بالصدى : دماء و«معادن»

وحيد مبارك Wahid.abouamine@gmail.com

 

تتبعنا جميعا وبكثير من الألم صور عربات القطار وهي منقلبة رأسا على عقب يوم الثلاثاء 16 أكتوبر 2018، وتوقفنا مشدوهين، متألمين، وكلنا حسرة أمام مشاهد الدم المتناثر هنا وهناك، ووضعنا أيدينا على قلوبنا وجلا من حصيلة مفجعة تدمي مقلنا.
بقع دم كانت ناطقة ودالّة على الفاجعة، على الحزن، على الجرحى، كما كانت أيضا عنوانا على الموت، هكذا فكّرنا، ونحن نشاهد تلك الدماء التي هالتنا وأرعبتنا جميعا، هذه المادة الحيوية، التي تتوقف عليها الحياة حين ينخفض منسوبها في الأجسام، هي نفسها أعادت البسمة إلى محيانا وأحيت الأمل فينا، وهي تنسكب، لكن هذه المرة من شرايين مئات الأشخاص الذين هبوا تلقائيا وبكل عفوية، استجابة لنداء لم يوجهه لا مركز وطني ولا جهوي لتحاقن الدم، وإنما تم تداوله على مواقع التواصل الاجتماعي، واتجهوا كلهم، فرادى وجماعات، صوب نقط التبرع بالدم في الرباط، وشمرّوا عن سواعدهم يلتمسون من الأطقم الطبية وشبه الطبية، ربط التجهيزات الطبية بأجسامهم حتى يتبرعوا بدمائهم لإنقاذ من هم في حاجة إليها من مصابي قطار «بولقنادل».
نعم، في لحظة تحول الألم إلى أمل، وخفّفّت تلك الصور التي تنطق إنسانية ومواطنة حقّة، من وقع الحدث المأساوي، ومن وطأة سلوكات غير سوية للبعض، الذين وجدوا في المناسبة فرصة لنهب أو مضاربة، ووقف جميع من تتبعها على مواقع التواصل الاجتماعي احتراما لأصحابها، وقف أصحاب الضمائر المستيقظة فخرا واعتزاز بالانتماء لوطن يهب مواطنون فيه للمساهمة في إسعاف إخوتهم، بمجرد علمهم بالفاجعة استجابوا لنداء المواطنة، وأخذوا مواقعهم في طوابير وصولوا إليها من كل حدب وصوب، بعضهم بشكل سلس، والبعض الآخر كان يتلمّس طريقه مستعينا بعصا بيضاء، مصرّا على أن يهب بدوره بعضا من دمه لعلّه ينقذ من يمكن إنقاذه.
مشاهد، جعلت الكثيرين يعيدون ترتيب أوراقهم، ويعمدون إلى قراءة الوضع بكيفية أكثر رويّة ونضجا، وكثير من المتتبعين الأكيد أنهم استخلصوا جملة من الدروس، متعددة العناوين، منها ما هو مواطناتي، قيمي، ومنها بكل تأكيد ما هو مرتبط بالشق الصحي، وهنا يجب التأكيد على أن تلك التلقائية التي تفاعل بها المواطنون وهم يقررون التبرع بدمائهم، يجب ألا تكون مناسباتية، بل يتعيّن أن تكون دائمة، مستمرة، متواصلة غير منقطعة، بالنظر إلى أن كثيرا من الحوادث تقع دون أن تصل إلى علمنا، وأشخاص متعددون يكونون طريحي الفراش، في غرف الإنعاش والعمليات، بين الحياة والموت، ولا يمكن إنقاذهم إلا بدماء قد تكون متوفرة وقد لاتكون. دماء تصبح نادرة لا تباع ولا تشترى، إذا ما توفرت أمكن إنقاذ أرواح، وإذا ما غابت تكون النهاية بطعم الفراق.
إن ثقافة التبرع بالدم يجب أن تصبح راسخة في أذهان الجميع والكل مقتنع بها، بعيدا عن جو التشكيك والاقتناع بإشاعات عقيمة، فكثير من الرافضين لفكرة التبرع التلقائي والمنتظم بالدم، لايستشعرون جسامة خطأ اعتقادهم إلا حين يكونون أمام هول وجسامة الحاجة إلى الدم، ولا يدركون أهمية التبرع إلا إذا عاشوا لهفة الطلب عليه حين إصابة قريب في حادثة سير، أو لحظة ولادة عسيرة نتج عنها نزيف، أو كانوا أمام عزيز على القلب أصيب بمرض يتطلب الحصول على حقن الدم مدى الحياة، أو تطلب وضعه إجراء عملية جراحية، أو أصيب بفشل كلوي، وغيرها من الحالات التي يكون فيها الدم عملة أساسية، إن توفر استمرت الحياة وإن انعدم انطفأت شمعة المعني بالأمر ، وأغمض عينيه دون القدرة على فتحهما مرة ثانية، وغادر الدنيا إلى الأبد.
إن فاجعة «بولقنادل» الأليمة، بجسامة مخلّفاتها هي فتحت لنا كوّة صغيرة رأينا من خلاها جميعا كيف اختلف المتبرعون في حين أن المتبرع به كان واحدا هو الدم، فمتى نطرد «الشحّ» جميعا من قلوبنا، متى نتخلص من الخوف ومن الإشاعة، متى يكون إصرارنا قويا على المساهمة في إنقاذ حياة غيرنا، ونعلنها دوما هذه دمائنا جاهزة للتبرع فأنقذوا بها أرواح غيرنا.

الكاتب : وحيد مبارك Wahid.abouamine@gmail.com - بتاريخ : 23/10/2018

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.