أكادير بين الأمس واليوم

عبد السلام الرجواني

يعز علي أن أنعي مدينة كانت ايك احلامي كلها، والحضن الدافىء لمشاعري وافكاري واطفالي الاربعة… بها نشأت نشأتي الثانية بعدطفولتي ببني زروال الجبلية… اكتشفت اكادير منتجعا جميلا عند قدم جبل شامخ بتاريخه، وعلى شط ذهبي تعانقه امواج من زمرد، ويسبح في عباب بحره الخلود.
لم تكن المدينة الوديعة رمز الحب والسلام والانفتاح فحسب وإنما كانت مستنبت الوطنية الصادقة وقلعة الورد والبنفسج. في حدائقها الغناء ترعرع النضال الديمقراطي بكل رموزه فكان الصمود والاستشهاد، وفي جنباتها الدافئة كان الابداع والعمل الثقافي الملتزم… وبها كانت بدايات تجربة جماعية متميزة قادتها نخبة من اطر المدينة وابنائها البررة الذين عملوا في صمت وبإيمان قوي من اجل انبعاث حقيقي لمدينة الانبعاث. واجهوا جبروت السلطة وجيوب مقاومة التغيير لانتزاع المدينة وشأن تدبيرها من مخالب الفساد والجمود، ففتحوا ابواب البلدية امام المواطن(ة) البسيط(ة) الذي أصبح شريكا للجماعة في مشاريع تنموية مهيكلة انعشت اقتصاد المدينة وحركة التجارة بها ومكنت الجماعة من رصيد عقاري ومن عائدات مالية مهمة اعيد استثمارها في مجالات حيوية؛ مما اتاح انطلاق نهضة عمرانية وثقافية ورياضية جعلت اكادير مدينة حقيقية وبكل ما ترمز اليه كلمة ” مدينة” من تحضر وتقدم وحداثة. يكفي ان اشير إلى معلمة سوق الأحد ،
اكبر مركب تجاري بافريقيا، وإلى الكورنيش الرائع وإلى التجزئات السكنية التي حررت سكان المدينة من جشع المضاربة العقارية، الاعتناء بالسكن الاجتماعي للفئات الفقيرة ودور الصفيح (سيدي يوسف والرجاء فالله)،وإلى الخزانات البلدية التي كانت مزارات يومية للطلاب والمثقفين وهاهي قد تحولت إلى مكاتب ادارية يسكنها الصمت والسأم، وإلى مسرح الخضرة الذي استضاف مبدعي المسرح والموسيقي من كل ارجاء العالم ومن كل مدن الوطن، وإلى احداث وكالة النقل الحضري ووكالة توزيع الماء بعيدا عن شرنقة التدبيرالمفوض،وإلى المركبات الرياضية ومقرات ابرز النوادي الرياضية ( الحسنية ورجاء اكادير ونجاح سوس)،ناهيك عن المحطة الطرقية والمتحف البلدي للثقافة الامازيغية والقاعة المغطاة والمركبين الثقافيين جمل الذرة وخير الدين، والحدائق الغناء و الشوارع الكبرى بمداراتها.
على امتداد خمس ولايات متواصلة عاشت المدينة تجربة جماعية غنية خولتها مرتبة راقية بين مدن المغرب من حيث نظافة شوارعها وشاطئها الجميل، ومن حيث عنفوانها الثقافي والترفيهي وملتقياتها الابداعية الراقية (المهرجان السنوي لمسرح الهواة، مهرجان الفنون الافريقية، الملتقى السنوي للثقافة العربية، محضرات لمفكرين كبار بقاعة ابراهيم الراضي رحمه لله، وغيرها من التظاهرات الفنية). هي منجزات غيرت وجه المدينة الناشئة وجعلتها وجهة للناس من كل جهات المغرب واصقاع العالم،واهلتها لتصبح مدينة جامعية وقاطرة للتنمية بالجهة ومثالا يحتذى للتنمية الحضرية. وكان من الطبيعي ان تلقي بانوارها على شقيقاتها من الجماعات المحيطة بها الدائرة في فلكها، فسار كثير منها على نفس النهج بقيادة رؤساء ما زالت اعمالهم تشهد على اختياراتهم التنموية الصائبة، بالدشيرة الجهادية زمن المرحوم بوجناح وآيت ملول خلال ولايات ثلاثة. وكانت تلك النهضة محفزا للدولة على تخصيص استثمارات مهمة في مشاريع كبرى من قبيل الميناء التجاري ومطار اكادير المسيرة والطريق السيار …
هي مسيرة طويلة ومركبة لاجيال من المستشارين الاتحاديين بقيادة رؤساء حملهم حزبهم مسؤولية تدبير الشأن المحلي: ابراهيم الراضي رحمه لله، محمد الواتق شفاه لله، محمد البوزيدي ادام الله عليه الصحة والعافية، طارق القباج حفظه لله. لم تخل التجربة من نواقص وصعوبات واخطاء ومشاكل وصراعات حول السلطة والجاه، لكنها كانت تجربة غنية وايجابية في اتجاهها العام إلى ان افضت الانتخابات الجماعية الاخيرة إلى فوز حزب المصباح بالاغلبية وتربعه على كرسي تدبير شؤون مدينة جاهزة. ولولا ذاك الانشطار الذي وقع لظلت اكادير على نفس المشوار. فلنتعلم من اخطائنا ولنجعل مما وقع عبرة ودرسا سياسيا نفيسا.
