محور ندوة تربوية بسيدي بنور : تمدرس الفتاة بالعالم القروي بين الإكراهات و التحديات

 

ندوة تربوية ناجحة تلك التي نظمتها مجموعة مدارس أولاد بوعنان بالمديرية الاقليمية سيدي بنور مساء يوم الاثنين 29 أبريل 2019 ، و التي تناولت موضوع « تمدرس الفتاة بالعالم القروي بين الاكراهات و التحديات « بشراكة مع منظمة الكشاف المعاصر – المغرب، أطرها مجموعة من الدكاترة و الأساتذة الباحثين و المحامين و المرشدين : آمال الفارسي و خديجة رؤوف و فريدة العدراوي و عبد الكريم بنقدور و لطيفة رفيق، حيث تم تناول الموضوع من جوانب متعددة بطريقة تفاعلية و فعالة ترتكز على معالجة الموضوع من الواقع المعيش من خلال خلق تفاعل بين الحضور الذي طغى عليه العنصر النسوي بحضور الآباء و الأمهات و الأساتذة و بعض رؤساء المؤسسات التعليمية بالإقليم، الى جانب جمعية آباء و أولياء التلاميذ و و رئيس الجماعة الترابية سانية بركيك و كذا ممثلي و سائل الاعلام الوطنية بالإقليم .
الندوة التربوية انطلقت بكلمة ترحيبية للأستاذ المصطفى الرمي مدير م م أولاد بوعنان واضعا الحضور في السياق العام الذي جاء فيه تنظيم هذه الندوة، التي يطمح منها الى تشجيع الاسر بالعالم القروي على تجاوز هاجس الخوف على الفتاة و تركها تواصل مسارها الدراسي الى جانب أخيها ،داعيا الى تضافر جميع الشركاء لأجل توفير كل ما من شأنه مساعدة الفتاة، خصوصا بالعالم القروي، على مواصلة دراستها … كما قدم الأستاذ الحسين مارس إحصائيات تخص تمدرس الفتاة القروية بالمنطقة، مشيرا إلى الدور الذي تقوم به خلية الإنصات واليقظة بالمجموعة للتصدي لظاهرة الهدر المدرسي المتفشية بالعالم القروي، الذي هو في أمس الحاجة إلى نوع خاص من التعامل، تفرضه الإكراهات التي يعيشها هذا الوسط ، فهو في حاجة إلى فك العزلة عنه وربطه بباقي المناطق بالإضافة إلى توفير الماء والكهرباء والحجرات الدراسية …
و تجسيدا لشعار الندوة تم عرض لوحات فنية من ابداع تلامذة مجموعة مدارس أولاد بوعنان ، جسدوا من خلالها أهمية تمدرس الفتاة القروية و العناية بها ، ليتم بعد ذلك الانصات الى كلمة رئيس جمعية آباء و أولياء التلاميذ التي كانت مقتضبة و لكنها ذات مغزى مهم مفاده تجند الجمعية بكامل اعضائها قصد التصدي لظاهرة الهدر المدرسي بصفة عامة و بالنسبة للفتاة القروية بصفة خاصة من خلال توفير ما يمكن توفيره من تجهيزات و آليات و كذا التدخل لدى الجهات المعنية كلما تطلب الأمر ذلك ، كلمة تشير الى الاستعداد التام للانخراط الايجابي في محاربة ظاهرة انقطاع الفتاة بالعالم القوي عن التمدرس …
