لِمَ لا نقرأ الخطاب الملكي من قلب الدستور؟

الاستاذ: عبد الكبير طبيح

توالت التعليقات بعد الخطاب الملكي بمناسبة عيد العرش من قبل الفاعلين السياسيين والمفكرين والباحثين ومن المواطنين كأفراد، وهو ما يمكن التحقق منه سواء من الاطلاع على المواقف والآراء التي عبر عنها كل رؤساء الأحزاب أو ما نتابعه من تحاليل وآراء المفكرين والباحثين عبر وسائل الاعلام العمومي أو الخاص، وكذا عبر شبكات التواصل الإعلامي التي نقلت ومازالت تنقل آراء وأفكارا متنوعة وحتى متباينة للمواطنين.
وبالمحصلة فإن بلادنا متعطشة لنقاش سياسي مسؤول، علما بأن مفهوم النقاش السياسي المسؤول، لا يخرج عن الغرض منه، أي أن يؤدي إلى ملامسة الهم اليومي للمواطن العادي وتلبيته حاجياته العادية في التعليم والصحة والشغل وإشاعة الطمأنينة من جهة، وكذا في استشراف إنتاج الثروة من منبعها الطبيعي، الذي لا يعني سوى حماية ودعم وتطوير المقاولة المواطنة، وتحفيز المقاولين الفاعلين الرئيسيين، في إنتاج تلك الثروة، ليتأتى بعد ذلك تدخل آلية الحكامة الصالحة لتوزيعها بشكل عادل.
علما،كذلك بأن مفهوم التوزيع العادل للثروة لا ينظر له من جانبه الاتكالي، أي من باب انتظار العطاء من الآخر، والذي قد يمس بالكرامة الواجب الحفاظ عليها للمواطن، بل من باب الاستحقاق الذي يتأتى بعملية التأهيل المتكافئ لجميع افراد المجتمع.
فماذا جاء في الخطاب الملكي؟
لا أعيد هنا مضمون ومحتوى الخطاب، ولكن أريد أن ألفت النظر إلى أنه من حق المواطن أن يبتهج لملامسة الخطاب لهمومه.
لكن، هل من حق الفاعل السياسي، أن يهلل و يمجد ما ورد في الخطاب الملكي بمناسبة عيد العرش، أم المطلوب منه شيئ آخر.
استحضر قوة السؤال، لكنني لا أستثني نفسي ممن يوجه إليهم.
الخطاب الملكي في تقديري ،أكبر من خريطة الطريق حيث استمعنا لترديد العديد من الفاعلين السياسيين. هذا بالأساس يدفعنا إلى تذكر أمرين مهمين :
الأمر الأول : إن القوة السياسية طالبت بالملكية البرلمانية.
الأمر الثاني : إن القوى السياسية و المجتمعية طالبت بربط المسؤولية بالمحاسبة.
فيما يخص الملكية البرلمانية، فإن البعض كان يعتبرها خطوة ربما لا تستطيع الملكية في المغرب التقدم نحوها . وهنا أعود إلى النقاشات الكثيرة التي عرفتها بلادنا، وعلى الخصوص من قبل الأحزاب الوطنية ، منذ السبعينيات ، إلى حين التوافق على مشروع الدستور الحالي .
و يمكن أن أكتفي، في هذا الجانب ، بالإشارة إلى أن الفصل الأول من الدستور 2011 نص على نوع نظام الحكم في المغرب، وقال : نظام الحكم بالمغرب، نظام ملكية دستورية، ديمقراطية برلمانية واجتماعية.
واستقر النقاش حول الاعتراف بالخطوة الكبيرة التي بادرت بها الملكية في بلدنا، بينما ارتفعت أصوات أخرى تقول بأن المغرب لم يستمتع بعد بكل الشروط المجتمعية للانتقال إلى هذه المرحلة ، فتم تداول مصطلح (…الملكية البرلمانية) .
انطلق نظام الحكم الجديد باحترام تام لأهم شروط نظام الملكية البرلمانية في العالم، وهي تحديد سلطات الملك و توسيع اختصاصات الحكومة من جهة، و إسناد اختيار الحزب الذي يعين منه الملك رئيس الحكومة، للمواطن عن طريق الاقتراع العام المباشر، أي لاختيار الأمة بمفهومها الدستوري.
