«الأحزاب الإدارية»

 عبد السلام المساوي

 

يظهر أن التوظيف اللاتاريخي للمفاهيم السياسية التي أنتجها الاتحاد الاشتراكي، في تفاعل مع الأحداث والظروف السياسية، في لحظات تاريخية معينة، امتد إلى كل المفاهيم، ومنها مفهوم” الأحزاب الإدارية”، ومعلوم أن الاتحاد الاشتراكي في السبعينيات والثمانينيات كان يقاوم الأحزاب التي صنعتها السلطة، التابعة للدولة، والتي تناهض إقامة النظام الديمقراطي، أو أنها تستعمل لتحقيق أهدافها وسائل لا ديمقراطية، إنها الأحزاب التي خلقتها الإدارة، إدارة الداخلية خصوصا، لمواجهة الأحزاب الوطنية الديمقراطية، وفي طليعتها حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية …
لما وضع الاتحاد الاشتراكي هذا التصنيف، كان يفكر ويشتغل في شروط تاريخية معينة، وكان هذا التصنيف يعبر عن إملاءات المرحلة بعنوان الجمر والرصاص…
منذ حكومة التناوب برئاسة الكاتب الأول للاتحاد الاشتراكي الاستاذ ع.الرحمان اليوسفي، ومشاركة حزب التجمع الوطني للأحرار إلى جانب أحزاب الكتلة، الأحزاب الوطنية التاريخية ، بدأ هذا المفهوم يفقد حمولته السياسية الثورية ، ويفقد بريقه و جاذبيته ..ومع تتالي الحكومات (حكومة جطو ، حكومة عباس الفاسي، حكومة بنكيران، حكومة العثماني) وانخراط ما كان يسمى الإدارية (الأحرار والحركة الشعبية) في الحكومات التي ضمت الأحزاب الوطنية (الاتحاد الاشتراكي، حزب الاستقلال، التقدم والاشتراكية)، وحزب العدالة والتنمية – مع تسجيل أن الاتحاد الاشتراكي لم يشارك في حكومة بنكيران – ، أصبح مفهوم ” الأحزاب الإدارية ” متجاوزا تاريخيا ، وأصبح استعماله غير ذي جدوى سياسيا …من هنا نؤكد أن الأهداف الممكنة في مرحلة تاريخية معينة، هي البوصلة التي نحدد بها مواقع اصطفاف كل القوى السياسية والمجتمعية.
والغاية المحددة لطبيعة المرحلة الحالية، هي في رأينا، التمكن من تثبيت نظام مؤسساتي ديمقراطي، بكل الخصائص” المتعارف عليها دوليا “، إن هذه الغاية التي يتوقف عليها تقدمنا التاريخي في مجموعه، تتقاسمها مجموعة من القوى السياسية تتفاوت وتختلف في منشئها ومصالحها وثقافتها ومواقعها الاجتماعية الرئيسية.
إن مفهوم” الأحزاب الإدارية “، كغيره من المفاهيم، مشروط بنسبيته وبتغير الظروف المولدة له والمتفاعلة معه. لقد استعمل هذا المفهوم بكثافة في الساحة المغربية في الثمانينيات، أما ما قبلها فقد كانت الأرجحية لمرادفات أخرى كالقوى الرجعية ..مع مخطوطاتها من التصنيفات الطبقية او شبه طبقية كالاقطاع والبورجوازية وصنائع الاستعمار الجديد أو عملائه او الخونة …وذلك في مقابل القوى التقدمية والثورية …التي لم تقر بشرعية الأحزاب الأخرى المفترض فيها أن تكون ممثلة لليمين، وهي التي كانت تدعوها بـ (الأحزاب الإدارية والرجعية طبعا)، وما يجعلني الآن شديد التحفظ من الاستعمالات الجارية لهذا المفهوم، أنه ما زال مثقلا برواسب الماضي، حيث كانت للمفاهيم دلالة قيمية ايديولوجية ،مضخمة ، تبطل دورها كأداة تحليلية للاقتراب من صورة الواقع المعقد…
