رهائن الصحة

وحيد مبارك Wahid.abouamine@gmail.com

 

إن المتتبع للشأن الصحي، سيجد صعوبة لاستيعاب الغاية من الخطوة التي أقدم عليها «كنوبس» بخصوص الولادات القيصرية، حتى وإن كانت ذات بعد «نبيل»، لأن الكثيرين اليوم يرون أن المذكرة التي جرى تعميمها حق أريد به باطل، إذ ومن خلالها وضع الصندوق منخرطيه رهينة، لأنه وبكل بساطة كيف يمكن لطبيب أمام حالة استعجالية في ساعة متأخرة من الليل، على سبيل المثال لا الحصر، أن ينتظر ردّ ( كنوبس )، إن كان سيتحمل مصاريف عملية ولادة قيصرية، تطلبتها حالة المريضة، أو سيعوض على أساس ولادة طبيعية، والحال أنه من الممكن أن تفارق السيدة الحياة خلال تلك اللحظات، ويمكن للمولود أن يزداد بإعاقات مختلفة وغيرها من التبعات، وهو ما دفع الأطباء المتخصصين إلى اختيار الطريق السهل، المتمثل في إغلاق الباب في وجه طلبات التحمل انطلاقا من فاتح ماي، والمطالبة بأتعابهم في الحين، وما على المنخرطين وذوي الحقوق الذين سيستفيدون من الخدمات الطبية إلا أن يطالبوا الصندوق بتعويض مصاريفهم مباشرة ولاحقا، وهذا ما نبّهنا إليه وحذرنا منه، لأنه سيضع حواجز إضافية أخرى أمام ولوج المواطنين للعلاج، ضدا على السياق العام اليوم في المغرب الذي يدعو إلى تطوير المنظومة الصحية وتجويدها؟
الأكيد أن وسط الأطباء هناك الصالح والطالح، كما هو الحال في كل القطاعات، في الأمن والصحة والصحافة والإدارات المختلفة، كسائر المجتمعات وليس فقط في مجتمعنا، لكن لا يمكن تحت مبررات، صائبة أو خاطئة، أن نزيد من ثقل المصاريف العلاجية على المرضى، لأنه إذا أراد الصندوق الوطني لمنظمات الاحتياط الاجتماعي تفعيل هذا القرار بنجاعة، عليه أن يوفر طبيبا جاهزا في كل مؤسسة صحية لمتابعة وضع كل الحالات التي ترد للولادة، والتأكد في حينه من ضرورة إجراء العملية القيصرية من عدمه، لإنقاذ الحوامل من جهة وأجنّتهم، وحتى لا يطالب منخرط في نهاية المطاف بتسديد مصاريف إضافية أخرى، بدعوى أن «كنوبس» تحملت مصاريف ولادة طبيعية والمعنية بالأمر خضعت لولادة قيصرية.
قرار كنوبس، هو الشجرة التي تخفي الغابة، فملفات عديدة لم يتم تعويضها لمنخرطين في صحة الفم والأسنان وغيرها لأسباب واهية، هذا الصندوق الذي يقدم تعويضات بئيسة وبخسة عن مصاريف علاجية منذ 2003 إلى اليوم، رغم كل التطورات التي وقعت. فهل الطبيب العام اليوم يتسلم مبلغ 80 درهم ؟ وهل الطبيب الاختصاصي يتسلم مقابل الفحص 120 درهم ؟ إن ما يسترجعه المنخرط من مصاريف هي هزيلة، سواء تلك التي تتعلق بمستحقات الأطباء أو الأدوية التي يتم تعويضها بناء على احتساب وجود أدوية جنيسة، أي أقل كلفة، دون الخوض في تفاصيل الحديث عن الدواء الجنيس.
حقيقة أن «كنوبس» يتحمل مصاريف الأمراض المزمنة، لكن إعداد ملفاتها ومسطرتها تقطع ما يقطعه مسلسل مكسيكي من حلقات طوال، نموذج الغدة الدرقية عند النساء، وصحيح أن كنوبس يتحمل كلفة الأمراض الثقيلة، تصفية الكلي وغيرها، لكن السواد الأعظم من المنخرطين ومن المرضى هم اليوم لا يستطيعون أن يتوجهوا عند الطبيب إذا أصيب أكثر من فرد بمرض خلال شهر واحد، نظرا لطبيعة الأجور المتدنية، وللمصاريف التي سيتم إرجاعها بعد مدة ليست بالهينة التي هي بئيسة، لأن هذا الصندوق لم ينخرط في مراجعة التعريفة المرجعية الوطنية التي تم الاتفاق عليها في 2003 وكان يتعين مراجعتها في 2006، حتى يتسنى الرفع منها لكي لا يؤدي المنخرط/المواطن فارقا كبيرا، ولا يتحمل نسبة مرتفعة في مصاريف العلاج يؤديها من جيبه الخاص، خلافا لما يقع اليوم.
إن «كنوبس» لا تعوض عن العديد من «الأوضاع غير الصحية»، التي لا تعتبرها مرضا، كالحروق وتبعاتها، إذ تصنف تقويم وجه تشوه في حريق أو يد أتلفت أعصابها، أو غيرها، هي عمليات تجميل، وكأن المعني بالأمر يريد أن يشبه هذا الممثل أو تلك النجمة، والحال أنه يريد تجاوز وضع جسدي ونفسي مؤلم. ونفس الأمر بالنسبة للحالمين بالأمومة والأبوة، الذين يضطرون لبيع ما يملكون والاقتراض من اجل إجراء الفحوصات المكلفة والثقيلة سعيا وراء حلم الإنجاب، الأمر الذي تعتبره «كنوبس» ترفا؟
إن تطوير المنظومة الصحية ببلادنا لا يمكن أن يأتي بالشعارات الفارغة، وبالقرارات الجوفاء، وتعميم التغطية الصحية لتمكين المواطن المغربي من حقه الكوني والدستوري في الصحة، لن يكون بالمعارك «الدونكيشوطية» على حساب المواطن، وعلى حساب المنخرط في هذا الصندوق أو ذاك، وأن يتم تحويله إلى رهينة، يسيّره كل طرف على هواه، ويشكّله كيفما يشاء، فقط لأن الظروف ساقته بين أيدي البعض قهرا في حالة مرض!

الكاتب : وحيد مبارك Wahid.abouamine@gmail.com - بتاريخ : 23/04/2019

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.