نفذت الملكية التزاماتها الدستورية، وعينت رئيس الحكومة الأول في ظل دستور 2011 بصلاحيات واسعة غير مسبوقة، ولم يتمتع بها أي وزير أول منذ بداية الاستقلال يمكن تلخيصها في أمرين:
-استناد كل مجال التدبير اليومي المتعلق بالمواطن للحكومة، انطلاقا من احتكار إصدار كل القوانين بما فيها قانون المالية الذي يحدد و يمس المعيش اليومي للمواطن. وللتذكير، فلقد سبق التداول حول رغبة رئيس الحكومة السابق في عرض قانون المالية على مجلس الوزراء، فتم التنبيه إلى أن ذلك القانون لا يدخل في اختصاص ذلك المجلس، لأنه شأن حكومي خالص.
-استناد التعيين في المناصب العليا، أي أن الدستور أعطى للحكومة اختصاصات واسعة، كما أعطاها وسيلة تنفيذها، أي التحكم في الأطر وأدوات تنفيذ عمل الحكومة، وهي الاختصاصات المنصوص عليها في الفصل 90 و91و92و71و75.
بينما احتفظ المجلس الوزاري، الذي يترأسه الملك بوضع التوجهات الاستراتيجية لسياسة الدولة وفقا لما ينص عليه الفصل 49 من الدستور.
هكذا حدد الدستور اختصاصات المجلس الوزاري الذي يترأسه الملك، وحدد اختصاص رئيس الحكومة والحكومة والأغلبية البرلمانية التي تنبثق منها الحكومة.
فاين نجد، إذن ، موقع خطاب العرش، هل ضمن اختصاصات المجلس الوزاري أم ضمن اختصاص رئيس الحكومة والحكومة والأغلبية البرلمانية؟
إن الجواب بقدر ما هو بسيط، بقدر ما هو مركب كذلك.
الجواب سيكون ، بطبيعة الحال، أن مضمون الخطاب هو من صلب اختصاصات الملك. فهو جزء من التوجهات الاستراتيجية لسياسة الدولة، كما ينص عليها الفصل 49 من الدستور.
لكن السؤال الذي يريد أن يطرحه هذا المقال: هل الملك هو من سينفذ ما تضمنه ذلك الخطاب؟
الجواب كذلك هو بسيط، لكن مركب. كيف؟
الخطاب الملكي، في تقديري المتواضع، هو من صلب التوجهات الاستراتيجية للدولة. لامس المشاكل اليومية للمواطن التي يئن تحتها ووضع الخطوط العريضة لحل تلك المشاكل وحدد الاسبقيات التي تتطلبها المرحلة الحالية الاستعجالية، كما مارس مهامه في المراقبة والمحاسبة كما هو الأمر بخصوص الإخلال بتنفيذ المشروع الواعد (الحسيمة منارة المتوسط). الذي لو نفذ كما خطط له منذ 2015 لما وجد أي تبرير للأحداث التي عرفتها الحسيمة.
هي، بالدرجة الأولى، الحكومة والأغلبية البرلمانية. التي عليها أن تبدع في خلق الوسائل المالية والعلمية واللوجيستيكية و البشرية الكفيلة بالاستجابة للمهام التي حددها الخطاب الملكي من أجل تنفيذها على الوجه الأكمل..
لهذا، فإن المواطن ينتظر الحكومة والأغلبية البرلمانية والفاعلين السياسيين، ليس ترديد تثمين ما ورد في الخطاب الملكي، بل، بالإضافة لذلك، يجب عليهم أن يتسابقوا في الإعلان و إخراج و إبداع الوسائل والطرق الكفيلة بوضع ما يتضمنه الخطاب من قضايا محل التطبيق المستعجل ، لكي يشعر المواطن بأن ما ورد في الخطاب، هو إرادة حقيقية لتغيير الوضع الذي هو فيه للأفضل، و ليس أن «يستقروا»في مواقف التنويه فقط.
وهناك يجب أن نذكر، بهذه المناسبة، أن تنفيذ ما ورد في الخطاب، هو من صلب مسؤولية الحكومة القائمة، في إبداع وخلق واقتراح أسهل الطرق أو أبسطها وأقلها كلفة مالية لتنفيذ مضمون الخطاب.
كما أن ذلك التنفيذ، هو من صلب اختصاصات المعارضة ، وذلك بالإعلان للرأي العام عن الوسائل التي تبدعها ،لتنفيذ مضامين الخطاب بأكثر نجاعة مما قد تقدمه الحكومة، لتمكن الرأي العام من الحكم على من هو أجدر بتدبير شؤونه وأكثر كفاءة على تنفيذ مضامين خطاب العرش.
بمعنى أن الحكومة مسؤولة على تنفيذ السياسات العمومية من تعليم وصحة وشغل وحماية القدرة الشرائية للمواطن ودعم المقاولات وبناء الطرق والمستشفيات والجامعات. وكل ماله علاقة بحياة اليومية للمواطن، هو من اختصاص الحكومة.
