بالصدى : لا صحة بدون تغطية

وحيد مبارك Wahid.abouamine@gmail.com

 
خلّد العالم يوم الأحد 7 أبريل 2019، فعاليات اليوم العالمي للصحة، الذي اختارت منظمة الصحة العالمية أن تخصصه هذه السنة لترافع من أجل تحقيق تغطية صحية شاملة، يقينا منها بأنه لا صحة بدون تغطية، في ظل النقص الكبير المسجل في هذا الصدد، الأمر الذي يحرم ملايين الأشخاص من زيارة الطبيب من أجل تشخيص عللهم والولوج إلى العلاج بشكل سلس، حتى يمكن لهم التمتع بهذا الحق الكوني والدستوري.
تغطية صحية هي ليست في متناول الجميع، بما أن ملايين المغاربة هم لا يعرفون إليها سبيلا، لهذا فهم يتعايشون مع أمراضهم، وعوض التوجه إلى عيادة الطبيب فهم يطرقون أبواب «الرقاة» و «العشّابة»، ويضعون أجسادهم بين أيدي ممتهني الطب بـ «المواسم» والأسواق الأسبوعية وغيرها، ويبحثون عن «بركات» دجالين يدّعون قدرتهم على علاج أعتى الأمراض بمجرد ملامسة أو شرب جرعات ماء، غير معروفة مصدره. هذه الفئة من المواطنين التي تمر أمام الصيدليات دون القدرة على ولوجها، فهم يعتمدون بدائل تقليدية، من أعشاب وغيرها، حتى وإن تسببت في تسممهم أو في مقتلهم حتى، مادام طريق حقهم الدستوري في الصحة غير معبّد وتعتريه الكثير من العلل والأسقام.
عطب كبير تعرفه صحة المغاربة، ليس فقط الذين لا تغطية صحية لهم، بل حتى المعوزين «المحظوظين» من المتوفرين على بطاقة المساعدة الطبية «راميد»، علما أن أسرا كثيرة تعيش الهشاشة ومحرومة من هذه «التغطية الصحية» بسبب تفاصيل حسابية عقيمة. هذه البطاقة التي مكّنت من استفادة عددا ليس بالهين من المواطنين من عمليات جراحية ومن تدخلات طبية مهمة، لكنها في لحظات كثيرة تتحول إلى مجرد بطاقة شكلية لا قيمة لها، في ظل أعطاب أجهزة الفحص المختلفة كـ «السكانير» وغيره، وعدم توفر المفاعلات المخبرية، وانعدام تحاليل معينة، و»انقراض» الأدوية، وتكفي إطلالة بسيطة على يوميات مرضى السرطان، نموذجا، للوقوف على حجم المعاناة التي يتكبّدونها والتأكد من حجم العطب المستشري، الذين يجدون أنفسهم مجبرين على إجراء فحوصات في المختبرات الخاصة، ونفس الأمر بالنسبة للتحاليل، ليبقى التدخل الطبي وحده ممكنا إن وجدوا إليه سبيلا؟

المستفيدون من نظام التغطية الصحية الإجبارية هم أيضا لا يلجون للعلاج بشكل سلس فكثير منهم لا يتوجه إلى الطبيب إلا في حالة الاضطرار القصوى، لأن تدخلا جراحيا سيكلّفه أكثر من 50 في المئة من النفقات، مادامت التعريفة المرجعية التي بناء عليها يتم تعويض المصاريف والنفقات صحية هي تعود إلى 15 سنة خلت، ولا تعترف بمرور السنين وبالزيادات الصاروخية التي يعرفها كل شيء، باستثناء الأجور، وظلت جامدة في زمن تقوّت فيه الأمراض وتطورت معها التكنولوجيات العلاجية التي لأجل اقتنائها يجب توفير ميزانيات ضخمة ترخي بوقعها على كلفة العلاج التي يؤديها المريض من جيبه!
واقع صحي كله اعتلال، لا يسمح بأي شكل من الأشكال بأن نكون أمام صحة جيدة، رغم كل المجهودات المبذولة، ورغم ما تم تحقيقه في إطار بعض البرامج والمخططات التي مكّنت من القضاء على أمراض وأسهمت في توسيع سلة اللقاحات، لأن رقعة الأعطاب هي تتسع يوما عن يوم، إذ لا يمكن الحديث عن نظام صحي فعال وهو يئن تحت وطأة الضغط والخصاص في الموارد البشرية، البعيدة كل البعد عن النسب التي توصي بها منظمة الصحة العالمية، والنقص المهول في المعدات الطبية والتقنية، بالرغم من إحداث بنيات ومؤسسات صحية في غياب من سيشغّلها، مستشفى مديونة على سبيل المثال لا الحصر، ولا يمكننا الحديث عن صحة في ظل استمرار ارتفاع نسب وفيات الحوامل أثناء الوضع والأطفال دون سن الخامسة، في وقت لا يجد فيه كثير من الآباء والأمهات حاضنات لوضع مواليدهم الخدج بها، فيفارقون الحياة، إذا لم يتدبروا الإمكانيات للتوجه صوب القطاع الخاص.
أعطاب يؤكدها مرض السل الذي تتسع دائرة انتشاره، بسبب الفقر والهشاشة، وتكالب مسبباته الاجتماعية والاقتصادية،وارتفاع معدلات الإصابة بالسكري والضغط الدموي، وأمراض القلب والشرايين، والسرطانات، وتبرير ذلك بنمط العيش، وبالعادات الغذائية، وبالتوتر والضغط، وبقلة الممارسة الرياضية، فالصحة هي جزء من كلّ، وهو ما ينتهي بنا إلى أن الحديث عن الصحة لا يكون بمعزل عن قطاعات أخرى، وجب الاجتهاد من أجل تطويرها، وضمان حقوق عامة للمواطنين، حتى يمكنهم العيش في ظل مناخ صحي، يبعد عنهم التوتر والضغط، ويسمح لهم بتناول غذاء متكامل، واستنشاق هواء غير ملوث، ويفسح السبل أمام أشعة الشمس لولوج مساكنهم، وهي كلها أمور لا تتحقق إلا بسياسات حقيقية، إذا تعذر أجرأتها كلها، فإنه يجب تعميم التغطية الصحية في الحدّ الأدنى، حتى لا يظل الكثير من المواطنين يحملون أمراضهم بين أيديهم في انتظار ما قد يقع في الغد!

الكاتب : وحيد مبارك Wahid.abouamine@gmail.com - بتاريخ : 09/04/2019

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.