المداخلة الأولى للدكتورة آمال الفارسي مديرة الفرع الإقليمي للمركز الجهوي لمهن التربية والتكوين بالجديدة ، تناولت موضوع المساواة بين الفتاة و الطفل داخل الأسرة و ما يمكن أن ينتج عن ذلك من تأثيرات سلبية في حال عدم قيامها و اعتمادها داخل الأسرة كما يجب خصوصا بالعالم القروي، حيث تصبح ضحية لها الفتاة باعتبارها هي من يجب أن تقدم المساعدة في البيت و مراقبة اخوتها و غيرها من المهام التي يتم اعفاء الطفل منها ، الامر الذي قد يؤدي بالأسرة الى حرمان الفتاة من متابعة دراستها ، ناهيك عن اعتقاد الاسر أن الرجل هو المعيل للأسرة مستقبلا و يجب التعامل معه باحترام عكس الفتاة التي تظل في نظرهم أنها في يوم من الأيام ستغادرهم الى بيت الزوجية لتكوين أسرة خاصة بها ، لذلك نجد أن العديد من الاسر تقوم بتزويج بناتها في سن مبكرة تكون الفتاة أثناءه في حاجة الى اللعب و التمتع بطفولتها … و أمام هذا الوضع، تقول الدكتورة أمال، بات من الضروري تغيير منظور المجتمع الى الفتاة بالعالم القروي و جعلها تتساوى و أخيها الذكر في الواجبات و الحقوق و السعي الى تعليمها و توفير الشروط الضرورية لذلك …
الدكتورة خديجة رؤوف أستاذة مكونة بالمركز الجهوي لمهن التربية والتكوين بالجديدة، تناولت الظاهرة من خلال طرحها مجموعة من الأسئلة على الحضور من آباء و أمهات في اطار تفاعلي للوقوف على بعض المعيقات التي تحول دون إتمام الفتاة القروية الدراسة، حيث تبين أن جلهن ينقطعن بمجرد انتقالهن الى المرحلة الاعدادية و في هذا الجانب أشارت الى ظاهرة الأمية المتفشية بين الأسر في العالم القروي ، و كذا تشتت المساكن و بعدها عن المدرسة ، و ظاهرة الفقر و مساعدة الفتاة القروية لأسرتها في الأعمال الفلاحية دون اغفال وسائل النقل المدرسي، التي و إن توفرت فبنسبة قليلة لا تفي بالغرض . الدكتورة رؤوف بسطت عرضها في تناول الظاهرة بطرح المشاكل التي تقف حاجزا أمام تمدرس الفتاة بالعالم القروي بما يسهم في انقطاعها المبكر عن الدراسة و من بينها بعد المساكن وتشتتها، الشيء الذي يجعل المدرسة بعيدة، وهذا البعد يؤدي إلى إرهاق التلاميذ، خاصة وأنهم يضطرون إلى قطع عدة كيلومترات يوميا مشيا على الأقدام، وفي كل فصول السنة، فيعانون نتيجة ذلك معاناة كبيرة، كما أن فقر غالبية سكان القرى، ونتيجة كثرة الأعمال التي يقومون بها لتوفير لقمة العيش سواء في الحقول أو في تربية الماشية، فإنهم يضطرون للاستعانة ببناتهم في العطل وفي أوقات فراغهن للرفع قليلا من دخلهم، فيؤدي ذلك إلى ضعف التحصيل عندهن ، و بالتالي تظل الفتاة هي المتضرر الأكبر من الهدر المدرسي في العالم القروي …
الأستاذة فريدة العدراوي محامية بهيئة الجديدة وفاعلة جمعوية، جاءت مداخلتها في الشق القانوني من خلال التذكير بالنصوص القانونية التي تنص على إلزامية تمدرس الأطفال بشكل عام وأولت اهتماما كبيرا للفتاة القروية وما يترتب عن ذلك من تبعات ، فالمغرب من بين البلدان الموقعة على اتفاقية حقوق الطفل و انه على الدولة صون هذا الحق بتعليم الأطفال و الفتاة من بينهم، مستدلة بالعديد من النصوص و القرارات التي تصب في تمكين الفتاة من حقها في التعليم …
