بالصدى: «أطباء» من زمن «أزرق»

وحيد مبارك

يوجد في «الفيسبوك» ما لايوجد في كليات الطب والصيدلة، كيف لا وهو الذي تختزن صفحاته «علوما» شاملة لاحصر لها، لاتوجد في أغنى وأعتى القواميس الطبية والموسوعات، ولايتم تلقينها نظريا للطلبة بالمدرجات، أو عمليا بالمستشفيات وبقاعات العمليات، الذين أمام الكمّ الهائل من المعلومات «الطبية» التي تنشر على شكل تدوينات، وأخرى بالصوت والصورة هي عبارة عن تسجيلات، يجب أن يكونوا في غنى عن همّ التنافس لولوج الكليات المختصة والكدّ والاجتهاد والسهر لتحقيق هذه الغاية بالحصول على أعلى المعدّلات، ثم قضاء السنوات الطوال من مرحلة عمرية زاهرة في التحصيل، مادام التكلم بلسان طبيب، هو ليس بتلك الصعوبة المفترضة، ولاتسيّج ممارسته قوانين، وهو الذي بات متاحا للجميع بدون قيود؟
إنها الحقيقة التي لاغبار عليها، غير القابلة للتشكيك، التي يمكن لأي متصفّح «فيسبوكي» أن يقف على تفاصيلها، «أبطالها» كائنات «زرقاء»، هم ليسوا بـ «سنافر»، بل هم «نشطاء» من نوع خاص، لايكتفون فقط بدور «الفقهاء»، بل أصبحوا يقومون أيضا بأدوار ومهام الأطباء، في التشخيص وفي وصف سبل وخطوات «العلاج». أشخاص خلقوا لأنفسهم حسابات وصفحات، وانتقلوا يستعرضون عضلاتهم الإدراكية والعلمية، من الحديث عن مسببات تأخير الزواج، عن المسّ، عن العين، عن السحر وغيرها، إلى الحديث عن «سحر النزيف»، وسحر «انقطاع دم الحيض»، مرورا بـ «علاج الاستحاضة»، وشرح أسباب طول وتأخر العلاج من هذا المرض أو ذاك!
تتبّعت مرارا بعضا من هذه التفاصيل «الفيسبوكية»، وكنا نشير لها بين الفينة والأخرى، ونثير الانتباه لها حتى يتدخّل أصحاب الاختصاص لإنقاذ المواطنين من بين براثن الجهل والتخلّف، لكن وخلافا لذلك، فإن موجات التضليل هاته هي ترتفع يوما عن يوم، وباتت عاتية أكثر، وتنتشر بشكل أكبر، فكيف لايجنّ جنون المرء، ليس بسبب الجنّ أو نسبة إليه، وإنما نتيجة لما يقدم عليه بعض الإنس، حين يزجّون به، ويؤسسون لعلاقة بين «الجنّ» وبين  تكيّس المبيض وسرطان الرحم؟ كيف لايضرب الطبيب أخماسا في أسداسا وهو يرى بأن سنوات الدراسة الجامعية، متبوعة بسنوات التخصص، وأشواط التكوين المستمر، وجهود المتخصصين وأبحاث الخبراء والمختبرات، تخرّ صريعة أمام هول ما يدّعيه «أطباء الفيسبوك» من قدرتهم على تحديد أسباب السرطانات، وضعف الجسم، والعديد من الأمراض، وتعهّدهم بالقضاء عليها وتمكين المرضى من العلاج، شريطة اتباع «وصفاتهم الشرعية»، عوض التردد على العيادات والمستشفيات والمصحات، والخضوع للتحاليل بالمختبرات، وتناول الأدوية وحصص الأشعة بتعدد الجرعات…
رقاة، عشّابة، مشعوذون، دجالون ونصّابون، الكل بات يتقن لغة التواصل الحديثة، جميعهم احتضنوا العولمة، وشرعوا في التواصل الافتراضي ومنه إلى الواقعي مع «المرضى»، من معدومي الوسيلة المادية، ومفتقدي الحيلة، ممن أضناهم المرض، واكتوت أجسامهم وأنفسهم بالألم، هم يسألون، و»أطباء الفيسبوك» يجيبون، وبإمكان الجميع أن يتابعوا مضامين هذه الدردشات، التي لاتخل من شهادات، لمزيد من الإقناع والاقتناع، قبل الانتقال إلى مستوى آخر بعد وضع الأرقام الهاتفية المختلفة رهن الإشارة، من أجل الاتصال الهاتفي والربط كذلك بـ «الواتساب»، وصولا إلى تحديد مواعيد الزيارات، ووصف العلاج على ظهر وصفات، تحمل إسم هذا «المعالج الرباني» وغيره؟
إن وسائل التواصل الاجتماعي بالقدر الذي ساهمت في تحقيق الكثير من الإيجابيات عبر العالم، فإنها بالمقابل خلّفت وماتزال العديد من السلبيات، بحسب طبيعة الاستعمال والغايات منه، ولعلّ الاتجار في صحة المرضى وتسويق الأوهام، هو أحد العناوين القاتمة التي تنتشر على الفضاء الأزرق، في غياب أي تحرّك، ليس لوضع قيود على هذه الوسائط ولكن من اجل تقديم المعلومة الصحيحة، ونشر الثقافة الصحية اللازمة، والقيام بحملات للتحسيس والتوعية، والحيلولة بالسبل القانونية دون استمرار النصب على الأشخاص تحت أي إسم من المسميات، وإلى حين التفكير في القيام بذلك، سيظل كثير من الأشخاص ضحايا لمثل هذا النوع من «الأطباء» من خريجي «الفيسبوك»!

الكاتب : وحيد مبارك - بتاريخ : 12/04/2018

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.