في «واقعة» العلم الوطني: ركن بيتي حديد

جواد شفيق

 

في كل بلاد العالم ،عندما يتعرض أحد الرموز الوطنية، الجامعة، علم وطني، سيادة وطنية،وحدة ترابية، رموز دينية، مؤسسات و ثوابت وطنية.. لمحاولة مس أو تدنيس، فإن التعبير عن الإدانة و الشجب و الامتعاض و الاشمئزاز، يكون بكل لغات العالم ، دونما حاجة لتلك الأسئلة البليدة حول دوافع ومسببات وخلفيات ما وقع، فلكل شعب و أمة ووطن ثوابته الجامعة ومشتركه الوطني الذي يعتبر المس بهما كإحداث ثقوب في مركب يركبه الجميع و تسرب الماء إليه فبالتالي سيغرق الجميع.
ما وقع أمس ، أمام البرلمان ؟؟ مدان مبدئيا و دائما. ولا عاش من تجرأ على علم وطننا.
قد يكون فعل “تلاميذي مراهق طائش”، وقد أبدع صديقنا الأستاذ Ghassane Amarsal في توصيف التراكم “التاريخي” لعملية التكليخ التي أثمرت مثل هذه الثمار الفاسدة وسط شبابنا(و هي من المؤكد حالات معزولة)..
وقد فعل خيرا وفي حينه وزير التعليم حين برأ أمس الإثنين رسميا من على منصة رسمية في جلسة رسمية عمومية لمجلس النواب التلاميذ وحركتهم الاحتجاجية من هذا الفعل، مؤكدا أن جهات قد تسربت إلى الاحتجاجات وهي من قامت بهذا الفعل …
تكلم الوزير بيقينية، و قبله قرأنا و تابعنا هنا و هناك أن نفس الجهات التي ألفت و احترفت، بجبن كبير التسلل إلى أي حركة مدنية مطلبية أو احتجاجية و محاولة تحريفها عن مراميها، ودفعها نحو التأجيج و التصعيد و اللاسلمية والانفلات …ظانة ومتوهمة بأن في هكذا سلوك سياسي جبان lâche خدمة لأجنداتها و “استراتيجيتها” في القومة أو الثورة التي عفى عنها الزمن و عافها التاريخ ولفظتها الجغرافيا.
فأن تتسلل كلص حقير، بوجه مستتر إلى تظاهرات تلامذية بريئة، و تلبسها جريمة كبيرة ك”إهانة و تدنيس العلم الوطني” قد تؤدي بفاعلها المباشر إلى الغياهب ….فأنت تستحق عن جدارة لقب كبير الجبناء الحقراء. C’est le summum de la lâcheté et de l’imbėcilitė.
وأن تستمر في تقدير أن الوطن و مؤسساته، واستقراره ووحدته.. هو مجرد بنيان مهزوز، مغشوش، تكفي هبة منك لتتداعى أركانه ، دون أدنى مراعاة لما راكمناه عبر تاريخنا، ولعراقة الدولة/الأمة عندنا، و لوضعنا الحالي في محيطنا.. فأنت تستحق عن استحقاق لقب بطل العالم في الحول و العمى السياسي myopie et strabisme politique.
لقد حسم الفكر السياسي الحديث (وكان للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية شرف المساهمة الوازنة والواعية في ذلك) منذ زمن سؤال “طبيعة النظام السياسي ” الأصلح و الأنفع و الأنجع و الملائم و المواتي للديمقراطية وللدولة الوطنية الديمقراطية…و خلص الأمر إلى أنه ليست كل الجمهوريات ديمقراطية، وليست كل الملكيات مستبدة و ديكتاتورية.
ونفسه الفكر السياسي الحديث، ما زال يطرح سؤال، هل حصل فعلا أن كانت هناك ثورة في تاريخ البشرية؟ وبشكل أدق هل سبق لثورة ما منذ 1789 (سقوط الباستيل Bastille), إلى 1917 (سقوط قصر الشتاء) …إلى سقوط فاروق، والسنوسي والشاه ….هل سبق “لثورة” أن نجحت وذهبت بفعل الثورة والتثوير رأسا إلى البناء الفعلي والعملي لنظام جديد كل الجدة، مختلف كل الاختلاف في مبناه و معناه عن النظام الذي جاء على أنقاضه؟ ….لا.
كما يستمر ذات الفكر السياسي الحديث في طرح السؤال: هل هناك ديمقراطية مكتملة، بالغة سدرة المنتهى..أم أن الديمقراطية هي بناء دائم البناء، “لم تكتمل ولن تكتمل لأنها دائمة الاكتمال) كما جاء على لسان أندرياس باباندريو الزعيم اليوناني إبن و سليل مهد الديمقراطية.
لسنا نبخس الرفاق والإخوان حقهم في أحلام/أوهام يقظتهم.. ولكن الراغب في الثورة والطامح إلى القومة لا يختبئ وراء أطفال، و لا يرتكب هكذا أفعال.
إن قناعتنا بأحقية بلادنا في دولتها العصرية القوية، ومؤسساتها المتينة المنيعة، ومجتمعها المتضامن، وديمقراطيتها الناشئة…قد تعدت باب القناعة السياسية إلى نوع من العقيدة الفلسفية….لأن الجزء المتقدم من البشرية، كان هذا اختياره و هذا سبيل نجاحه…و لا يمكن أن يكون الفاشلون و الفاشيون نموذجا أو مثالا لنا.
عود على بدء:
بعد أن ألقى وزير التعليم بمسؤولية ما وقع خارج ملعب التلاميذ، يجدر بنا وقف حملة التخوين التي انطلقت وقدمت تلامذتنا في صورة “مساخيط وطنهم” وهم غير ذلك، وفي ذلك إساءة لنا أجمعين.
يجدر بنا الإنصات الجماعي المتبادل.يجدر بنا استخلاص العبر من هكذا أحداث و تشنجات نحن في غنى عنها… ويجدر بنا، أن نستمر في القول الصريح لتجار الوهم: هذا البلد، هذا الوطن ، هذا المغرب…. خيمتنا، ولن نسمح أبدا بأن تدكوها فوق رؤوسنا.

الكاتب : جواد شفيق - بتاريخ : 14/11/2018

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.