أنا لا أكتب، ولكن أتجمّل

حفيظة الفارسي

ها قد طرقتُ جدار الخزان وخرجت عارية من غبار الحياة
معها، بها ولها، ذهبت الى شارع الحرية بلا طبول وبلا مزامير.
وقفت شاهرة بياضها وسوادي، سوادها وبياضي، لأصرخ في وجه فرمانات العالم: أيتها الكتابة عريني أكثر واغسليني بماء النار والبرَد قبل أن تمتد يد المُغَسِّلة الى جسدي.
علمتني الكتابة كيف أصنع الدهشة من عرائس القصب، وأن أهرس العالم بين كماشتي… فتضيع كل الخرائط… أن أفقس بيضي في أعشاش مفخخة… أن أحلق وأترك للريش مهمة تدريب عصافيري على الطيران.
أن أكتب، معناه أن أنزع جلدي الميت وأنا أبتسم.
أن أتقن فن الاحتيال وأنا أخيط الجرح، فأترك له منفذا كي يسيل من جديد.؛
أن أحاذر وأنا أفتح جرابي كي لا تخرج إلا الذكريات المعلبة والصدئة التي يخشاها الوديعون؛
أن أشحذ سكاكين اللغة بيدي، وأمررها على حواف القلب… فيضحك من سذاجتي، ومن بلادة العالم.
قبلها؛
كان تصريف الرياح بما لا تشتهيه سفني. فآويت الى مركب في أقصى الجبل وصرخت: يا ألله، هذا الصمت بداخلي الذي يشبه الحجر، من يرج خضابه؟
من يومها، هذا الجسد العليل الذي أتعب الطبيب، غلّف ألمه بالبياض فإذا به حرفٌ يسعى… قبعة ساحر، أكروبات يتمشى على شفا جرف هار فيما يداه تراقص ضوءا ينوس بخجل، يتراءى من عتمة في الأقاصي.
هل اخترتُ الكتابة؟
لا أظن؛
هل أتيت إليها بعد فراغ أم امتلاء؟
لا أذكر. كل ما أذكره هو لحظة شَخّصَ الطبيب حالتي بانكتاب حاد وبأعراض وعي شقي في الخيال.
لحظتها أدركت أنني وقعت في فخ مكين، وتساءلت: هل يسعفني الجنون كي أرى العالم أعقل؟ كيف أذهب الى منفاي الاختياري عزلاء إلا من قلب أشطره نصفين: نصف للكتابة ونصف للكتابة أيضا؟
من يومها كتبتُ، شطبتُ.. محوتُ، وخجلتُ واسترقت السمع الى حروب كلامية دارت رحاها بين الروح والجسد. سقط ضحايا كثر بين قتيل وجريح وأسير.. تفقدت الوجوه الواجمة بعد أن مسحت عن عيني غبار المعارك. دم أبيض يأخذني إلى ضوء بعيد. كان ورقة تسيل.
حلّلت وحرّمت، ورفعت الرايات بيضا وغرفت من جب الكتابة فإذا بهن ضاحكات قد روينا.
كتبتُ بدهشة طفلة ترى الثلج أول مرة … وبحماسة الشابة التي أغرتها الطوباويات… وبخجل العاشقة أمام أول كلمة حب.
كتبتُ «ليحبني أصدقائي أكثر» كما قال غارسيا ماركيز، ولأكسب عداوات أكثر.
كتبت لأعري عن بعض سوءاتي التي يُخْرِسها ويحرُسها النظام العام وقانون القطيع
لأُرضي غرورا وأمشي في الأرض مرحا، وأبلغ الجبال طولا
ليصير لي وطن، وشمس وهواء؛
فأفرد جناحي ويدخل الهواء ما استطاع إلى رئتي سبيلا.
أكتب لأتخلص من وزن القلق الزائد ومن ثالث أوكسيد التفاهة،
لأضبط إيقاع الأدرينالين في دمي حين تتحول كل الممرات إلى الحياة …إلى أقبية
كي أفشي أسرار النفس الأمارة بالحزن، فلا يراها إلا الراسخون في الجرح.
كي ألعن آدميتي قبل أن أعود في آخر النهار وأربت على كتفيها «طالبة، راغبة» في صفح جميل.
لأعيد خبزي المسروق، من فم جرذان درداء.
لأترك بصمة طين من أثري على العتبات.
لكل هذه الأسباب الجميلة والحقيرة أكتب.
وعندما أنتهي من الكتابة،أذهب إلى المرآة. أتحسس وجهي …أَعُدُّ تجاعيدي وخطوط الطول والعرض على جبيني.
يتورد خداي وتسود حدقتاي أكثر، تصبح لي غمازتان وفم من لؤلؤ، فأدرك أنني لم أكن أكتب ولكني فقط،
أتجمل.

الكاتب : حفيظة الفارسي - بتاريخ : 08/03/2019

رد واحد على “أنا لا أكتب، ولكن أتجمّل”

  1. يقول حسن علي:

    احي فيك يااختاه هذه البلاغة، التى افتقدناها مند زمان الملحق الثقافي لجريدتنا، واحمد الله أن لازالت بناتنا يملكن ناصية اللغة بهذا المستوى الرائع، فشكرا لكي سيدتي، وانا في انتظار المزيد من لواعجك الشيقة، وشكرا.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.