصص والإحالات الدينية وتكييفها مع الواقع المعاش، ذلك أن ساردي قصص المجموعة استلهموا الكثير من الإيحاءات الدينية للتعبير عما يعيشه العالم العربي اليوم بطريقة فنية دالة، فتعالوا نرى كيف استطاعت مجموعة (عندما يزهر الحزن) توظيف هذه الإحالات الدينية، وتلك القصص والنصوص الغائبة في رصد ذبذبات الواقع؟
للتعبير عن موقف القاص من الهمجية الصهيونية، وظف قصص عدد من الأنبياء فقال في قصة « إسراء» وبعد أن بين في جملة وحيدة كيف خُسِفت الأرض بقوم لوط وأغرق الطوفان قوم نوح وبعد أن أصبح المكان خلاء ( أسري بكتائب جند قبائل الأشكيناز والسفرديم إلى بيت المقدس لإحياء سنن القتل ) ص 11، مع الإشارة إلى أن معظم القصص الذي وظفها السارد ربطها بالقتل؛ وللتعبير عن تكميم الأفواه وخنق حرية التعبير استحضر تسميم وقتل الغوغائيين لسقراط بتهمة إفساد أخلاق الشباب مستلهماً قصة المسيح ابن مريم كما وردت في القرآن فقال في سقراط: (وما قتلوه وما سمموه وما وضعوا في القبر سوى قميصه) ص 15 لتكون للإحالات القرآنية دلالة تعبيرية تتناسل خلفها الدلالات…
وبطريقة فنية استوحى من قصة موسى ما يخدم موقفه من الهجرة السرية فقال السارد في قصة «هجرة»: (خرج الجمع الغفير يبغي أرضا لا يظلم فيها أحد، ولما وجدوا البحر أمامهم قالوا إنا لمدركون، لكن زعيمهم فلق البحر نصفين ومع طلوع الشمس لفظ البحر عشرات الجثث) 17، هذه الجملة القصية تختزل معان يستحيل الإحاطة بها جميعا في مقال مهما كان حجمه إذا ما أردنا الجواب عن أسئلة سبب خروج هذا الجمع؟ ومن هو الزعيم الذي فلق البحر؟؟ وعن نتائج الهجرة خاصة غير الشرعية منها ؟؟؟
وقد يعسر على إنسان بسيط أن يجد علاقة بين قصة سليمان وأحداث 11 شتنبر، لكن عند قراءة القصة القصيرة جدا (مؤامرة twin towers) يدرك القارئ كيف تمكنت هذه القصة بجمل مختزلة من تشبيه إسقاط الإرهابيين للبرجين التوأم في الأحداث بقرض الدويبة لعصا موسى فيماثل بين هيبة سليمان في عصرة وهيبة امريكا اليوم وبين وضاعة الدويبة ووضاعة الإرهابيين لنستمع له في هذا التشبيه يقول: ( برجان عظيمان يتهاويان، جثة سليمان وهيبته تسقطان. لما مات سليمان الحكيم انتفض الإنس والجن لكن دويبة الأرض الصغيرة ظلت هادئة رغم أنها هي التي قرضت عصاه فتهاوت الجثة وتهاوت معها الهيبة) ص22 وكما وظف علاقة الدويبة بسليمان لإبراز موقفه من الفكر الداعشي، عاد لقصة سليمان والنمل لتكريس نفس الموقف فقال في قصة سفور ( لما اقترب قوم الدواعش صاحت النملة: أيتها النملات ادخلن بيوتكن أو أدلين من جلابيبكن. ضحك كبير الدواعش وداسها بحذائه الثقيل ثم قال: “ هذا جزاؤك يا سافرة”)ص47 وهي إشارة ذكرية ذكية من الساردة لعلاقة الفكر الذيني بالجسد العاري ولو كان جسد نملة…
ولتصوير ما مأساوية الواقع العربي ، وتأرجح الحلم العربي بين اليأس والأمل ، تم توظيف القميص بالنهل من قصة يوسف عليه السلام وقصة عثمان بن عفان حيث حضور القميص بدلالات مختلفة عبر عنها السارد في قصة “ قميصان” بقوله ( رمى البشير بقميص يوسف على وجه يعقوب فانجلى عن عينيه العمى لكن لما رأى الناعي بقميص عثمان على وجه الأمة أصيب بالعمى) ص40
هكذا يتناسل توظيف المجموعة لقصص القرآن بهدف نقد الواقع ونقد الفكر الديني التقليدي، سواء تعلق الأمر بالقضايا الاجتماعية البسيطة كعلاقة الرجل والمرأة مثلا وخصوصية المرأة في هذه العلاقة كما في قصة (كبرياء) ص 42 ، أو تعلق الأمر بالقضايا الدينية الصرفة كمسألة تجسيد الإله في المسيحية كما ورد في قصة (تجسيم) التي سخرت من فكرة تجسيم الإله بطرقة فنية . ورد في القصة: (بعد أن أقنع الأب هنري مارتن البدو بأن المسيح هو الله امتلأ قلبه غيضا لما سأله مزارع (إذن الإله يتغوط؟) ص 47
