الجابري، جعيط، العروي وأركون ومشروع تحديث التراث

الحسين بوخرطة

في سياق عودتي إلى بعض الكتابات الخاصة بالمشاريع الضخمة في مجال تحديث التراث، التي أنتجها عمالقة الفكر المغاربيين الجابري وجعيط والعروي وأركون، أجد نفسي دائما مصطدما مع عبارة ساحرة يكررها أركون في كتاباته وهي «الابستمولوجية الراديكالية»، والتي تعني بالنسبة له، كما جاء في كتابه «قضايا في نقد العقل الديني: كيف نفهم الإسلام اليوم؟»، الذهاب إلى عمق الأشياء أو إلى جذور المشاكل المطروحة وعدم الاكتفاء بمسها مسا خفيفا أو سطحيا. إنها عبارة أراد من خلالها أركون أن يعبر عن وجود اختلاف في مستوى الجرأة في طريقة معالجة هذه الإشكالية المركزية والأدوات المنهجية المطبقة في المشاريع الفكرية لكل واحد من الأهرام الأربعة السالفة الذكر.
إن استحضاري لهذا الأمر لم يكن صدفة، بل جاء نتيجة تفكير دائم في مسألة ارتباط قوة الفعل التنموي بالزعامة السياسية والفكرية، ودفاعي على خلق شروط ديمومة التداخل القوي ما بين ما هو فكري وما هو السياسي. وهنا أبرز بدون تردد كون تفسير القرآن الكريم حسب أسباب النزول عند الجابري كان حدثا بارزا جدا في مجال الجرأة، حدث أبان عن حاجة الشعوب العربية والمغاربية ومؤسساتهم الرسمية ومنظمات مجتمعاتهم المدنية إلى تشييد جسر تواصلي قوي ما بين انتاجات عبد الله العروي ومحمد أركون من جهة وهشام جعيط ومحمد عابد الجابري من جهة أخرى. إن الإنتاج الأخير للجابري (تفسير القرآن حسب أسباب النزول) أكد بالملموس الالتزام المنهجي الصارم لهذا الهرم في ترسيخ الصبغة التاريخية للتراث المتراكم زمن نزول الوحي.
لقد ركز الجابري في كتاباته على الأدوار المنوطة بالمثقف العربي، متفاديا الحديث عن المثقف الإسلامي، ومستحضرا التشكل التاريخي لزواج وثيق ما بين العروبة والإسلام. إن دعوته لدراسة التراث من أجل تحديثه وخلق ظروف وشروط التحاقه بالركب التاريخي لما تحقق إنسانيا على مستوى العالم شكل بالنسبة له انشغالا دائما. لقد انشغل بهذا الإشكال المعقد والحساس إلى أن ختم مشروعه بقراءة جديدة للنص الأصلي (القرآن الكريم)، قراءة مؤيدة لتاريخانية التراث المجسد للقراءات المتباينة جغرافيا وزمنيا لآياته. إنه مجموع الأفكار والسلوكيات والعادات والممارسات التي تم إنتاجها جراء التكرار أو الاستحياء أو التعارض أو التجاوز للتراكمات التراثية.
