المرايا العاكسة: حكم الملك محمد السادس بين العشرينية الماضية والعشرينية القادمة

د. أحمد العاقد

• في طبيعة المقاربة:

عشرون سنة مرت .. والعشرون سنة المقبلة تلوح في الأفق. وكما يقال، مياه كثيرة جرت تحت الجسر منذ 23 يوليوز 1999، ومن البديهي أنها ستجري بإيقاع مختلف في ما سيأتي من محطات حاسمة، وما ينتظر المغرب من تحديات جسيمة. والأهم أن العد العكسي بدأ، منذ الآن، لتشكل مرحلة جديدة ومهمة في المسار السياسي والديمقراطي لحكم جلالة الملك محمد السادس. إنها مرحلة أساسية لتعزيز التراكم التاريخي للملكية بالمغرب في الفترة الحديثة، وعلى الأقل لإكمال الطور الثالث المتعلق بالإنماء الاقتصادي والارتقاء الاجتماعي، بعد الطور الأول المقترن بالتحرر والاستقلال، والطور الثاني المرتبط بإرساء أسس الدولة الحديثة.
ومن هذا المنطلق، لا يستقيم التفكير في البنية التعاقبية للملكية بمفهوم القطيعة المؤسس على اعتبار أن كل طور لاحق انفصال وتجاوز للطور السابق، بل بمفهوم الاستمرارية القائم على التطور المتواصل وتسلسل الأطوار الثلاثة. ولذلك، سيكون من الطبيعي النظر إلى العشرين سنة الماضية من حكم جلالة الملك محمد السادس، في اللحظة الراهنة، إجراء جزئيا أساسيا لتقييم مختلف محطات الطور الثالث قيد التشكل الكامل. ولذلك، يتعين أن تحرص كل منهجية موضوعية لتحليل العقدين السابقين على الاحتراز عن إصدار الأحكام المطلقة، والقطع مع المنطق الثنائي: كل شيء أو لا شيء، أي كل «شيء تحقق» أو «لا شيء تحقق» عملا بمبادئ «المنطق العائم» Fuzzy logic الملائمة لطبيعة الفكر والعمل السياسيين.
إن المنهجية الموضوعية، في ما نحن بصدده، تقتضي إعمال مقاربة مزدوجة وموحدة: استرجاعية واستباقية، من أجل تمكين الذات المغربية، الجماعية على الأخص، من الوقوف أمام المرآة لتستوعب ما ينعكس عليها من تراكمات موجبة وثغرات سالبة. وبالمعالجة النقدية الهادئة وحدها يتحقق الوعي بأهمية ما تحقق وحدوده، وبأن التطور ضرورة طبيعية تشترط الاستغلال الأمثل للإمكانيات المتاحة والطموح المعقلن في بناء مستقبل أفضل. فالنقطة الفاصلة اليوم بين العشرينيتين، الماضية والقادمة، قد تكون بمثابة منتصف الطريق أثناء القيادة إذ يتطلب الأمر تركيزا ذهنيا صافيا على المشهد الأمامي، والنظر بين الفينة والأخرى إلى المرايا العاكسة، الداخلية والجانبية، لمراقبة القادم من المسافات المطوية والقيام السليم بمناورات التجاوز.
بعد كل هذه المسافة المقطوعة، تمتلك المقاربة الاسترجاعية قيمة كبرى في التفاعل مع العشرينية الماضية من خلال رصد التحولات العميقة للدولة والمجتمع، وتثمين المبادرات الموفقة في مختلف المجالات، وفهم وتحليل الإكراهات الضاغطة المسجلة بين الحين والآخر. كما تكتسي المقاربة الاستباقية أهمية قصوى في الإعداد للعشرينية القادمة من خلال وضع الإسقاطات الضرورية بناء على انعكاسات المكتسبات المحققة، والتخطيط الاستراتيجي لما ترغب فيه الملكية من تعزيز للموقع السياسي والمجتمعي وتجديد الوظائف والآليات، ولما ينبغي أن يكون عليه مغرب 2040. على أن المؤشر الطبيعي في إعمال المقاربتين معا في الحديث عن قيادة جلالة الملك محمد السادس للمملكة المغربية ينبغي أن يأخذ في الحسبان المعنى الذي قصدناه من الطور الثالث للملكية الحديثة.
بناء على ذلك، ومن أجل إجراء تقييم موضوعي، يتجلى الأساس المعتمد بالنسبة للعشرينية الماضية في الالتزامات والأهداف التي حددها جلالة الملك في الخطابات الأولى لتربعه على العرش، ويتمثل الأساس الذي سيحكم العشرينية القادمة في التوجهات الكبرى التي أعلنها جلالته خلال السنتين الأخيرتين، وخاصة في الخطاب السامي بمناسبة عيد العرش الأخير. بهذا الشكل، سيكون تقييم التدبير السياسي بالنظر إلى الأهداف المحددة ومدى بلوغها أو مسوغات العجز عن الوصول إليها، وسيكون الحكم على ما تحقق وما لم يتحقق متزنا ومؤسسا على معطيات واقعية سنكتفي برصد بعضها لأن المقام لا يتسع للخوض في التفاصيل.

