بالصدى : هيئة واختلالات

وحيد مبارك Wahid.abouamine@gmail.com

 

يعيش القطاع الصحي في بلادنا حالة فوضى عارمة، فبالرغم من وجود ترسانة قانونية وتشريعات، وتوفر مؤسسات وآليات وبنيات، عهد إليها المشرع بضمان حماية المهن الصحية من المنزلقات وتحصينها من الشوائب حماية لصحة المواطن، إلا أنها تعيش وضعية جمود وأصيبت بعطالة غير مفهومة استمرت لسنوات، الأمر الذي أدى إلى تفاقم الوضع واتساع هوة الاختلالات.
يمر الطب اليوم بأزمة ليست بالهيّنة، ويعرف انتكاسة كبيرة بفعل التطاول على هذه المهنة، ليس فقط من طرف الممارسين غير الشرعيين الذين لا علاقة لهم بالمجال الطبي، كما هو الشأن بالنسبة للنزاع القائم بين أطباء العيون والمبصاريين، وأطباء الفم والأسنان وصناع الرمّامات، لتوضيح مجال عمل كل طرف وحدود بداية ونهاية تدخل كل فئة، وإنما حتى فيما بين الأطباء أنفسهم، الذين منهم من يتطاول على تخصص الثاني وإن كان غير متخصص فيه، ويكفي أن يحصل على دبلوم في مجال من المجالات ليعجل بتغيير وصفته الطبية أو يعدّل من مضمون يافطته المعلقة في البناية التي تحتضن عيادته، مما جعل الكثير من مهنيي الصحة من الأطباء يشتكون ممارسات زملائهم دون أن تُسمع أصواتهم أو يكون لها صدى؟
إن من بين التحديات الكبيرة المطروحة اليوم على هيئة الأطباء الوطنية، الرفع من منسوب التخليق في المشهد الطبي، ومعالجة الاختلالات والتباينات الكبيرة التي يحبل بها القطاع، بعيدا عن النقاش الذي رافق انتخابها وإعلان النتائج، فاليوم الهيئة مطالبة في ظل النقاش الواسع وأمام مدّ الانتقادات الكثيرة، والمطالب بتحسين صورة الصحة في المغرب، وحماية حق المواطن فيها، أن تجعل هذه المهمة من ضمن أولوياتها، وأن تحرص على الحياد وألا يكون من بين أعضائها من قد يشجع على مثل هذه التصرفات، حتى تعطي المثال الذي يجب الاقتداء به.
انتظارات كبيرة وآمال عريضة يعلّقها المهنيون على هيئة الأطباء والطبيبات من أجل المساهمة في علاج اعوجاجات كثيرة قصمت ظهر مهنة الطب في القطاع الخاص، هذا القطاع الذي يحبل بالكثير من الاختلالات، ويعرف عددا أكبر من الأزمات، وينتظر مهنيون تدخلا فعليا، لأنهم من غير المقبول أن يتحول طبيب عام إلى مختص في أمراض الغدد والسكري، بدون أن يكون متخصصا فعليا في هذا المجال على مستوى التكوين، وهو ما جعل الأطباء المختصين بالدارالبيضاء ينظمون في وقت سابق ندوة صحفية وينادون ويناشدون أصحاب الحل والعقد من أجل التدخل، لأنه قد يتوفر الطبيب على دبلوم لتوسيع مداركه ، وهذا ليس عيبا، على أن يشير إلى ذلك دون أن يجعل منه شهادة تخصص فيشهر للعموم أنه اختصاصي في هذا المجال.
نفس الأمر يعيشه الأطباء المتخصصون في الأمراض الجلدية والتناسلية، في ظل «أفواج» تُمنح شواهد كل سنة، وتفتح عيادات بصيغة التخصص، والحال أنها تفتقر للتكوين الفعلي المطلوب، ومع ذلك تشهر «اختصاصها» وتجلب المرضى إلى عياداتها، من أجل الفحص والتشخيص ووصف العلاج. وليس الأطباء وحدهم من يقومون بتدخلات ذات بعد طبي، بل أن «صالونات للحلاقة» ومراكز للرشاقة «السبا»، هي الأخرى لا تجد حرجا في إشهار تقديمها لخدمات طبية، فتجدها تزرع الشعر، وتقوم بتدخلات تجميلية، وتعالج السمنة، وغيرها كثير من «العلاجات» التي تقترحها على زبنائها!
إنها فوضى بكل ما تحمل الكلمة من معنى، في مشهد يصعب استيعاب تفاصيله، بالنظر لحجم الاختلالات التي يحبل بها القطاع الصحي الذي بات مسرحا لكل الخروقات، لدرجة أن أطباء القطاع الخاص وأمام هذا المدّ التصاعدي لضرب كل ما هو مؤسساتي وما هو قانوني، أصبحوا ينادون بضرورة إحداث هيئة وطنية خاصة بالقطاع الخاص، لمواجهة ما يمكن مواجهته وإعادة قطار الصحة إلى سكته التي حاد عنها، الأمر الذي يرخي بتبعاته أساسا على المواطن، الذي قد يضع نفسه بين أيدي أشخاص لا صلة لهم بالطب، فيدخل دوامة بدون مخرج، وقد لا يغادرها سليما، لا ماديا ولا معنويا.

الكاتب : وحيد مبارك Wahid.abouamine@gmail.com - بتاريخ : 17/04/2019

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.