كلفة اللامغرب..

جواد شفيق

لم يختر الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية في العرس الاتحادي الكبير، الذي احتضنه مسرح محمد السادس بوجدة زوال السابع من دجنبر الجاري،والذي ترأسه الكاتب الأول ذ. ادريس لشكر، وكان عريسه الوطني الكبير،و القائد الاتحادي ذ. عبد الرحمن اليوسفي، وشهد حضور حجيج من كل البقاع والأجيال …لم يختر الاتحاد أن يكون العرس هذا عاديا، عابرا، افتراضيا، عاطفيا، روتينيا، بقدر ما اختاره واعيا،تاريخيا ومستقبليا، سياسيا وتنمويا.
لا شك أن حماسة وصخب ومشاعر ودهشة ونشوة وفرحة ولذة اللحظة الفخمة إياها، قد تكون عطلت ملكة الانتباه العميق في حينه لقوة الكلمات ودقائق المعطيات وجودة المقترحات،و جدلية الربط بين السياسة والتنمية، وبين الديمقراطية والحرية، وبين الوحدة والاستقلالية، وبين المعطيات التاريخية والمتطلبات الحالية والمستقبلية..
لقد كان السي عبد الرحمن بليغا، عميقا، وسهلا ممتنعا، وهو يخطب في الإخوة الجزائريين: “لنجعل من نداء الملك لحظة صدق، لنذهب نحو نصرنا الجماعي “.
وبقدر ما كان الأستاذ ادريس مسهبا، مفحما ومقنعا وهو يذكر بالتاريخ ، من معركة إسلي1844، إلى مؤتمر أحزاب جبهة التحرير الوطني الجزائرية والدستور التونسي والاستقلال المغربي بطنجة 1958، إلى خطاب الملك محمد الخامس رحمه لله بوجدة 1956، إلى مختلف محطات التضامن المغربي الجزائري،…. إلى خطاب الملك محمد السادس في الذكرى 43 للمسيرة الخضراء، فقد كان دقيقا، علميا وواقعيا وهو يبسط المعطيات والمؤهلات والممكنات التي تزخر بها كل من الجمهورية والمملكة، والتي لا شك أن الاستغلال المشترك الأمثل لها، سينعكس إيجابا على كل مكونات الشمال الإفريقي، وعلى القارة السمراء عموما، وعلى العلاقة مع الشركاء المشتركين لنا أجمعين في الضفة الأخرى من البحر الأبيض المتوسط، وفي المحافل الدولية الاقتصادية والسياسية (80% من ساكنة المغرب العربي موجودة في المغرب والجزائر، 75% من الناتج الداخلي الإجمالي لبلدان المغرب العربي ينتجه المغرب و الجزائر، الاندماج الاقتصادي المغاربي، سيمكن المغرب والجزائر من ربح ما يعادل 5% من ناتجهما الداخلي الخام، وسيمكنهما من تجاوز خسارة نسبة 2 إلى 3% من نسبة النمو التي يتكبدانها سنويا…).
لقد اختارت السياسة أن تتكلم لغة الاقتصاد والتنمية، لغة الواقعية، لغة الحاضر بتحدياته والمستقبل بمستلزماته.
لقد اختارت السياسة هنا وهي تتحدث عن حال ومآل خمسة أقطار مغاربية (حوالي 100 مليون نسمة) أن تقول الحقيقة عارية حول كل ما جمعنا ذات زمان، وما ضيعناه من وقت وفرص، وبددناه من إمكانيات، واستنزفناه من طاقات، وجنيناه من خيبات …بفعل اللاوحدة واللامغرب ذات أزمنة كثيرة.
لقد اختارت السياسة، على لسان ساسة خبروا لذة الوحدة وذاقوا علقم التفرقة، أن تقول من وجدة بكل رمزيتها، بأن المغرب الكبير ليس صورة مراكشية يتيمة لذكرى جميلة ستكمل عقدها الثالث في فبراير 2019، وبأن كلفة اللامغرب، باهظة اليوم، وقد يستحيل أداء فاتورتها غدا …ما لم نسرع الخطو نحو هدم جدارنا البرليني.
متعددة هي ومتنوعة انعكاسات الكلفة الباهظة لللامغرب، وهي تتأرجح بين الإنساني والسياسي والتنموي والاقتصادي.

