بالصدى: سواد «صحي»

وحيد مبارك

وقفات، اعتصامات، إضرابات، مسيرات وحداد بالسواد … تعددت الأشكال والغضب واحد، اختلفت الصور والاحتجاج نفسه. إنها الصورة القاتمة التي أضحى عليها القطاع الصحي ببلادنا الذي تنخره الأعطاب المتعددة، سواء على مستوى الموارد البشرية أو البنيات أو التقنيات. كل الفئات الصحية باتت تضرب، أتعلّق الأمر بالأطباء أو الممرضين، أو التقنيين من مختلف التخصصات، الجميع لم يعد يطيق صبرا بشأن وضعيته، والأغلبية تندد بإغلاق باب الحوار وبغياب التفاعل من طرف الوزارة الوصية على القطاع، اللهم بعض الاستثناءات…
مدّ احتجاجي تصاعدي، لم يعد يقتصر على وقفة أو مسيرة بين الفينة والأخرى، أو مجرد وضع شارة، بل تطوّر إلى تجميد شرايين المؤسسات الصحية العمومية، بشكل مسترسل ومتواصل، إذ باتت البنيات الاستشفائية تعيش جمودا لأكثر من يوم في الشهر الواحد، من أجل ضغط أكبر من المحتجين باختلاف مشاربهم النقابية والجمعوية، على صناع القرار الصحي، بحثا عن استجابة بشأن نقاط الملفات المطلبية الموضوعة على طاولات مكاتبهم، التي تبارح مكانها دون أن يتم تسجيل أي تقدم في معالجتها، بل والأكثر من ذلك، أن وزارة الصحة هي تنصلت من اتفاقات سابقة، ضاربة بعرض الحائط مبدأ استمرارية الإدارة، وطعنت بذلك في مصداقيتها بخصوص أي اتفاق قد يتم التوصل إليه مستقبلا، لأنه من شأنه أن يظل اتفاقا شكليا على الورق دون أجرأة، كما هو الحال بالنسبة لاتفاق 5 يوليوز 2011؟
غضب مهني، وإن كان يرفع ضمن مطالبه تطوير ظروف العمل بما يخدم المواطنين وتحسين شروط الممارسة المهنية لتنعكس إيجابا على صحة المرضى، فإن ذلك لا يمكن أن يحول دون تسليط الضوء على معاناة بليغة يعيشها المواطنون، اليوم أكثر من أي وقت مضى، مع المستشفيات «المضربة» التي قد يقطعون مئات وليس فقط عشرات الكيلومترات للوصول إليها بعد حلول موعد بعد طول انتظار، فإذا بهم يجدون أبواب المصلحة المطلوبة مقفلة، معطّلة، فارغة إلا من جدران باردة، تعادلها البرودة التي تسري في أطرافهم لحظتها وهم يرون كيف أن الموعد المنتظر تأجل بفعل إضراب مهنيي الصحة، المشروع بالنسبة لهم لتحقيق مطالبهم، لكنه يضر بمصلحة المواطن/المريض الذي لطالما ترقّب ذلك الموعد قبل أن يتبخّر حلمه في التدخل العلاجي المنشود!
وضع غير صحي بتاتا، وإن كانت الاحتجاجات والإضرابات لا تشل حركة المستعجلات، بالنظر إلى أن هذا الغضب المتنامي والسخط الاحتجاجي التصاعدي تترتّب عنهما عدد من التبعات، المادية والمعنوية، الملموسة وغير المرئية، التي قد لا ينتبه إليها القائمون على الشأن الصحي، الذين يتعين عليهم أخذ تلك الاحتجاجات بعين الاعتبار والتفاعل مع المحتجين ومع مطالبهم، وفتح باب الحوار وقنواته المختلفة، لأنه ليس من المقبول الاستمرار في تهديد الأمن الصحي للمغاربة، والدفع بهم نحو وجهات أخرى قد لاتكون لهم القدرة على طرق أبوابها، والاكتفاء بالتفرج حيال ما يقع من أعطاب دون تدخل لتصحيح ما يجب تصحيحه، وتقويم الاختلالات، على أن يكون هناك تفاعل إيجابي بين الجانبين، واستحضار المصلحة العامة للوطن والمواطنين.
نحن اليوم وأكثر من أي وقت مضى في حاجة إلى صحة بيضاء ناصعة، بعيدا عن سواد الوزرات/البذلات، وعن «النوار» الناتج عن تعريفة مرجعية متهالكة تحمّل المريض القسط الأكبر من المصاريف العلاجية، وعن تكفّل صحي نسبي، وعن غياب تغطية صحية شاملة، تضع رهن إشارة المواطن بطاقة تغنيه عن ولوج أي متاهة من المتاهات، حتى لا تبقى الصحة في المغرب عنوانا على السواد.

الكاتب : وحيد مبارك - بتاريخ : 01/12/2018

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.