ونذكر “الزعيم “التابع لمن هو في مرتبة” دون البغل وفوق الحمار”، نذكر أشباه السياسيين الوافدين على اليسار، اولئك الذين يعانون من ثقب في الذاكرة، وأولئك الذين كانوا على الهامش في لحظات حرجة من تاريخ المغرب القريب، نذكرهم ببعض الحقائق التي تتأسس عليها تحالفات الاتحاد الاشتراكي…
نذكر هنا بخطاب الكاتب الأول أمام مجلس وطني سابق لتشكيل حكومة العثماني، وفي زمن تيه بنكيران رئيس الحكومة المعين والذي سيعفى، …يقول الأستاذ لشكر “فعلى سبيل المثال شكلت علاقتنا مع التجمع الوطني للأحرار نموذجا جيدا ، سواء خلال مرحلة معارضة ما قبل 1998، حيث كان هذا الحزب منفتحا على الاتحاد الاشتراكي ومطبوعا بعلاقة تتجاوز مواقعنا التي كانت متباينة…
ويسجل التاريخ أن حزب الأحرار وقف دفاعا عن الاتحاد الاشتراكي في ظروف شروط تاريخية صعبة…فلما عزم الملك الراحل الحسن الثاني، حل حزب الاتحاد الاشتراكي عقابا له على انسحابه من البرلمان ، صفق الجميع مباركا “محو” الاتحاد الاشتراكي من الوجود السياسي المغربي، بمن في ذلك المقربون من الحزب في التاريخ والوطنية واليسار …وحده أحمد عصمان رئيس التجمع الوطني للأحرار، بشجاعة وحكمة اعترض على هذا القرار باعتباره لا قانونيا …وفي لحظات أخرى كثيرة، يسجل لأحمد عصمان احترامه وغيرته على هذا الحزب العريق، إيمانا منه بأن المس بالاتحاد الاشتراكي هو خروج عن التاريخ وإلغاء لقوة سياسية مجتمعية أساسية ، مساهمة في حفظ التوازن السياسي ببلادنا، وكل محاولة تروم ” قتله ” معناه التطبيع مع التسلط والاستبداد والانحراف عن المسار المفضي إلى الديمقراطية…
ويضيف ذ لشكر “… لدرجة لم نتردد أي لحظة في فتح حوار معه قصد المشاركة في حكومة التناوب، متجاوزين بذلك أننا كنا ننتمي آنذاك للكتلة الديمقراطية ، وطيلة مشاركتنا في الحكومات الموالية، كانت هذه العلاقة تزداد متانة لدرجة أنها لم تتأثر بخروجنا للمعارضة بعد انتخابات 2011 التشريعية ” ..وللتذكير ، فحزب الأحرار هو الذي أنقذ حكومة بنكيران بعد انسحاب شباط…
إذن، فحكومة التناوب بقيادة اليوسفي، وبالرغم من أنها ضمت الكتلة واليسار، فإنها انفتحت على حزب الأحرار، وكان انفتاحا إيجابيا وحكيما ..ويشهد التاريخ أن الأحرار ، وزراء وحزبا، ساهموا بشكل فعال وهادئ في إنجاح تجربة التناوب التي واجهت معارضات شرسة، خفية وظاهرة ، من خارج الحكومة ومن داخلها …وكلنا يتذكر مذكرة عباس الفاسي الموجهة إلى الوزير الأول، وكلنا يتذكر المقاومة الشرسة لهذه الحكومة من طرف البيجيدي ..وكلنا يتذكر “مولا نوبة”، وكيف تحالف البيجيدي مع حزب الاستقلال ومع آخرين لإجهاض” المنهجية الديمقراطية ” .
ونذكر بدعوة ذ لشكر ” للقطع مع سياسة الأقطاب كيف ما كانت طبيعتها، وفتح المجال أمام العلاقات الثنائية دون ربطها بأي قطبية او تكتل كيفما كانت تسميته. فالاتحاد الاشتراكي برصيده النضالي والتاريخي لا يمكن أن يتم ” تذويبه” في أي تكتل، أو التحاور معه على أنه ” جزء ” في إطار أشمل ، وبنفس المنطق ، فإنه لن نقبل أن يتحاور معنا اي تحالف من أي نوع كان، بل سنجعل من العلاقات الثنائية الأساس الذي سنبني عليه مواقفنا “.

الكاتب :  عبد السلام المساوي - بتاريخ : 16/05/2019

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.