بأصوات متعددة: لماذا تردى شاعر العصر وتخلفت لغته؟

مصطفى غلمان

« والشاعر الملهم يسنح له المعنى من فكر أو نظر أو قراءة، فإذا هو كأنه قطعة من جمال الحياة تريد أن تنفذ إلى حياة الناس ليزيدوا بها حسا وذوقا ومنفعة، وإذا المعنى في صورته تجعله وحيا إلى هذا العبقري بخاصته ..» ـ مصطفى صادق الرافعي ـ
لا يستعيد المعنى عافيته والعالم الفوضوي ضاج بالشرور، ولا يستقيم الشعور بنفس المعنى الذي يكون فيه المجاز سطرا ذائبا في تخوم المجهول من نفاذ آثار المادة على العقول.
وعلى هذا الوجه صار المثقف والمفكر وبينهما الشاعر خطفا في بارقة مهدرة للمنفعة، ترفا فوق الحاجة، كما الواقع سعارا للحاذقين الذين يحسبون كل صيحة أنى استعرت، وكل شيء محسوم، لأن وظيفته المادية غالبة على نثار الأحلام وسنام الأهواء.
فما بال الشعراء اليوم لا يضيفون، ولا يزنون، ولا يطيقون، وفيهم من لا يحسن توصيف خيباتهَ؟ّ!
أليسوا رسل الحب، ينيرون درب السلام واليقين، ويصغون لنبضات الناس والشارع، ويدافعون عن الحق وإحقاقه، وينافحون عن نشر العلم والفلاح، ويصدون عن خرق القيم والجمال، ويتصدون للفساد والمفسدين؟؟
كأنما الإحساس بمسؤولية الشعر تكرس راهنا نوعا من التخلف عن ركب العقل والحداثة، وتستعدي مناطات التنمية وأسباب التفوق والنهضة. فليس من الوعي تغييب هذه السابحة في صنيع التحضر والمدنية، ومن غير المعقول ولا المنطق تحريف الوصل بالشعر رؤية ومناعة للمجتمع والفرد، لأن ما يقوم على فلسفة خلقه ونذور مطالبه يظل شهادة في معنى «الإنسان»، المأثور على الإبداعية، الواقف على القياس العادل بين الجسد والروح، العقل والقلب، الهوى والهوية.
وإنما نتأمل هذا الصخب الجارف الذي خندق المفهوم المتداعي للقابليات الشعرية، من داخل الوميض الشعري نفسه، ونحن غاضبون مزمجرون على فوات الزمن وانصرامه، متكدرون من سوء المتون وانحدار الفكر فيها، نفتري على بعضنا البعض، ونتكابر وننتفش، ونحاصر ونعنف، كأننا نتملك الفرادة ونتمنع عن إقامة الجسور مخافة الغرق والموت.
فإذا ما ضاقت الأرض بما رحبت، وخاض كل حزب شعري مذاهبه وانفرد بالنظريات والاتجاهات، تحلحل السحت بين القبائل، وتفرقوا شيعا، وغاضوا وهم فلول متطايرة، نجود تقردت أعناقها وتحالفت بين الضمور والانزواء.
ليس الأمر منقصة أو تباكيا، فالوعي بمقدرة الشعر على تقديس الحياة، وعلى صناعة الأمل ومحاربة شتى ضروب اليأس هو تفكير نسقي أصيل في السلوك البشري، وفي اقتداره على المغامرة وتنظيم الشؤون ومعانقة الجوهر.
لقد كان أرسطوطاليس ومعلمه أفلاطون يتندران بتفوق العلوم الحسية الباطنية على ماجريات العلوم الأخرى، فصار الشعر بالنسبة للمتأدبين سدادا للآفاق المقطوعة ورائزا للموازنة بين الفعل والواقع، الفكر بالقوة المنظورة والحافز إلى الاستنتاج .
وعلى خلاف الكثير من شعرائنا المترفعينبحماسة مصطنعة، الذين يتحاسسون بالنفخ على مرايا تعاليهم، ويتفاخرون بما قدمت أقداحهم من نبيذ المباهي وغمار السموم، فإن الوثوق بالشعر ليس إلا قيمة ذاتية، أو هو متعة «نزيهة» لا تتوقف على ما إذا كان الشيء الموصوف في عمل فني وجودا أم لا، بتعبير كانط.
كما أن التفكير بالشعر لا يعبر بالمطلق على الراهنية، وإنما يجعل من القطيعة ومفهوم النفس طوقا للنجاة وتمييزا عن معرفة العقل الإنساني المشترك مبدأ ذاتيا واختيارا خالصا للوجود والكينونة.
فماذا عسى الشعراء يفعلون في ظل انحسار الأفق في إثبات الوجود في ظل انكماش القيم وتفكك الفهوم السائدة، التي تعتم رؤيا «الضمير الخلقي» وتجفل نظر الحرية بتفكير واستقلال وعقلانية؟.
إن انحصار التأثير بالشعر لا يمكن البتة مقاربته من زاوية التصنيف الزمني لمكانة اللغة الشعرية، ولا لقيمة المرسلين بالألسن والبلاغات، ولا بالطاقة الجماهيرية التي تشكل صميم اندلاق المغزى الشعري والرؤية الشعرية والمكانة الشعرية. بل بهذا كله، بإضافة سلطة الأدب في الحضارة، وحضورها في الوجدان والمخيال والسلطة الرمزية الواقعة في أوار العقل العربي الذي نحن بعض من هواجسه.
نحن أمة جبلت على الشعر ومنذورون له قاعدة وبيانا، وجزء من هذه الجبلة تراجعت وانخرم أزيزها وتفسخ مضاء وصيدها، ولكننا لم نبلغ بالفصاحة قمم المجد الذي بلغته لغة العلم، من حيث تشع الأبعاد المختلفة للشعر لتعلو على كل مباهج الحياة. والدليل أن التقيد بلغات علم العصر الحديث لم تواكبه الطفرات في نشدان المدارك البعيدة، حتى يعود الطير إلى عشه، والهوية إلى حقيق وطنها ووطنيتها.

الكاتب : مصطفى غلمان - بتاريخ : 29/06/2017

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.