إن قراءة مضمون الخطاب من اختصاصات الحكومة المنصوص عليها في الدستور وليس من خارجه، أي من داخل مسؤولية الآلية البرلمانية أي الأغلبية التي انبثقت عنها هذه الحكومة، و من داخل اختصاصات الأحزاب التي أصبحت اليوم مؤسسات دستورية.
فإذن ، بذل الاكتفاء بتثمين الخطاب، يجب انتقال الفاعل السياسي، إلى مرحلة الفعل الحقيقي ، أي أن يبدع و ويخرج للرأي العام بالوسائل الناجعة والأفكار الجديدة لتنفيذ ما ورد في الخطاب وليس لإعادة قراءته على المغاربة.
أما بخصوص التذكير بمبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، فإني أذكر بهذا المبدأ ليس بمفهومه المتداول، المتعلق فقط بمحاسبة مسؤول على تدبير مالي أو غير، هذا أمر معروف. ولكن من مفهومه الشمولي كما ورد في الدستور. كيف ذلك؟
دستور 2011 ينص على أن الملك يعين رئيس الحكومة من الحزب الذي يحصل على أغلبية أصوات المغاربة. وهو مقتضى لا وجود له ، مثلا ، في الدستور الاسباني كنص مكتوب، هو ما لاحظناه في الانتخابات الاسبانية الأخير..
وبما أن تعيين رئيس الحكومة مرهون برأي المواطن عبر التصويت، فإن المواطن هو المسؤول الأول عن اختيار رئيس الحكومة المعين من قبل الملك وعن اختيار الحكومة المعينة من قبل الملك، لأن الحكومة بعد تعيينها لابد من أن تنصب من قبل الأغلبية البرلمانية، أي أن دور المواطن حاضر في تعيين رئيس الحكومة وفي تعيين أعضاء الحكومة.
فمبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، يهمنا نحن كمواطنين، و يلزمنا أن نتذكر ذلك عند كل محطة انتخابية.
يجب أن نستحضر اليوم أن نظام الحكم في المغرب قد تغير، و أن ملك البلاد احترم إرادة المواطن بعد الانتخابات الأخيرة، إذ بالرغم من عدم تمكن رئيس الحكومة المعين أول الأمر من تكوين أغلبية برلمانية، فإن الملك لم يغير الحزب، كما فعل ملك اسبانيا، و إنما عين رئيس الحكومة من نفس الحزب.
بينما في إسبانيا التي عرفت فوز الحزب الشعبي في الانتخابات الأخيرة، عين الملك رئيس ذلك الحزب قصد تكوين الحكومة. وعندما فشل في ذلك، عين الملك رئيس الحزب الاشتراكي. وعندما فشل هذا الأخير كذلك، أعاد تعيين رئيس الحزب الشعبي. وبعدما وصل إلى توافق مع الحزب الاشتراكي مكنه من تكوين حكومة عندما امتنع عن التصويت ضدها.
لكن، في المغرب، الملك رجع إلى نفس الحزب، وعين منه السيد العثماني كرئيس للحكومة الحالية.
الكل مجمع على أن الوضع السياسي الحالي صعب بالنظر لانتظارات المواطنين والفاعلين الاقتصاديين وكذا حالة الركود، وكذا الاضطرابات التي عرفتها بلادنا.
إذا كان التدبير السياسي بالشكل الذي نص عليه الدستور، أي أن الحكومة تنبثق من الأغلبية الحالية، تدبيرا تحول حوله عدة تساؤلات و عدم وضوح في الرؤى ، فإنه سيكون من الحكمة و تغليب مصلحة الوطن، اللجوء إلى اختيار ليس فيه أي تنقيص من أي كان، وهو المطالبة بتكوين حكومة وطنية، و ليس ائتلافية ، لتطبيق مضمون الخطاب، ما دامت كل الأحزاب والفاعلين السياسيين قد ثمنوا مضمون ذلك الخطاب.
وهذا الخيار، أو غيره من الاختيارات، سيكون فيه دفعة قوية للمسار السياسي ببلادنا.وسيوجه الجميع حول أهداف المجتمع، ويلزم الجميع لتخلي عن الخطابات السياسوية التي تجر البلاد إلى الأسفل.
على أن يهيأ المغرب لمرحلة أخرى قادمة تكون فيها الأحزاب قد أنتجت طاقات جديدة ، كما ورد في الخطاب الملكي الذي ثمنه جميع الفاعلين السياسيين.
هذه قراءة من بين قراءات أخرى . لأن العيب يوجد في الصمت، وليس في الكلام.
تكلموا …… رحمكم الله.

الكاتب : الاستاذ: عبد الكبير طبيح - بتاريخ : 07/08/2018

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.