حذار.. فقد تقصم «قشة» الظهر…

بقلم : مصطفى المتوكل الساحلي

أصعب وأخطر أنواع  الظلم والقهر، الذي  يجعل الناس صامتين لايتكلمون ولايتفاعلون ولا يعبرون عن موقفهم الرافض، ولا يشهرون غضبهم، ولايحتجون ولا يتظاهرون، كما لا يساهمون في التغيير الإيجابي المنظم والعفوي، لأن منهم من يفوض أمره ويرفع شكواه وتظلمه لله، سائلا الفرج القريب، وقد يطلب من لله أن يقتص  له ممن ظلمه..
ومنهم من يفضل القناعة ولو تسببت في إذلاله  مع الصبر والتحمل المحبط  على أن يمد يده أو يظهر عجزه أو يزيد الواقع سوءا باحتجاجه، ليبقى كذلك إلى أن يأتي فرج منتظر أو مصادفة جميلة تفك بعضا من آلامه ومشاكله..
إن السياسات التي تعقد  الواقع الصعب  وتوسع من أعداد المتضررين منها، تنعكس آثارها على الحياة اليومية وعلى نمط العيش ومستوى الوعي والنضج ، مما يتسبب في  انهيار وتشوه وانحراف قيم أخلاقية وإنسانية، ومما يزيد الأمور تعقيدا  وجود مسؤولين  لايسمعون شكايات وتظلمات وآهات وأنات الناس ،  ولاتدرك عقولهم أن المطلوب منهم هو أن يحسنوا الاجتهاد والإبداع والتدبير   وأن يكونوا  صادقين في القول والعمل  والتعامل مع كل  أمور الناس ..
إن الخوف من  تبعات الجهر بالحق  وانتقاد الأوضاع والانخراط الميداني  في التأطير السياسي والثقافي المناهض للظلم والرجعية والاستغلال والطبقية المتوحشة،  يدفع العديد إلى اعتماد التقية والصمت والتتبع السلبي، الذي يقوي  العدمية، ويتسبب في فقدان الثقة في المؤسسات والأحزاب والنقابات والنخب، وهذا الصنف من المتذمرين والغاضبين، أصبح يشكل نسبة مثيرة  من المواطنين والمواطنات تنذر بانزلاقات يصعب توقعها ولا التحكم في مساراتها، فحتى الذين يعبرون ويحتجون على واقع وسياسات، لايمر وقت كبير على ظهورهم حتى  تمارس ضدهم بطرق واضحة  ومتخفية ضغوطات وإجراءات إقصائية وتشكيكية وتخويفية وترهيبية وتيئيسية  تبعدهم عن الفعل في الواقع، وتقعدهم وتعطل إرادتهم  وحماستهم في حالات أخرى ،كما حصل لفئات عريضة من الطبقة العاملة والكادحين والمثقفين و..
إن التقاعس والتهرب من العمل التأطيري التكويني والتوعوي المحصن بروح نقدية بناءة، بعلة غياب شروط العمل وأخلاقيات النضال وضوابط الحق في الاختلاف، وأن الجميع أصبح في حكم عدم الصلاحية، لن يقوي ما تبقى من روح التغيير وجبهة الإصلاح والبناء، ولن  يتغلب ويحد من  كل السلبيات والانكسارات.. إن زمن العض والقبض على الجمر قد حل  وأصحابه الأوفياء للوطن والشعب مطلوب منهم ومعقودة عليهم الآمال  للسعي الحثيث نحو الديمقراطية والتدبير الأمثل للخلافات، والتوحيد الأنجع  للرؤى والقناعات حول أرضيات  وبرامج موضوعية وعملية، تشكل بدائل عملية لحالات الاحتقان والتخلف والظلم الاقتصادي والاجتماعي  والتخلف السياسي  بآفاق وتخطيط  مرحلي واستراتيجي واضح، يساهم في إذكاء روح العمل الجماعي، وجعل التنمية المستدامة والتقدم واقعا ملموسا، وطريقا يؤمن بمصداقيته، ويحميه الجميع…
إن من مظاهر الأزمة، وجود صنف  من الناس يشكلون «طابورا «متخصصا في العرقلة والتمييع وزرع الفتنة والأخبار الزائفة، ويسعون  لمواجهة وإفشال كل ما هو إيجابي ومفيد ومتنور، فيقومون باصطفافات حربائية، وأدوار متناقضة بين  محطة  وملف وقضية وحدث،  متسترين  وراء شعارات ومبادئ لايؤمنون بها،  سرعان ما يتنكرون لها ويهاجمونها.

