الخلاف الفرنسي الألماني يؤجل اختيار رئيس للمندوبية الأوربية

باريس- يوسف لهلالي

 

غياب أغلبية واضحة داخل البرلمان الأوربي، والخلاف الفرنسي الألماني جعل من اختيار رئيس للمندوبية الأوربية أمرا صعبا، خاصة في ظل ظروف تصاعد الخلافات الأوربية وتطلعات بلدانها بين الشرق والغرب وتصاعد قوة اليمين المتطرف والشعبوي. والباب المسدود الذي وصلت إليه المفاوضات من أجل خروج بريطانيا ودعم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للبركسيت.
التوافق حول رئيس جديد للمندوبية الأوربية لم يتم التوصل إلى أي اتفاق حوله خاصة بين باريس وبرلين، وتم تأجيله إلى المجلس الأوربي المقبل الذي سيعقد بالعاصمة الأوربية بروكسيل في 30 من يونيو المقبل، وذلك بعد أن تجنب الأوربيون اللجوء إلى التصويت واختيارهم منطق التوافق الذي نهجته أوربا مند تأسيسها في اختيار المسؤولين الأساسيين لمؤسساتها.ورغم عدة لقاءات لم يتم حصول على أي اتفاق وهو ما يثير القلق حول أوربا ومستقبلها، في عالم يعرف تقلبات جيوستراتيجية متعددة.
فرنسا عارضت المرشح الالماني منفرد فيبر، والرئيس الفرنسي اعتبر أن المرشح الألماني يفتقد إلى التجربة، ولم يمارس أي مسؤولية مما لا يؤهله لتسيير مؤسسة معقدة مثل المندوبية الأوربية وإمامها تحديات كبيرة.
ألمانيا لم يسبق لها أن ترأست المفوضية الأوربية وهي ترى أن الوقت اصبح مناسبا لذلك، وترشح لهذا المنصب المهم والاستراتيجي منفرد فييبر وهو ينتمي إلى الحزب الشعبي، كما أن المستشارة الألمانية انجيلا ماركيل ترشح أيضا جون فيدمان لمنصب رئيس البنك المركزي الأوربي، وهذا الأخير يطرح مشكلا حسب عدة مصادر اوربية، وهو ان مجرد تعيينه على رأس هذه المؤسسة المالية يمكن ان يرفع نسبة الفائدة، لأنه اقتصادي معروف في اوربا بتأييده لسياسة التقشف في تدبيره للمؤسسات المالية.
فيما يخص فرنسا يصعب التكهن بتوجهها الحالي، الرئيس الفرنسي ايمانييل ماكرون يريد إعطاء دفعة قوية للبناء الأوربي وأعاد اصلاح مؤسساته ولم يتردد في المشاركة في الحملة الانتخابية ببلاده رغم المخاطر السياسية ضد اليمين المتطرف وضد ارتفاع قوة الأحزاب الشعبوية في اوربا، وعبر عن ذلك بشكل واضح اثناء الحملة او من خلال الحوارات التي خصصها لبعض المنابر الإعلامية في هذا الموضوع.
لهذا ربما يختار شخصية تتلاءم مع اختياراته الليبرالية الأوربية.و حسب عدة مصادر فرنسية، فإن المرشحة المفضلة لرئيس الفرنسي هي الدنماركية مارغريت فيستادجي، وهي صاحبة الغرامات الكبيرة ضد عمالقة الانترنيت . وهو ما يعطيها شعبية أكبر في اوربا. وهي الأقرب إلى أفكار قاطن قصر الاليزيه.
هناك مرشح آخر ربما يتم اللجوء إليه كحل وسط و هو المندوب الأوربي ميشيل بارنيي الذي قاد باقتدار كبير ملف خروج بريطانيا من الاتحاد الأوربي، التي كانت تراهن على تفرقة البلدان 27 عشرين حول شروط خروجها، مما جعل البريكسيت يتحول إلى ازمة بريطانية. بالإضافة إلى انتمائه إلى الحزب الشعبي اليميني، أول قوة سياسية بالبرلمان الأوربي. لكن هذا المرشح لا يلقى دعم الرئيس الفرنسي ايمانييل ماكرون، وغير مرشح بشكل رسمي من طرف الأحزاب الشعبية الأوربية.
بالنسبة لرئيس الفرنسي،هناك تحديات كبيرة امام اوربا خاصة بناء اوربا سياسية، والوضع تغير على المستوى الجيوسياسي: واشنطن تبتعد عن اوربا كحليف، وهو ما يقتضي سياسة دفاعية اوربية وبإمكانيات اوربية، روسيا التي أصبحت لها سياسية اكثر عدوانية تجاه جيرانها وهو ما يثير القلق خاصة بشرق اوربا، والصين التي تنهج سياسة جد دينامية وهجومية على المستوى التجاري، لزيادة قوتها الاقتصادية ومن خلال الحصول على بنيات تحتية داخل اوربا ، من اجل مشروع طريق الحرير الضخم وهو ما يقلق فرنسا وألمانيا.
بسبب تشتت الأصوات داخل البرلمان الأوربي، ربما يتم التوافق على شخصيات أخرى من خارج هذه المؤسسات كحل وسط لتجاوز الخلافات خاصة بين الدول الأساسية في بروكسيل، وتم ترويج بعض الأسماء في هذا الاطار مثل كريستين لاغارد مديرة صندوق النقد الدولي، المعروفة من قربها من المستشارة الألمانية انجيلا ماركيل، والتي سبق لها أن تحملت مسؤولية قطاع المالية في بلدها اثناء حكومة نيكولا ساركوزي، لكن التكهنات تبقى مفتوحة على شخصيات اوربية أخرى لم ترشح نفسها حتى الساعة ،ويمكنها أن تشكل المفاجأة في حالة التوافق حولها، خاصة أن الاتحاد الأوربي هو في حاجة إلى شخصية كاريزمية لإعطاء صورة إيجابية حول اوربا وحول المندوبية الأوربية التي ينظر لها الرأي العام الأوربي كمؤسسة نخبوية وبعيدة عن هموم الناس.
لكن تباين وجهات النظر بين باريس وبرلين حول هذا الموضوع من شأنه أن يعقد الاختيار، والمفاوضات الطويلة والمعقدة لإيجاد الشخصية التي ترضي البلدين وترضي المؤسسات الأوربية والرأي العام. وحتى الآن، لم تعط أي نتيجة ، مما يزيد من القلق حول مستقبل أوربا ومؤسساتها.

الكاتب : باريس- يوسف لهلالي - بتاريخ : 26/06/2019

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.