حملت وطني

بديعة الراضي

أعتذر قرائي، لم أتمكن من المبادرة في البدء بالكتابة عن خارج وطني –كعادتي – وأنا أحط الرحال بتونس الشقيقة، كما لم أتمكن من أن تغادر ذهني تلك الجملة النواة التي ذكرها الحبيب المالكي في ندوة نظمت بالبرلمان المغربي حول المنظومة التربوية في بلادنا، جملة ظلت عالقة في ذهني تسائلني وأسائلها بكثير من القلق والترقب حول منظومة التعليم والتربية ببلادنا.
لقد قال المالكي من موقعه كرجل خبر المجال تدريسا وتدبيرا ، من موقع السلطة التمثيلية والتنفيذية، أنه لا يستطيع أن يتحدث بحياد عن هذه المنظومة، كمسؤولٍ حكومي تحمل المسؤولية على رأس قطاع التربية والتكوين، ثم قطاع التربية الوطنية والتعليم العالي والبحث العلمي وتكوين الأطر لما يزيد عن خمس سنوات ، مذكر بأنه مازال مقتنعا «بأَنَّ إصلاح حَقْلِنا التربوي والتعليمي لَيْسَ ولا يمكنُ أن يكون إصلاحاً قطاعيّاً، وإِنما هو مشروع إِصلاح مجتمعي بنيوي شامل، واسع، مُرَكَّب وعميق. وهو إصلاحٌ أفقي وعمودي في الآنِ نفْسِهِ، كما أَنَّه إِصلاحٌ يتطلب تعبئة كافة إِمكانيات الدولة والمجتمع تعبئةً وطنيةً حقيقية ينخرط فيها الجميع بدون استثناء، من حكومةٍ وأحزابٍ ونقاباتٍ وقطاعٍ خاص ومجتمعٍ مدني ونسيجٍ أُسَرِي. «
وهي الجملة النواة التي ظلت عالقة في ذهني، أحاول تركها، وأنا أغادر وطني في مهمة مختلفة، وشبيهة أيضا ،في المشترك العلمي والمعرفي، تتعلق بي ككاتبة مسرحية، في عمل حملت فيه وطني، في دفتر نص مجسد فوق ركح غير مهيأ، بمدينة عتيقة في درب الشياشين بتونس الشقيقة التي غادرها الياسمين لتشتم رائحة الوحل التي ترصد ثورة شباب تواق للعيش الكريم.
غيبت التفكير والكتابة عن تونس إلى موعد لاحق، وفضلت أن أنخرط في «ياسميننا»،ذلك الذي اخترنا أن نعيش ثورته الدستورية بالقوانين التنظيمية،والاحتكام إلى العمل المؤسساتي، كما مأسسة الحياة المجتمعية، بالمكاشفة التي انخرطت فيها أعلى سلطة في بلادنا، أننا بالفعل متأخرون جدا عن الركب الذي نحلم أن نكون في صفوفه الأمامية، لنصطدم بالفعل بصخرة كالجبل، تدفعنا أن نقر بأننا نحتاج بدائل حقيقية في التنمية من مختلف واجهاتها.
قلت مع نفسي :» هل نستطيع؟»، وكررت ذلك، وأنا أعود إلى مفهوم المشروع المجتمعي الذي كرره المالكي في كلمته الدالة، من قلب فضاء السلطة التمثيلية في بلادنا، وبحضور رئيس الحكومة وكافة الشركاء المعنيين في البرلمان والعمل الأكاديمي والتربوي والمدني .
ورددت، أن الأمر يحتاج قواعد لعبة سياسية واقتصادية واجتماعية منسجمة،وفي قلبها التربية والتعليم والتكوين؟
و بكثير من القلق، تخيلت الرئيس يحلم، واستدركت بناء على إيماني بقدرة الرجل على المساهمة الفعلية في صناعة التغيير، أنه يملك خرائط طريق أمام هذا الشتات الذي نحن فيه، بوعي، أن المسار لا يمكن تصحيحه إلا بدفاع من داخله، بالثقة في الشركاء، والإعمال بالعمل المؤسساتي المشترك، لأن الأمر يعني وطنا، ولا يعني لعبة انتخابية لها ما لها، وعليها الكثير ، وتجاوز ما عليها، لن يفيد، إلا بالتوجه للمستقبل،بآليات تعي الثقوب، والحفر التي اسقطت أعمدة، لكن الأساس أنها لم تستطع إسقاط وطن.
لا أخفيكم قرائي أني أومن، بأن إنجاز مشروع كالذي تحدث فيه المالكي بحرقة نابعة من معرفة بالذي كان مع الراحل عبد العزيز مزيان بلفقيه وما اقتسمه المالكي معه في سياقِ تَفْعيلِ مقتضيات الميثاق الوطني للتربية والتكوين، لا يمكن أن ننكر فيها أن الرجلين في إطار المنظومة، أسسا للإِصلاح التربوي والتعليمي، المدرسي والجامعي، ونجحا بالفعل في وضع مقتضيات الميثاق كما اتفقت عليه مع الأحزاب والنقابات والمجتمع المدني التربوي والفكري والثقافي والروحي، كما لا يمكن أن نخفي ما لم ينجز من مطامح ، في إطار منظومة نفكر فيها اليوم بصوت عال أنها ينبغي أن تكون ،و التي لا يمكن الشروع فيها بعزيمة إلا عن طريق حلم يحفر خرائطه في الذاكرة أولا، وأن تحقيق ذلك يستدعي امتلاك الإرادة السياسية المشتركة بين كافة الأطراف المعنية بالانسجام الذي ينبغي أن يكون.
استوقفتني مرة أخرى كلمة الانسجام،وأنا أجر رجلي في سوق الشواشين بالمدينة القديمة بتونس، محاولة من جهة أخرى طرد كل تلك الصور والمشاهد التي بدت لي أنها تزدحم في مخيلتي ، و التي أعدكم قرائي أني سأكتبها لا حقا.
ترددت في البوح ، كي لا أصدق أننا بالفعل أمام مشروعين مختلفين : الأول، يمتهن تمفصلاته الكبرى من نفس حداثي له مقوماته ومرجعياته، والثاني تقليداني غير منسجم مع التحولات الكبرى في وطن منفتح على محيطه الإقليمي والجهوي، وطن تواق أن ينهض كي يكون الند للند مع باقي الأوطان التي قطعت أشواطا كبيرة في التربية والتعليم، وجعلت من مشروعها في هذه المنظومة التعليمية والتكوينية، لبنة أساسية لمحطات اقتصادياتها التي تسير في نفس الصف مع المجتمع الذي يشكل في موارده البشرية عناصر هامة للتقدم والتطور والازدهار.
قلت مرة أخرى هل نستطيع؟
التفتت، يمينا ويسارا، وجدت شوارع تونس تحاول التحرر من أسلاكها وطوارئها،ووجدت شبابها يركض في كافة الاتجاهات باحثا عن خيط العودة من أجل الانطلاق، بنفس لا ياسمين فيه ولا ثورة، وحده الخوف على الوطن يشدهم من قفاهم، معتذرين للوطن بدون كتابة الرسالة،لكن عيونهم قالت إننا قادرون.
قلت معهم ، ونحن قادرون ، لا تيه فينا ولا منزلق، فلنجعل من مشروع الوطن، منفذا كبيرا لتصحيح المسار ، بالنموذج التنموي الملزم لكافة الشركاء بالانسجام حوله، كي نستطيع أن نكون .

الكاتب : بديعة الراضي - بتاريخ : 29/10/2018

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.