• حصيلة العشرينية الماضية: المرآة المحدبة أم المرآة المقعرة؟

قبل أي استعراض لحصيلة العشرين سنة الماضية، ينبغي التذكير بأن جلالة الملك محمد السادس رسم الملامح العامة لبداية مرحلة حكمه، بناء على التراكمات التي خلفها المغفور له الملك الحسن الثاني، حيث حدد مجموعة من التوجيهات الكبرى لحكومة التناوب التوافقي في تفعيل السياسات العمومية المتعلقة بمختلف المجالات. وقد استند في ذلك إلى المقومات التي وضعها في إرساء دعائم العهد الجديد من أجل تأطير التحولات الجارية في المجتمع عبر العديد من الإصلاحات السياسية والاقتصادية والاجتماعية. وهكذا، أعلن جلالة الملك في خطاباته الأولى لسنة 1999 عن جملة من الالتزامات والأولويات الأساسية وفق نمط الحكم الجديد الذي ارتضاه، وطبقا للأهداف الكبرى التي سطرها لتدبيره السياسي. وقد وردت هذه الالتزامات والأهداف، بشكل خاص، في خطاب العرش (الجمعة 30 يوليوز 1999)، وخطاب ذكرى ثورة الملك والشعب (الجمعة 20 غشت 1999)، والخطاب الافتتاحي للدورة البرلمانية (الجمعة 8 أكتوبر 1999)، والخطاب الموجه إلى المسؤولين الترابيين وممثلي المواطنين (الثلاثاء 12 أكتوبر 1999). وبطبيعة الحال، شكلت هذه الخطابات الملكية الإطار السياسي العام الذي انبثقت عنه أفكار ورؤى جديدة في ما تلاها من خطابات لاحقة ضمن سياقات مغايرة ساهمت في تطوير الالتزامات والأهداف المعلنة.
فعلى المستوى السياسي والمؤسساتي، أكد جلالة الملك على التشبث بنظام الملكية الدستورية والتعددية الحزبية وإقامة دولة الحق والقانون وصيانة الحقوق والحريات وصون الأمن وترسيخ الاستقرار. وشدد جلالته على احترام الدستور وضمان فصل السلط وتوازنها واعتماد سياسة الجهوية واللامركزية، مع الحرص على الانفتاح السياسي وتقوية البناء الديمقراطي والمؤسساتي. كما تبنى مفهوما جديدا للسلطة يقوم على رعاية المصالح العمومية والتدبير المعقلن للشأن المحلي والمحافظة على السلم الاجتماعي من أجل المساهمة في تحديث المغرب والتطلع للمستقبل بمنظور يزاوج بين الأصالة (المحافظة على الهوية) والمعاصرة (تعزيز التفاعل مع الآخر).
وعلى مستوى السياسة الداخلية، أولى جلالة الملك أهمية قصوى للاستثمار الاقتصادي والتطلع إلى تحقيق قفزة اقتصادية نوعية لتمكن المغرب من الزيادة في ثروته الوطنية وتعزيز موقعه ضمن الاقتصاديات الناهضة. واعتبر أن الرفع من القدرات الاقتصادية الوطنية ضروري لدعم التطور والنماء وتوجيهه بشكل متوازن لفائدة جميع الفئات الاجتماعية، خاصة تلك التي تشكو الحرمان أو تعاني القهر. وعلى هذا الأساس، وضع جلالته ضمن أولويات حكمه القضايا الاجتماعية حيث ركز على مجموعة من المحاور الهامة (الفقر، التعليم، التشغيل، العالم القروي، …) ومجموعة من الفئات المستهدفة الحيوية (الشباب، النساء، مغاربة العالم، الأشخاص في وضعية إعاقة …).
