ركن بيتي حجر

بديعة الراضي

في الوقت الذي تفرض فيه التحديات القائمة كون الاستقرار أصبح شأنا كونيا، تتجاهل الجزائر كل الحقائق الجيواستراتيجية للمنطقة، نحو هدف واحد هو زرع دولة وهمية فوق الرمال المغربية، مخاطرة بأرواح البشر نحو سفك الدماء، في ضرب صريح وملموس لاتفاق وقف إطلاق النار.
وإن كان قدرنا أن تكون الجزائر جارتنا، بنفس حمولة العداء الكبير الذي أرغم جنرالاتها فيه الشعب الجزائري الشقيق على تحمل العبء المادي والمعنوي باجترار العداء الذي تضخم في العقول كالورم، فإن المغرب الذي تحمل كل التحاملات والمضايقات والتحركات التي قادها النظام الجزائري في المحافل الدولية، مواجها ذلك بانتصاراته لمبدأ الحوار والاحتكام إلى لغة الحكمة والعقل، لن يقبل بأن ينقل المشهد على ترابه، في الدفع بالمجموعة الهاربة من تجار قضايا المصير إلى تدنيس تراب أقاليمنا الجنوبية.
وإن كنا اليوم نضع المجتمع الدولي أمام هذا الإجرام الذي يقتات من ثقافة التهريب والإرهاب وتجارة السلاح والبشر المتفشية في حزام الساحل والصحراء، فإننا كمغرب يتوفر على قاعدة صلبة في المنطقة، ويملك جبهة موحدة في الدفاع عن قضيته الوطنية، لن نظل مكتوفي الأيدي، وإن فُرضت علينا الحرب فنحن مستعدون لكافة الاحتمالات، التي يعتقد بعض العازفين على ملفنا الاجتماعي في قنوات الرصيف أن بلادنا غير قادرة على المواجهة في الزمن الصعب.
وهي القنوات التي علينا- ككتاب رأي- أن نذكرها بأن المغرب الذي لم تستطع عواصف الربيع اقتلاع جذوره، هو المغرب الذي بنى مسلسله الديمقراطي السلس بالانتقالات المنتجة لدستور 2011 الذي نخوض معركة تفعيل قوانينه التنظيمية لبناء العمل المؤسساتي، ونرفع في ذلك سقف مأسسة الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، مع قول الحقيقة لشعبنا، دون خوف أو تردد، فاتحين الباب للرأي والرأي الآخر ومحتكمين للقانون والقضاء في حالة أي منزلق يمكن الإخلال فيه بالتزاماتنا في بناء مغرب الغد.
وهو المغرب الذي رفعنا فيه درجة التشارك في كافة محيطاتنا الإقليمية والدولية، ومددنا اليد فيه بلغة الديمقراطية والتنمية والتعاون والتضامن جنوب- جنوب، واثقين من أنفسنا، بالركن الذي بنيناه من حجر صلب ومن سقف أسسناه بحديد، بلغة المقاومة والتحرير، وبلغة الانتقالات الديمقراطية، ولغة الاحتجاج لتقويم مسارنا، ومواجهة الأوضاع بكل الشفافية التي نمتلك خرائط الخوض فيها، دون خوف من نقط ضعفنا، لأننا وبكل بساطة، دولة استطاعت أن توظف نقط القوة لمواجهة الضعف الذي نشتغل على تدبيره، حتى في إخفاقاتنا، لكننا نملك دائما مفاتيح القفل، الذي لا يعرف ثقبه تسرب الصدأ من كثرة فتحه باستمرار أمام الرأي العام الوطني والدولي، كدولة مغربية تشكل رقما صعبا في المنطقة.
ولهذا لم يكن المغرب، وهو يختار سياسته الإقليمية والجهوية والدولية، منغلقا على ذاته، بل كان مغربا له خياراته الاستراتيجية تجاه كافة المحيطات، بلغة الانفتاح والأنسنة والتعاون والتضامن والتشارك، وحوار الثقافات والأديان، ولغة السلم ، بدل لغة العسكرة والحرب الباردة التي استمرت في الجوار، حد تسربها اليوم فوق ترابنا في منطقة حساسة ندبرها في محور أممي، نملك فيه كافة الوثائق والحقائق التاريخية في الدفاع عن وحدتنا الترابية، وهي الحقائق التي فشل الخصوم أمامها عندما جربوا كافة السبل، في مرافعات اختارت ثقافة البترودولار لشراء الذمم في المزاد المدني والإعلامي الدولي.
وهو المزاد الذي اصطدم بقناعات المغاربة وتوحدهم – مع الاختلاف المنتج- حول قضيتهم، وحول امتدادهم، وحدودهم الوطنية.
كما هو المزاد الدولي الذي بنى مجده المفتعل على دموع الجياع والمرضى والمهانين والمحاصرين والمغتصبين والأطفال المشردين والمقموعين فوق تراب الجزائر في تيندوف، بدون أوراق هوية، وإن اختار بعضهم مواجهة الوضع اللا إنساني هناك، يُقتل أو يُسجن أو يُرحل إلى دواليب جنرالات الجزائر للمساومة أو الإقبار.
كما هو الوضع الذي استباح أرزاق الشعب الجزائري، بتخصيص نظامه لفائض عائدات البترول لتحركات البوليساريو، واقتسام ميزانية سفاراته مع هذه التحركات، حتى استشاط الجزائريون الأحرار غضبا، عندما انتهكت سيادة البلد على يد جنرالات الجزائر في مس مفضوح لحقوق المواطنين الجزائريين داخليا وخارجيا.
لهذا، على الدائرين في فلك الأوهام أن يعرفوا أن المغرب الذي واجه المتحرشين والمتاجرين بقضيته في كافة المحطات، بالحرب والسلم لمدة تجاوزت الأربعين سنة، قادر اليوم على مواصلة الدرب، بكافة الاحتمالات، لأن الصحراء المغربية هي جزؤنا الذي نتنفس منه هواء الحياة، وهي عقلنا، قلبنا، واقعنا ومتخيلنا، بلغة الشاعر أو لغة الاقتصاد أو المجتمع، وبكافة اللغات، بنينا فيها ركننا وسقفنا، ومستعدون لحمايتها من رعونة الحالمين باقتحام قلاعنا بأساليب التسلل عندما يحل ظلام الصحراء.

الكاتب : بديعة الراضي - بتاريخ : 05/04/2018

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.