الدين مع السلام والمحبة ..

بقلم : مصطفى المتوكل

قال تعالى: (وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا ۗ وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ .) سورة الحج.
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى للهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (أَنَا أَوْلَى النَّاسِ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَالْأَنْبِيَاءُ إِخْوَةٌ لِعَلَّاتٍ، أُمَّهَاتُهُمْ شَتَّى وَدِينُهُمْ وَاحِدٌ ) رواه البخاري.
إذا تتبعنا أثر من سبق  لوجدنا العديد من الذين يستغلون الدين ويتصنعون ادعاء رفع اسم لله وراية الإسلام عبر التاريخ، يسعون بتفان وبكل الوسائل والطرق إلى السلطة للتحكم في إرادة الناس وإخضاعهم لولي أمرهم المشترك، والذي لايرضون به إلا أن يكون واحدا منهم يبيح لهم فعل كل مايريدون ليهيمنوا ويغتنوا ويتجبروا ويتطاولوا على غيرهم ممن خالفهم وحتى البعض ممن وافقهم،  كل ذلك وهم يمارسون ليس التقية فقط بل يتقمصون دور الصالحين والقديسين وهم أقرب للذين يزين لهم الشيطان أفعالهم ويملي لهم.
إن المتحدثين باسم الدين، بصدق وموضوعية ورجحان عقل، ويؤمنون بما يقولون ويسعون إلى إقرار العدالة والمساواة والحق والحرية في الأرض يحاربهم هؤلاء بكل الطرق، فلا هم بلوروا  بالطريقة الصحيحة الكليات الخمس ( حفظ النفس/ حفظ العقل / حفظ النسب / حفظ المال / حفظ العرض) في الواقع، ولاهم تركوا الناس يُعملون عقلهم للفهم والاختيار والتفسير بمنهج القرآن ومتطلبات العصر، وليس وفق ما يكيفونه مع مذهبهم، بالانتساب إلى أحد أئمة المذاهب الأربعة وغيرهم، أي أهل السنة والجماعة -اي جماعتهم – ، وعند مذاهب الشيعة الذين يرون أنفسهم كذلك من أهل السنة والجماعة – أي جماعتهم -، وكلهم بحثوا واجتهدوا واعملوا عقلهم  لصياغة آرائهم التي أصبحت مذاهب تشكلت بعد عقود من وفاة النبي والخلفاء الأربعة وأغلب الصحابة…
إن النص القراني الواضح والمحكم لايجوز لأي  شارح أو متخصص أن يعتبر فهمه وتأويله وشرحه جزءا من النص لايستقيم الفهم والعمل به إلا باتباعه،  كما أن منهم من يقول «كلاما» ويفتي وينسبه إلى السماء والقرآن بتعسف، أثار وما زال يثير إساءات لم ينجح أعداء الحق والعدل والدين  في حبكها. إن العاقل هو من يقول هذا رأيي الخاص  في كذا وكذا لا ألزم به أحدا، ولا يأمر محبيه وأتباعه بالإيمان بقوله وجعله مذهبا لهم، ولا يحرضهم ويؤلبهم على من يخالفهم…
قال تعالى: (وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى للَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى للَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ) سورة النحل.
إنه وفقا للغة القرآن «الإسلام» اسم جامع لكل الرسالات التي نزلت على كل الرسل من أولهم مرورا بإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد عليهم الصلاة والسلام.. فالدين الإلهي واحد، والرسل ليس لهم إلا التبليغ والتعليم والتذكير، ولا حق لهم في إكراه الناس والسيطرة عليهم لأن  لله لو أراد لآمن من في الأرض جميعا، قال تعالى: (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَن فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا ۚ أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ) سورة يونس. وقال: (فَذَكِّرِ اِنَّمَآ أَنتَ مُذَكِّرٞ  * لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍۖ ) سورة الغاشية.
وقال: (شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ) الشورى/13.
إن من غرائب الأمور أن يجعل البعض بياناتهم  التي يصدرونها وكأنها «ملحقة» بالنصوص السماوية يترصدون بها كل المبادرات المتنورة والمتعقلة والحكيمة والتي تتبنى مبادئ التسامح والمحبة والتعاون بكل بقاع الأرض التي أصبحت كالقرية الكبيرة لايمكن أن يستغني سكانها بعضهم عن بعض، ولأن مصالحهم متكاملة ومتقاطعة، وتعاونهم وتفاهمهم أصبح من أولى الضرورات العقلية والشرعية، بأن لاتنتهك حرمة الإنسان وكرامته وحقه في الاختيار والعيش، ذلك أن الكليات الخمس التي استخرجها المجتهدون الأوائل هي نفسها في كل وحي إلهي بلغه الأنبياء لأهل الأرض.