إن انتقاد الفكر الديني لم يجعل المجموعة القصصية تقف عند قصص القرآن، بل انفتحت على علم الكلام والفرق الكلامية والتصوف وما تعرض له بعض المفكرين والمتصوفة في تاريخ الإسلام أثناء تعاملهم مع الأسئلة المحرجة واستغلال بعضهم للوضع بالصمت أو التحالف مع الحاكمين: فقال في قصة “ترهيب” : (هل يستطيع الله ان يرسل نبيا بعد محمد ؟ هل يجوز بناء مجسم للكعبة للطواف حوله بغرض الحج؟ بالجواب عن السؤال الأول قتل السهروردي. وبالجواب عن السؤال الثاني صلب الحلاج. لهذا صمت النفري) ص49، لإبراز جبن الفكر الديني التقليدي وعجزه عن الإقناع صوره في صورة المجبول على قتل معارضيه والتنكيل بهم دون شفقة ففي قصة “تعبد” تبرز المجموعة كيف تم قتل عدد من العلماء بدعوى التقرب إلى الله: (صلبوا الحلاج على خشبة قديمة. ذبحوا الجعد بن درهم عند قدم المنبر، قطعوا أوصال ابن المقفع مبتسمين، أحرقوا جثة لسان الدين بن الخطيب مكبرين. ثم رفعوا الآذان وصلوا في المسجد الكبير جماعة) ص 50، لتعيد المجموعة الكرة في قصة “ تعبد أيضا” وتبرز أن الفكر الديني لا يقبل من يوجه إليه النقد وأن الحكام قد يباركون تلك الأفعال: ( لما جهر الشيخ بالحق قطعوا لسانه وشنقوه على جذع نخلة. لما نبههم العالم إلى أخطائهم، دفنوه حيا في رمال الصحراء. لما انتهى الحول تجهزوا لحج البيت الحرام على نفقة الحاكم بأمر الله) ص 51 …
هكذا تواصل المجموعة هجومها على الفكر الديني التقليدي الذي يطبق القصاص على السارقين الصغار الذين يسرقون في العلن دون السارقين الكبار الذين يسرقون في السر، فيبرز ورطة السياف وتبريره للسرقة بنص شرعي في قصة “تبرير” التي ورد فيها”: ( لما هموا بقطع يده صاح في وجه السياف : أسارق السر يقطع يد سارق العلن. أجابه السياف ويحك أما سمعت بالحديث “ إذا ابتليتم بالمعاصي فاستتروا) ص52. ومن مظاهر الفكر الديني التي تنتقده المجموعة، ركون بعض رجال الدين للانتهازية وانحيازهم دائما للفئة المنتصرة، كما فعل بطل القصة (انتهازية) لما ( أغلق باب بيته عليه وقال: الصلاة وراء هذا إثم وسماط ذا أدسم، اللهم انصر من انتصر سأصلي وراء من غلب) ص53، ولجوء البعض منه إلى التقية والنفاق وإظهار عكس ما يبطنون فيطبقون الإقصاء ويرفعون شعار الديمقراطية هكذا تواطأت المجموعة على قتله عالم لأنه قرأ (إذا الموؤودة سئلت باي ذنب قتلت) وفي قصر العدالة احتفلوا بالذكرى السنوية لحقوق الإنسان) … وحتى أئمة المساجد لم يسلم من انتقاد المجموعة فألفياناها توجه سهام نفدها للخطباء فقالتفي خطيب الجمعة يقصة “لغو” : (قال “ ومن لغى فلا جمعة له “.. ثم بدأ حصة أخرى من جلد اللغة والدين والتاريخ وكل الباقيات الصالحات بأقصى درجات اللغو) ص45
هذه إذن بعض السهام التي وجهتها المجموعة للفكر الدين العقيم المستفيد من الوضع القائم، والمتخالف مع التحالف الطبقي المسيطر والذي جرفه تيار العولمة والنظام العالمي الجديد، لتقل الأصوات المعارضة فلم يعد من المارقين إلا النزر القليل هكذا انبطح الجميع وبعد النداء ( اجتمعت الأعراب أمام باب الهيكل إلا حنظلة فكان من المارقين) ص9 ومن أبى واستكبر تواطأت عليه القوى الحاكمة، والتواطؤ متأصل في المستفيدين من الوضع فمنذ قتل قابيل لهابيل (تواطأت الأرض لما شربت دم القتيل) وشارك الغراب في محو آثار الجريمة) دون أن ينال المجرم والمتواطئ جزاءهما فإلى اليوم ( الأرض لم تحجل) و(الغراب إلى اليوم لم يشب) 10 .بهذا التواطؤ تحول المجتمع غابة لم يعد فيها سوى الثعالب والخنازير بما ترمز إليه هذه الحيوانات من مكر، خديعة وخِسَّة فقال: ( لما اجتمعت الثعالب ذات مساء لمناقشة أمر يهم الغابة كلها تلصص على الجميع … فلم يجد سوى قطيع خنازير) 12 لذلك كان طبيعي أن يسود الظلم وتبقى أدلة القتل شاهدة على ما نعيشه. فبعد أن دمرت العاصفة كل شيء بما فيها سجن المدينة ( لم تستطع العاصفة حل عقدة حبل المشنقة التي كانت منصوبة في ساحته) ،
إن مجموعة (عندما يزهر الحزن) تعود بالقارئ إلى الكتابة الإيديولوجية التي تقارب تحالف السلطة والفكر الديني لقمع كل المعارضين ، وطمس الحقائق ولنر كيف استعار عن ذلك بهذه الصورة في قصة خوف (كل الحمام الذي كان في الأيكة افترسته النسور الصلعاء. كل الحملان التي كانت ترتع إلى سفح الجبل أبادتها الذئاب أما الهدهد الذي كان يأتي بالخبر اليقين فقد سملوا عينيه) ص 23 وهو ما جعل (حاميها حراميها) وحول حراس بيت المال إلى سراق بيت مال الأمة الذين (يطالبون بتوزيع الغنيمة بالعدل).