والأخطر في هذا النزيف، التحاق الغاضبين بالصامتين ، ليتعطل  زمن التفاؤل والرجاء والطموح،   ويسود صمت القبور والنوام حتى يظن  بعض  الحاكمين والمسؤولين أن الأرض هامدة،  وأن الناس بلغ بهم الرضى مبلغا جعلهم يسبتون ، فيظنون أن كل القرارات والإجراءات تحظى بالقبول الصامت أو الأبكم ، إلا أنهم  عندما ينهضون بسبب وعي عملي وتساقط رحمات المعرفة ، ستتشقق وتهتز الأرض  لتنبت  وتربو  كل البذور السليمة وتنتعش معها الحشائش والأعشاب الطفيلية  والمتسلقة، التي تسعى للاستقواء على حسابهم، فيختلط بالذين يصلحون الذين يحبون الفساد والانتهازية من  المتخصصين في اقتناص الفرص والاتجار بآلام وآمال الناس ..
فعلى كل من يتولى أمرا من أمور الشعب  بالبيوت والمؤسسات و.. الانتباه   إلى طبقة  الصامتين والهادئين والمعتزلين والمقاطعين للشؤون العامة ، لأن زمن تفاعلهم وردود أفعالهم، يكونان خارج التوقعات والضوابط المعمول بها، وقد يضعون  لمطالبهم  سقفا مطلبيا واحتجاجيا لن يجاريه السياسيون ولا المجتمع المدني ولا الطبقة الحاكمة ..
..إن الاختلالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية.. وتقهقر دور التربية والتأهيل بالأسر، وفشل  المجتمع  في الرقي بثقافته ووعيه الإيجابيين ، وانهيار منظومة  مؤسسات التربية والتعليم والتكوين، وتفكك التكامل بين كل القطاعات  في علاقاتها برقي الإنسان وتقديره وتثمين قدراته وجعله محور عمل الدولة ومؤسساتها ومن أهم أهدافها ،، فبقدر ما يتسع حجم الإهمال والتهميش بقدر ما يتسع (الخرق على الراقع) ويثبت بالدليل عدم أهلية  المسؤولين  للقيام والاضطلاع بالمهام العمومية وشؤون الناس ،  فقانونا بالدول الديمقراطية والتي تحترم شعوبها  عندما يعجز الأب والأم  عن الاهتمام ورعاية الأبناء، تعلن الدولة عدم أهليتهما وتحرمهما من مسؤولية الأبناء وتخضعهما لرقابة وتأهيل لعلهما يكونان في مستوى مسؤولية الأسرة ، فتتكلف مؤسسات الرعاية التابعة للدولة بالمهمة على الوجه الأمثل   ..فكيف بنا إذا كان الأمر يــهم  من ولي أمر الأسرة الكبيرة أي المواطنين والمواطنات …؟؟
إن  من فنون إدارة المشهد العمومي والناس  صناعة  الأخبار  والإشاعات والملفات الشكلية، وطرح قضايا هامشية ووهمية وإيلائها الاهتمام الأكبر  لتتحول إلى سحابة دخان تحجب من فوقها عمن تحتها ، وتحجب من تحتها عمن فوقها،وهذا منطق   تاكتيكي “حربي” ييسر تسلل وتنزيل  ما يصعب تمريره عندما تكون الرؤية واضحة ومميزة والعقل مدرك لما يقع، ومما يزيد الأمر ضبابية  ظهور  ” متكلمين ” ينظرون  للحالة والمشاكل  بالإيهام والإيحاء والتأويل  وحتى بالفتاوى التي تعلل وتشرعن بإسم العقل  والدين للأخطاء والانحرافات والاخفاقات …
إن  من  طرق  تعطيل التغيير، تمزيق وتفكيك وإضعاف النسيج المجتمعي والسياسي وتفييئ المطالب، وتشتيت  جهود الدفاع عن المصالح المشتركة لتحسين الأوضاع وبناء دولة الحق والقانون، ..وهذا السبيل ليس في مصلحة الدولة لأنها تفقد فاعليتها وتأثيرها، وقد تتحول  مبادراتها إلى (القشة التي تقصم ظهر البعير)  كما يقول المثل وتجد نفسها تخاطب من لم يعد لديهم أي استعداد للمزيد من السماع..

الكاتب : بقلم : مصطفى المتوكل الساحلي - بتاريخ : 02/11/2018

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.