و تطرق الأستاذ عبد الكريم بنقدور من خلال مداخلة رابعة ، إلى موضوع التربية الدامجة حيث ركز في مداخلته على أن تحقيق الإنصاف وتكافؤ الفرص يستند إلى مجموعة من الرافعات أهمها تعميم تعليم دامج وتضامني لفائدة جميع الأطفال دون تمييز ومحاربة الهدر المدرسي وإعادة إدماج المنقطعين عن الدراسة بكل الوسائل المتاحة، مشيرا الى بعض المبادرات المتخذة للتخفيف من حدة الهدر المدرسي في العالم القروي بصفة عامة وإن كانت لم تستطع القضاء على هذه الآفة ، خصوصا في وسط الفتاة القروية ، منها مبادرة المليون محفظة، وهي مبادرة مكنت الأسر الفقيرة من الحصول على المحفظات وعلى الكتب المدرسية أو بعضها مجانا، وهو أمر يشجع الأسر الفقيرة على عدم سحب أبنائها من المدارس و عملية توزيع دعم مادي على تلامذة العالم القروي و مبادرة انشاء المدارس الجماعاتية التي يمكن اعتبارها البادرة الأهم ضمن الإصلاح التربوي في السنوات الأخيرة والتي من إيجابياتها ترشيد الموارد البشرية وجمع شتات المدارس النائية وإعفاء المتمدرسين من قطع مسافات طويلة من أجل التمدرس، وتمكينهم من الانتظام في مدارسهم لأنهم كلهم تقريبا في حاجة ماسة إلى النقل وإلى الإيواء وبالخصوص متمدرسي المستوى الابتدائي لتشتت مساكن ذويهم وبعدها عن مدارسهم، فهم في حاجة إلى داخليات تلحق بمدارسهم وتستقبلهم لتجنبهم قطع المسافات الطويلة التي يقطعونها وتسبب لهم الإرهاق الذي يضعف مردوديتهم الدراسية، وبالتالي قد يؤدي إلى الهدر. كما أن هذه الداخليات تجنب الفتاة مساعدة الأهل في الحقول وما شابه وتمكنها من التفرغ لدراستها ،ومن عيش حياتها المدرسية بشكل طبيعي، وهذه أمور توفرها المدرسة الجماعاتية. و أكد الأستاذ بنقدور على الدور الذي يلعبه النقل المدرسي في تشجيع الفتاة على التمدرس، لذلك يجب توفير الحافلات لكل متمدرسي العالم القروي الذين تبعد سكناهم عن مدارسهم، ويجب أن تسهم الجماعات المحلية و جمعيات الآباء و الأمهات والمجتمع المدني في الأمر بفعالية و هناك القرار الرامي الى الحفاظ على المتمدرسين في المدارس لغاية سن الخامسة عشر …
الأستاذة لطيفة رفيق ممثلة المجلس العلمي المحلي، أكدت في مداخلتها على ضرورة تحمل الاسر المسؤولية في تعليم ومساعدة الفتاة من أجل استكمال دراستها، باعتبار أن المرأة عماد للمجتمع و أن فتاة اليوم هي أم الغد التي يرجى منها تربية الأجيال تربية جيدة يتحلون بأخلاق عالية، مستشهدة في ذلك ببعض الأمثلة والنماذج الخاصة ببعض الحالات ، داعية الجميع الى تمكين الفتاة من حقها في التعليم و عدم استغلالها في امور أخرى تجعلها أكبر من سنها …
وفي ختام الندوة تم توزيع شواهد تقديرية على الفعاليات النشيطة و المحاضرة اعترافا بما قدموه من مجهودات ايجابية في محاربة الهدر المدرسي في صفوف الفتاة القروية ،و بالمناسبة تم الاستماع الى فتاة سبق لأهلها أن حرموها من متابعة دراستها قبل ان يتدخل أحد الأساتذة ليقنع الاسرة بإعادتها الى مكانها داخل الفصول الدراسية، حيث كانت كلمتها جد مؤثرة و هي تعدد معاناتها النفسية و ما حققته من نتائج ممتازة بعد عودتها للدراسة ، و ذلك بتحقيق اعلى معدل بالفصل الذي تدرس فيه …


الكاتب : أحمد مسيلي

  

بتاريخ : 16/05/2019