لقد حذر الجابري من استقالة العقل العربي، وأثار أركون اكتساح الحداثة العالمية لكل البلدان والشعوب وقدرتها على تفنيد كل المناقشات الدائرة حاليا حول الأصولية والتزمت وتحدث عن المشروع الغربي لخلق الموسوعة القرآنية، وكتب العروي على مفهوم العقل، وأثار هشام جعيط مفهوم الفتنة. إنها نقط التقاء قوية أبررت حاجة البلدان العربية والمغاربية إلى الاستثمار رسميا في بلورة وتفعيل مشروع هوياتي حداثي جديد يحدث طلاقا تاما مع المشاريع الإيديولوجية السابقة واللاحقة الفاشلة كالمشروع الإخواني أو القومي الناصري، أو المشروع الخميني الشيعي،….. إلخ.
في هذا الصدد، أرى أننا فعلا قد وصلنا إلى هذه النقطة في سياق مشجع نسبيا، سياق ترسخت من خلاله على الأقل القناعة في الأذهان والعقول كون ترويج فكرة ضرورة العودة إلى الأصل أي إلى الصفر لا يمكن تصنيفه إلا في خانة العبث والعدمية. في نفس الآن، تعالت وتنامت الأصوات المطالبة بتقوية إعادة التفكير المؤسساتي والمجتمعي في الظاهرة الدينية (الإسلام أحد تجلياتها) بالشكل الذي يساهم في بناء مشروع حداثي على المستوى الإقليمي. إنها الأصوات المنددة في نفس الوقت بما تم إنتاجه في إطار السياج الدوغمائي المغلق من أفكار وسلوكيات وممارسات تقليدية أبانت التطورات التاريخية أن لا أساس لها من الصحة.
إن تجاوز عدد كبير من الأفكار، التي سخرت وسائل ضخمة لضمان ديمومة تقديسها ووصفها بالنهائية، وإسقاطها من برج التعالي التاريخي، أصبح اليوم مكتسبا مشجعا ومحفزا لمصادر القرار من أجل الاستثمار في خلق إطار مؤسساتي على المستوى الوطني (المغرب من أكبر الدول المؤهلة إقليميا لإنجاح هذا المشروع) مختص في مجال إعادة دراسة وتحديث التراث الإسلامي.
وتجدر الإشارة في الختام أنني، ابتداء من نشر هذا المقال، سأستأنف تنشيط المجموعة الفيسبوكية «منتدى البحث في الهوية لدعم الحداثة والديمقراطية»، على أن أقوم في المستقبل القريب بتغيير اسمها بما يناسب. فإضافة إلى تنشيط النقاش والبحث الحر الملتزم بالقواعد الابستمولوجية العلمية في مجال إعادة قراءة التراث، أطمح أن تكون هذه المجموعة بوابة لمناقشة ومواجهة الكتابات والاستنتاجات الغربية سواء منها الموضوعية والعلمية أو تلك المتسرعة اللاعلمية المجحفة التي تتفنن في ربط الإسلام، دين الانفتاح والتسامح، بالموضوعات المثيرة كالعنف السياسي والخطابات الأصولية.

