بالصدى : جاءنا «البلاغ» التالي…

وحيد مبارك

عمّمت وزارة الصحة، يوم الأربعاء 7 يونيو 2017، بلاغا باردا، جامدا، صادما في حمولته الحرفية، مفتقدا لكل حسّ إنساني، وهي تعلن عن خبر وفاة طفلة تبلغ من العمر ست سنوات، بعد تعرضها لحالة تسمم غذائي، طالت تداعياته شقيقتها التي تكبرها بأربع سنوات، واصفة حالتها الصحية بالمستقرة، خلافا لوالدتهما التي تبلغ من العمر 30 سنة، التي أبرز البلاغ أنها توجد في وضعية صحية حرجة.
بلاغ «شكلي»، «يعزّز» قائمة أغلب البلاغات التي تصدرها وزارة الصحة عقب كل واقعة أليمة، يحضر الهاجس التبريري فيها، والتي تتم صياغتها من أجل محاولة تبرئة الذمة وتبييض ماء الوجه، كما لو أنها الغاية الوحيدة من إصدار هذا النوع من «المنشورات»، التي تنهل من قاموس خشبي، يفيد بأن مصالح وزارة الصحة « تدخلت على الفور وبشكل مستعجل، استقبلت الضحايا وأخضعتهم للعلاجات الضرورية، وقامت خلاياها الإقليمية بوجه السرعة…، تفعيلا للبرنامج الوطني…، واتخذت الإجراءات اللازمة …»، وغيرها من «المفاتيح اللغوية»، التي تستعين بها للدلالة على أنها قامت بواجبها، سواء في حالات التسمم الغذائي، أو حالات التهاب السحايا المعروف بـ «المينانجيت»، أو عند تسجيل وفيات نتيجة للسعات عقارب أو لدغات أفاعي … واللائحة طويلة من الحوادث المميتة التي تتسبب في إزهاق أرواح مواطنين على مدار السنة، صغارا وكبارا، الذين يتنقلون عبر أكثر من مركز صحي ومؤسسة استشفائية قبل أن يسلموا أرواحهم لبارئها، في غياب تفعيل حقيقي لهذه البرامج الوطنية التي يظل كثير منها مجرد حبر على ورق، ولاتتم لملمة بعض عناوينها إلا بعد فوات الأوان؟
برودة بلاغ وزارة الصحة، لاتقف درجاتها عند حدود التعابير السالف ذكرها، وإنما تزداد جمودا، حين يتابع القارئ أسطره فيجد أن الوزارة الوصية لم تدبّج ولو بعض العبارات المعدودة على رؤوس الأصابع، التي تنهل مما هو إنساني، من الباب الشكلي حتى، وتعبّر عن أسفها ومشاطرتها للأسرة في مصابها وتعزّيها في ألمها، إذ بات الحديث عن الموتى طقسا اعتياديا في بلاغات الوزارة، وكأن الوفيات أمر هيّن لايستحق منا جميعا الوقوف لتحديد أسبابها وإمكانيات تفاديها، أو على الأقل مشاطرة حزن المعنيين بها، عند القيام بكل الواجب ويكون القدر أقوى في اختياره!
إن إشكاليات التسممات الغذائية ومعالجتها لاترتبط فقط ببعض التوجيهات المتعلقة بظروف التخزين، وبالحث على اقتناء المواد الاستهلاكية من أماكن بعينها، أو التشديد على ضرورة غسل اليدين، وغيرها من التفاصيل، التي لها أهميتها، فالأمر يعتبر معضلة حقيقية ترافق يوميات المغاربة، لأنها باتت وسيلة للكسب غير المشروع لعدد من منعدمي الضمير، الذين لايجدون حرجا في بيع مواد غذائية منتهية الصلاحية يتم تزوير تواريخها، وذبائح غير صحية على مستوى اللحوم، التي قد تكون لغير الماشية، ونفس الأمر بالنسبة للأسماك، والتوابل، وغيرها كثير مما يلج الأفواه ويستقر بالبطون، وإذا كانت الأرقام تكشف بين الفينة والأخرى عن بعض المحجوزات في هذا الصدد، فإنها تظل غير كافية بالنظر لأن التدليس الغذائي، هو سرطان يتفشى وتتسع رقعته يوما عن يوم، ولايمكن أن نتعامل معه بشكل موسمي وبخطوات مناسباتية، وعند وقوع حوادث ما، يتم التلويح ببلاغات خشبية، تفيد بأن الخطوات الإدارية والتنظيمية تم اتباعها، والحال أنها لم تسعفنا في تحصين ذاتنا الجماعية من الورم الخبيث.

الكاتب : وحيد مبارك - بتاريخ : 12/06/2017

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.