لقد استطاعت المجموعة تعرية الواقع تبيان مدى قوة التحالف الطبقي المهيمن مما جعل الطبقات المقهورة تقبل واقعها ، ولا حيلة للمغلوب أمام الغالب، وما عليه سوى التصفيق للأسياد حتى وإن كان إيذاؤهم لا يحتمل كما في هذه اللوحة المعبرة في قصة “استبداد” التي يتسلى فيها سيد بقتل صبي (قتل صبيا رميا بالسهام صفق الأب طويلا لمهارة سيده العظيمة في الرماية ) ص26 إنه واقع ألف فيه العبد العبودية واستعصى عليه المطالبة بحقوقه، بل استعصى عليه التمتع بها في غياب السيد ( فتح باب القفص وذهب إلى عمله .. لما عاد مساء وجد القفص لا يزال مفتوحا والعصفورة البيضاء لم تبرح مكانها) ص28 ، وحتى إذا ما سأل السيد تابعه : هل أنت راض عن عبوديتك يجيبه ( فداك سيدي أنا مرتاح جدا أقسم لك بديننا الحنيف) ص27
هذا هو الواقع الذي تقدمه مجموعة “عندما يزهر الحزن” للقصاص عبد الغفور خوى، الذي يرجع السبب في ماساوية الواقع إلى تفشي الأمية وتراجع نسبة القراءة وهو ما عبر عنه في قصة “القراءة” عندما قارن بين قتل الفلاحين لدود القز داخل الشرنقات لإحراج الحرير سالما وبين قتل الملاك للفلاحين ليؤكد أن (المأساة مستمرة لأن المزارعين لا يقرأون الشعر والدود لا يقرأ أصلا) ص30 ، ويبين أن التحالف الطبقي يتلون مع المواقع فلما (قررت الخراف أن لا تبقى خرافا منذ ذلك التاريخ لم تعذ الذئاب ذئابا) ص33 هذه بعض أسباب مأساوية الواقع مع غياب أي مؤشر إيجابيينبئ بتحسن الأحوال ما دام (لم يبق بحديقتنا سوى النباتات الشوكية أما الأزهار الجميلة فقد سرقوها في غفلة منها) ص32 هذه المعطيات وغيرها جعلت السارد لا يرى شيئا في الأفق سوى (شمس حارقة والمدينة تعلق على أبوابها المشانق تسائل ما جدوى التطلع إلى أعلى؟) ص31 . وأن ما نعيشه ليس سوى نتيجة طبيعية لسنوات الجمر والرصاص التي ذاق فيها المغاربة كل أنواع العذاب وجعلت مَن كان طفلا أنئذ يمر بجانب بناية ويسمع صراخا عندما كبر وقرأ عن سنوات الرصاص فهم ما كان يجري داخل البناية (لكنه لم يعد يفهم ما يجرى حوله ) ص43 . إن السنوات التي كان فيها الأفراد يعتقلون بدون سبب ولأسباب تافهة كإلقاء القبض على بطل قصة “اعتقال” بتهمة: ( في بيتك أشخاص مشبوهون : غيفارا ، أبو در الغفاري مالك بن الريب وكل الأشرار) ص55 سنوات الجمر والرصاص إذن هي السبب في ابتعاد الشباب عن السياسة، وهي السبب في مأساوية و فظاعة الواقع ، مأساوية حتمت على السارد التوقف عن السرد وفسح المجال للكاتب ليعتذر للقراء فقال في نهاية قصة (خوف) : ( عذرا السارد لم يستطع إتمام الحكاية ) ص 23 ، وقال في قصة “انتحار” ( نكاية بنقاد القصة القصيرة جدا فإني بوصفي كاتبا سأقطع حبل المشنقة قبل أن تحل الكارثة ) 29 .
ما يستنتج إذن هو أن القصة القصيرة جدا شكل تعبيري رغم قزميته فإنه قادر على احتواء قضايا وإشكالات كبرى، وأن المشكل ليس في طول أو قصر القصة ، إنما في عمق المعالجة، و القدرة على اختزال الفكرة ، وتسديد الضربة لتصيب الهدف المنشود.


الكاتب : الكبير الداديسي

  

بتاريخ : 14/12/2018