 

إن أهل كوكبنا كلما مالوا إلى التعصب لما يؤمنوا به وأرفقوه برفض الآخر والكيد له والسعي لمحاربته كلما غرق الناس في الحروب والتطاحنات فيهلك العامة ويقتل بعضهم بعضا ليبقى المتطرفون الذين يثيرون الفتن بعيدين عن ساحات المعارك بتمويلهم وآراهم المتعسفة، وليبحثوا بعد الخراب عن صياغة  لاتفاقيات هدنة ومصالحات ومعاهدات وليضمنوا لأنفسهم عيشا أكثر رغدا وليضمنوا الإفلات من العقاب الدنيوي ..
قال الإمام الشاطبي رحمة لله عليه: (القواعد الكلية من الضروريات والحاجيات والتحسينيات لم يقع فيها نسخ، وإنما وقع النسخ في أمور جزئية بدليل الاستقراء، فإن كل ما يعود بالحفظ على الأمور الخمسة ثابت، وإن فرض نسخ بعض جزئياتها فذلك لا يكون إلا بوجه آخر من الحفظ ، وإن فرض النسخ في بعضها إلى غير بدل فأصل الحفظ باق، إذ لا يلزم من رفع بعض أنواع الجنس رفع الجنس).
قال تعالى: (إِنَّ ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ وَٱلَّذِینَ هَادُوا۟ وَٱلنَّصَـٰرَىٰ وَٱلصَّـٰبِـِٔینَ مَنۡ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلۡیَوۡمِ ٱلۡـَٔاخِرِ وَعَمِلَ صَـٰلِحا فَلَهُمۡ أَجۡرُهُمۡ عِنـدَ رَبِّهِمۡ وَلَا خَوۡفٌ عَلَیۡهِمۡ وَلَا هُمۡ یَحۡزَنُونَ ) سورة البقرة.
وقال: (إِنَّ ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ وَٱلَّذِینَ هَادُوا۟ وَٱلصَّـٰبِـِٔینَ وَٱلنَّصَـٰرَىٰ وَٱلۡمَجُوسَ وَٱلَّذِینَ أَشۡرَكُوۤا۟ إِنَّ ٱللَّهَ یَفۡصِلُ بَیۡنَهُمۡ یَوۡمَ ٱلۡقِیَـٰمَةِۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَیۡء شَهِیدٌ) سورة الحج.
إن للسياسة ضوابطها وقواعدها وهي تتعلق بإعمال العقل والمصلحة من أجل وضع آليات وبرامج تهتم بكل مجالات عيش الإنسان وحاجاته وضروراته في علاقته بوطنه وبالبشرية جمعاء باعتبار أن اجتهادات واكتشافات وإبداعات الإنسان، علميا وتقنيا وطبيا وصناعيا وتكنولوجيا وأدبيا وفنيا ومعرفيا وعلى مستوى المناهج الرائدة كلها …إلخ، في ملك البشرية التي من حقها الاستفادة منها واعتمادها تحقيقا لحفظ العقل بتطوير قدراته، ولحفظ النسل بإخراجهم من التخلف والجهل والأمية والتبعية العمياء، وحفظ المال « الثروة» بعقلنة تدبيرها بما يحقق الرخاء والازدهار والتنمية الشاملة والمستدامة للشعب، وحفظ العرض باحترام خصوصيات الناس وقناعاتهم الدينية وعدم انتهاك حرمات الناس لا باسم التحرر المحرف والمفترى عليه، ولا بالتستر تحت مسميات الحق في امتلاك الإماء وإباحة انتهاك أعراض النساء والقاصرات في الحروب وسبيهن كما وقع في العراق وغيرها…
إن السياسات والحركات المتخفية وراء الدين الإسلامي أوالنصراني أو اليهودي …إلخ، والتي تسمى باليمينية الأصولية المتطرفة عادة ما تتسبب في الاحتقان وعدم الاستقرار، كما أنها تقوي فقدان الثقة والشك وتشجع على الحروب الباردة والميدانية  بكل أنواعها والتي تعطل مصالح الشعوب والدول.
إننا بقدر ما نتجه نحو الإنسانية وإقرار الحقوق والعيش المشترك والتسامح والمحبة والتعاون بين البشرية، شعوبا وأفرادا ودولا، بقدر ما نكون أقرب لروح وجوهر الدين الذي هو السلام عبادة ومحبة وعلاقات ووجودا…
إن لله أرادنا أن نكون باتباعنا الأنبياء إلى أن تقوم الساعة كالأسرة الواحدة ولم يفصل بيننا، حيث قال: (الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ).
وقال: (وَلَوْلَا دَفْعُ للَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَٰكِنَّ للَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ)، سورة البقرة .

الكاتب : بقلم : مصطفى المتوكل - بتاريخ : 12/04/2019

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.