في سياق عودتي إلى بعض الكتابات الخاصة بالمشاريع الضخمة في مجال تحديث التراث، التي أنتجها عمالقة الفكر المغاربيين الجابري وجعيط والعروي وأركون، أجد نفسي دائما مصطدما مع عبارة ساحرة يكررها أركون في كتاباته وهي «الابستمولوجية الراديكالية»، والتي تعني بالنسبة له، كما جاء في كتابه «قضايا في نقد العقل الديني: كيف نفهم الإسلام اليوم؟»، الذهاب إلى عمق الأشياء أو إلى جذور المشاكل المطروحة وعدم الاكتفاء بمسها مسا خفيفا أو سطحيا. إنها عبارة أراد من خلالها أركون أن يعبر عن وجود اختلاف في مستوى الجرأة في طريقة معالجة هذه الإشكالية المركزية والأدوات المنهجية المطبقة في المشاريع الفكرية لكل واحد من الأهرام الأربعة السالفة الذكر.
إن استحضاري لهذا الأمر لم يكن صدفة، بل جاء نتيجة تفكير دائم في مسألة ارتباط قوة الفعل التنموي بالزعامة السياسية والفكرية، ودفاعي على خلق شروط ديمومة التداخل القوي ما بين ما هو فكري وما هو السياسي. وهنا أبرز بدون تردد كون تفسير القرآن الكريم حسب أسباب النزول عند الجابري كان حدثا بارزا جدا في مجال الجرأة، حدث أبان عن حاجة الشعوب العربية والمغاربية ومؤسساتهم الرسمية ومنظمات مجتمعاتهم المدنية إلى تشييد جسر تواصلي قوي ما بين انتاجات عبد الله العروي ومحمد أركون من جهة وهشام جعيط ومحمد عابد الجابري من جهة أخرى. إن الإنتاج الأخير للجابري (تفسير القرآن حسب أسباب النزول) أكد بالملموس الالتزام المنهجي الصارم لهذا الهرم في ترسيخ الصبغة التاريخية للتراث المتراكم زمن نزول الوحي.
لقد ركز الجابري في كتاباته على الأدوار المنوطة بالمثقف العربي، متفاديا الحديث عن المثقف الإسلامي، ومستحضرا التشكل التاريخي لزواج وثيق ما بين العروبة والإسلام. إن دعوته لدراسة التراث من أجل تحديثه وخلق ظروف وشروط التحاقه بالركب التاريخي لما تحقق إنسانيا على مستوى العالم شكل بالنسبة له انشغالا دائما. لقد انشغل بهذا الإشكال المعقد والحساس إلى أن ختم مشروعه بقراءة جديدة للنص الأصلي (القرآن الكريم)، قراءة مؤيدة لتاريخانية التراث المجسد للقراءات المتباينة جغرافيا وزمنيا لآياته. إنه مجموع الأفكار والسلوكيات والعادات والممارسات التي تم إنتاجها جراء التكرار أو الاستحياء أو التعارض أو التجاوز للتراكمات التراثية.
لقد حذر الجابري من استقالة العقل العربي، وأثار أركون اكتساح الحداثة العالمية لكل البلدان والشعوب وقدرتها على تفنيد كل المناقشات الدائرة حاليا حول الأصولية والتزمت وتحدث عن المشروع الغربي لخلق الموسوعة القرآنية، وكتب العروي على مفهوم العقل، وأثار هشام جعيط مفهوم الفتنة. إنها نقط التقاء قوية أبررت حاجة البلدان العربية والمغاربية إلى الاستثمار رسميا في بلورة وتفعيل مشروع هوياتي حداثي جديد يحدث طلاقا تاما مع المشاريع الإيديولوجية السابقة واللاحقة الفاشلة كالمشروع الإخواني أو القومي الناصري، أو المشروع الخميني الشيعي،….. إلخ.
في هذا الصدد، أرى أننا فعلا قد وصلنا إلى هذه النقطة في سياق مشجع نسبيا، سياق ترسخت من خلاله على الأقل القناعة في الأذهان والعقول كون ترويج فكرة ضرورة العودة إلى الأصل أي إلى الصفر لا يمكن تصنيفه إلا في خانة العبث والعدمية. في نفس الآن، تعالت وتنامت الأصوات المطالبة بتقوية إعادة التفكير المؤسساتي والمجتمعي في الظاهرة الدينية (الإسلام أحد تجلياتها) بالشكل الذي يساهم في بناء مشروع حداثي على المستوى الإقليمي. إنها الأصوات المنددة في نفس الوقت بما تم إنتاجه في إطار السياج الدوغمائي المغلق من أفكار وسلوكيات وممارسات تقليدية أبانت التطورات التاريخية أن لا أساس لها من الصحة.
إن تجاوز عدد كبير من الأفكار، التي سخرت وسائل ضخمة لضمان ديمومة تقديسها ووصفها بالنهائية، وإسقاطها من برج التعالي التاريخي، أصبح اليوم مكتسبا مشجعا ومحفزا لمصادر القرار من أجل الاستثمار في خلق إطار مؤسساتي على المستوى الوطني (المغرب من أكبر الدول المؤهلة إقليميا لإنجاح هذا المشروع) مختص في مجال إعادة دراسة وتحديث التراث الإسلامي.
وتجدر الإشارة في الختام أنني، ابتداء من نشر هذا المقال، سأستأنف تنشيط المجموعة الفيسبوكية «منتدى البحث في الهوية لدعم الحداثة والديمقراطية»، على أن أقوم في المستقبل القريب بتغيير اسمها بما يناسب. فإضافة إلى تنشيط النقاش والبحث الحر الملتزم بالقواعد الابستمولوجية العلمية في مجال إعادة قراءة التراث، أطمح أن تكون هذه المجموعة بوابة لمناقشة ومواجهة الكتابات والاستنتاجات الغربية سواء منها الموضوعية والعلمية أو تلك المتسرعة اللاعلمية المجحفة التي تتفنن في ربط الإسلام، دين الانفتاح والتسامح، بالموضوعات المثيرة كالعنف السياسي والخطابات الأصولية.

الكاتب : الحسين بوخرطة - بتاريخ : 05/09/2018

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.