لم املك يومها سوى ان أهنئ قادة الحزب الفائز على فوزه ، وكنت اتمنى ان يحافظوا على النفس التنموي للمدينة وان يصونوا المكاسب والمنجزات التي هي مكاسب للمدينة واهلها الطيبين.
بعد اربع سنوات من التدبير الجديد، يحق لاهل المدينة ان يقيموا ما صارت اليه لؤلؤة سوس، وان يحكموا على اداء الفريق المسير.
اما ان سئلت عن رأيي، فاني أجيب بما املك من معطيات ملموسة، وبشيء من الموضوعية:
أولا: عدم برمجة اي مشروع مهيكل جديد والاكتفاء باستكمال او تنفيذ ما قرره المجلس السابق باشراف الأخ طارق القباج، مع بعض التلكؤ في وتيرة الانجاز. فبرنامج تأهيل الشبكة الطرقية يسير بخطى السلحفاة بسبب التدبيرالسيء للصفقات التي لم تستفد منها المقاولة المحلية واسندت لمقاولتين، مما عطل الانجاز وادى إلى خنق حركة السير والجولان خلال عطلتين صيفيتين، والآتي اعظم. ومن العيب وقصر النظر ان تتعرض بنيات تحتية كلفت الجماعة ميزانية ضخمة ليكون مآلها الاندثار مثل الحديقة الكبرى بحي تليلا والتجهيزات الرياضية بالكورنيش، وممرات الراجلين والمساحات الخضراء على المحور شرق/غرب.
ثانيا: تدهور الخدمات الاساسية من نظافة وانارة وحماية الملك العمومي . الازبال متراكمة على مشارف المنطقة السياحية تزكم الانوف بروائحها النتنة وتدعو إلى التقزز ، الشوارع يلفها ما يشبه الظلام تحت مصابيح تذكرني بقنديل ام هاشم، لا تكاد تضيء على نفسها، ارصفة الطرقات متآكلة وجلها في الاحياءالشعبية محتلة عل نحو جائر يدفع بالمارة الي السير وسط الطرقات معية العربات، كثير منها ومن الساحات في الداخلة والسلام والحي المحمدي والتمديد وتكوين وبنسركاو اصبحت اسو اقا عشوائية لباعة متجولين يشكلون شبكات منظمة مدعومة من تجار ومنتخبين، مما ادى إلى افلاس اصحاب المحلات التجارية الذين يشتغلون وفق القانون ويؤدون الضرائب والرسوم. اما مواقف السيارات فحدث ولا حرج: كل الازقة والشوارع والساحات، بما فيها البقع غير المبنية، تحولت إلى ملكيات خاصة لكل من ارتدى سترة صفراء كتب عليها” مرابد الجماعة الحضرية لاكادير”، مما يعرض المواطنات والمواطنين إلى الابتزاز والتعنيف.
ثالثا: موت ثقافي، اذ عطلت كل التظاهرات الثقافية الابداعية ما عدا تيمتار الذي صمد امام كل محاولات الاغتيال من قبل ” الاسلامويين”، بدعم من الجهة والسلطات. وعرفت الشراكة مع الجامعة تراجعا واضحا ووزعت المنح على الجمعيات وفق سلم معايير لا علاقة لها بالعطاء وانما على اساس الولاء للحزب الحاكم ، وهكذا تحول العمل الجمعوي إلى عمل دعوي وتعبئة انتخابية دائمة وحشد للاصوات عبر عمل احساني في الظاهر، سياسي في العمق.
كل هذه الاعطاب اثرت بوضوح على الحياة الاقتصادية والتجارية لمدينة سياحية بامتياز؛ والواقع ان القطاع السياحي رغم استقراره كميا، فإن وقعه على الحركة التجارية بالمدينة ضعيف للغاية بسبب غياب بنيات الاستقبال وتدني الخدمات الاساسية للجماعة وانعدام تنشيط ثقافي وفني منتظم. فاصحاب البازارات يعيشون كسادا مقلقا مثلهم مثل المطاعم. ومن يشك في هذا فليسأل تجار سوق الاحد ومركب الصناعة التقليدية وطريق الخير ومطاعم “تاودا” وشارع الليمون وغيرها.
اكادير مدينة ذات تاريخ مجيد حباها لله بامكان طبيعي هائل وساكنة مجدة، تتعرض اليوم إلى ترييف وفوضى وركود اقتصادي ومسخ ثقافي وتدهور اجتماعي؛مما يفرض على كل الفاعلين التحرك عبر كل الوسائل القانونية المتاحة لإنقاذها، ونأمل صادقين ان يتحمل المجلس الجماعي اغلبية ومعارضة مسؤولية انقاذ مدينة تستحق ما هو افضل.

الكاتب : عبد السلام الرجواني - بتاريخ : 03/08/2019

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.