في‮ ‬الأسابيع القليلة الماضية،‮ ‬انتقلت إلى رحمة لله بمدينة وجدة‮ ‬والدة صديقي‮ ‬فخر الدين،‮ ‬رحمها لله تعالى‮. ‬ولم‮ ‬يتمكن أشقاؤها الذين‮ ‬يقطنون بالجزائر‮ ‬من حضور جنازتها رغم أنهم‮ ‬يقطنون بمدينة حدودية‮. ‬لقد كان بإمكانهم ذات زمن أن‮ ‬يتناولوا وجبة الغذاء بالجزائر ووجبة العشاء عند أختهم بوجدة‮ (‬وهكذا كان حال الآلاف من مواطني‮ ‬القطرين الشقيقين المختلطة دماؤهم‮)‬،‮ ‬و لكن إغلاق الحدود البرية‮ ‬المغربية‮ _‬الجزائرية جعل زيارة الأهل هنا وهناك جحيما‮.‬
لعله الوجه الأبشع في‮ ‬كل هذا اللامغرب‮: ‬الكلفة الإنسانية‮. ‬
وأبشع منه أيضا،‮ ‬أن ممكنات هائلة‮ ‬يتوفر عليها الشمال الإفريقي،‮ ‬لم تجد بعد الإرادة السياسية الصادقة والمستدامة لتحويلها إلى محركات ورافعات للتقدم والازدهار والنمو والأمن والاستقرار والتطور والرفاه والتحديث والتكامل الجماعي،‮ ‬والتنافس مع الآخر المتكتل بتكتل مغاربي‮ ‬جماعي‮. ‬
لقد كانت بضع نقرات على فأرة حاسوبنا،‮ ‬وبضع لحظات إبحار في‮ ‬عوالم الشبكة العنكبوتية،‮ ‬اطلعنا فيها على بضعة تقارير وإحصائيات حول أقطار المغرب العربي،‮ ‬كافية لنردد ونصرخ‮ : ‬أما آن ليد الميت هذه أن ترفع من على هذا المغرب الكبير؟
أليس جرما هذا الذي‮ ‬يقترف مع استمرار زرع بذور التفرقة؟
ألسنا أضحوكة بين العالمين،‮ ‬ونحن الذين‮ ‬ينطبق علينا المثل البليغ‮” ‬جزار ومعشي‮ ‬باللفت‮ “..‬؟
لنتأمل بعضا من ممكنات بلداننا‮:‬
100‮ ‬مليون نسمة‮ .‬
تغطي‮ ‬بلدان المغرب الكبير مساحة قدرها‮ ‬5‭,‬8‮ ‬مليون كلم2‮ ‬،‮ ‬وهي‮ ‬بذلك سابع مساحة بعد كندا،روسيا،أستراليا،‮ ‬الصين،‮ ‬أمريكا والبرازيل‮. ‬بها‮ ‬مليون و‮ ‬400‮‬ألف كلم‮ ‬2‮ ‬من الأراضي‮ ‬الزراعية(الرابعة عالميا بعد أمريكا والصين و الهند‮).‬
احتياطي‮ ‬النفط المؤكد‮ ‬،‮ ‬أكثر من‮ ‬60‮ ‬مليار برميل‮.(‬التاسعة عالميا‮).‬
احتياطي‮ ‬الغاز،‮ ‬6‮ ‬تريليون متر مكعب (الثامنة عالميا‮).‬
احتياطي‮ ‬مالي‮ ‬نقدي‮ ‬ضخم‮. ‬
قوة عسكرية كبيرة جدا،‮ ‬
ناتج محلي‮ ‬يصل إلى‮ ‬488‮ ‬مليار دولار‮. ‬
صادرات تجاوزت‮ ‬120‮ ‬مليار دولار‮.‬
حدود وثروات بحرية جد مهمة‮. ‬
مؤهلات وسوق سياحية كبيرة‮. ‬
جاذبية استثمارية قوية‮.‬
كل هذا‮…. ‬وحال الحال‮ ‬يغني‮ ‬عن السؤال‮.‬
هشاشة اقتصادية واجتماعية،‮ ‬فقر وتخلف،‮ ‬أنظمة تعليمية واجتماعية‮ ‬مفلسة،‮ ‬بطالة وهجرة متواترة‮ ‬،‮ ‬ارتهان للمؤسسات المالية،‮ ‬هامشية دولية،‮ ‬عجز فادح أمام العولمة،‮ ‬ترتيب مخجل في‮ ‬سلالم التنمية ومؤشراتها‮….‬ كان الإنسان أول وآخر الضحايا‮.‬
والحال أن كل هذا الثراء والغنى،‮ ‬كان‮ ‬يمكن أن‮ ‬يكون مصدر تقدم وازدهار للإنسان المغاربي‮ ‬لو صقل في‮ ‬سياسة عمومية مندمجة مغاربيا،‮ ‬منفتحة ومتنافسة دوليا‮‬،‮ ‬ومسنودة شعبيا وديمقراطيا‮.‬
‮‬إن اختيار الاتحاد الاشتراكي‮ ‬للقوات الشعبية الحديث عن الموضوع المغاربي‮ ‬مباشرة‮ ‬مع الجزائر،‮ ‬في‮ ‬تفاعل إيجابي‮ ‬مع التوجه الملكي‮ ‬القويم‮‬،‮ ‬واختياره الحديث لغة ممكنات التكامل في‮ ‬أفق الاندماج الاقتصادي،‮ ‬بما‮ ‬يحقق الازدهار والنماء والأمن والكرامة لبلدان وشعوب المنطقة،‮ ‬واختياره النظر إلى المستقبل دون خجل من الماضي،‮ ‬ونزوعه إلى الحوار حول المصالح والمصلحة المشتركة الواسعة عوضا عن مطبات الملفات والعقبات المفتعلة‮.‬،‮.. ‬هو تعبير اتحادي‮ ‬آخر عن أن كنه ومنتهى السياسة‮ ‬عند حزب اشتراكي‮ ‬ديمقراطي‮ ‬أصيل،‮ ‬هو خدمة الإنسان‮/ ‬المواطن‮. ‬وكل ما عدا ذلك هراء‮.‬

 

الكاتب : جواد شفيق - بتاريخ : 18/12/2018

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.