أما على مستوى السياسة الخارجية، فقد جعل جلالة الملك من الدفاع عن الوحدة الترابية محورا مركزيا في الارتقاء بعلاقاته الدولية مؤكدا على الموقف المغربي الداعي إلى إيجاد حل سياسي واقعي وتوافقي، وفي إطار مبادرة الحكم الذاتي. ورسم التوجهات الدبلوماسية العامة للمملكة منطلقا من قاعدة الجوار الجغرافي حيث أكد على الانخراط المبدئي والجاد في البناء المشترك للمنطقة المغاربية. كما دعا جلالته إلى تدبير ملف الشرق الأوسط على أساس الشرعية الدولية وإقامة الدولة الفلسطينية المستقرة الآمنة، وشدد على تقوية التعاون مع الأشقاء الأفارقة والأصدقاء الأوروبيين والأمريكيين.
على هذا الأساس، وفقط على أساسه، يمكن أن نعيد قراءة العشرين سنة الماضية من أجل القياس الموضوعي لمدى توفق جميع مكونات الأمة وكل مستويات الدولة في تفعيل السياسات العمومية الضرورية والملائمة للوفاء بالالتزامات المعلنة وبلوغ الأهداف المحددة. فالمسافة الفاصلة بين خط الانطلاق (خطابات 1999 وما تلاها) ونقطة اكتمال العشرينية (خطاب العرش لسنة 2019) كافية للوقوف على أهمية المنجز والحضور القوي للبصمات الملكية في الأداء العمومي. ونستعرض، ها هنا، جملة من الإصلاحات الكبرى والمشاريع المهيكلة مبرزين أن النجاحات كانت أكبر من الإخفاقات، وأن الإخفاق كان، في الكثير من الحالات، لأسباب موضوعية أكثر منها ذاتية.
فعلى الصعيد السياسي، عرف المغرب منذ بداية العهد الجديد انفتاحا سياسيا تأسس على تعزيز الحقوق والحريات من خلال طي صفحة الماضي وتوفير الشروط المناسبة لإنجاح العدالة الانتقالية التي شكلت، من خلال عمل هيئة الإنصاف والمصالحة، تجربة نموذجية يحتدى بها على المستوى الدولي. وتعزز المجال الحقوقي بمجموعة من الإصلاحات الجوهرية، لعل أبرزها المقتضيات المتضمنة في مدونة الأسرة التي لم يعتبرها جلالة الملك محمد السادس إصلاحا منتهيا، بل ورشا مفتوحا للتقييم الدائم والتقويم المستمر من أجل معالجة الاختلالات العملية. كما شهدت العشرينية الماضية تقدما ملموسا في مجال البناء الديمقراطي وترسيخ دولة الحق والقانون من خلال قيادة إصلاح سياسي ومؤسساتي شامل توج بإقرار دستور 2011 الذي مثل تحولا عميقا في بنية الدولة وتنظيمها، وفصل السلط وتوازنها، وتقوية الآليات المرتبطة بالحريات العامة والديمقراطية التشاركية والحكامة العمومية وغيرها. ويظل المنجز الأهم خلال العقدين السابقين المحافظة على الاستقرار السياسي والأمني، وخاصة التدبير الحكيم لمرحلة «الضباب الكثيف» التي مرت منها المنطقة العربية، والتي لم تتبين خلفياتها ومقاصدها الحقيقية إلا بعد أن عصفت بكيانات ومجتمعات عريقة. وقد سجلت ذلك مجموعة من الدراسات والمقالات المنشورة على موقع معهد الشرق الأوسط Middle East Institute، معتبرة أن النظام الملكي على عهد جلالة الملك محمد السادس انخرط بشكل موفق في الإصلاحات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي جعلت منه أحد أكثر الحكام العرب المعاصرين شعبية.
وعلى الصعيد الاقتصادي، تحققت القفزة الاقتصادية التي التزم بها جلالة الملك محمد السادس حيث تمكن المغرب من احتلال موقع متقدم ضمن الاقتصادات الإفريقية الكبرى كما يبرز ذلك التقرير الصادر مؤخرا عن مجموعة البنك الإفريقي للتنمية (Perspectives économique en Afrique 2019). فقد مكن التحول الاقتصادي من إنشاء بنيات تحتية مهمة وإنجاز مشاريع ضخمة (الطرق السيارة، القطار الفائق السرعة، ميناء طنجة المتوسط، المطارات، المناطق اللوجستيكية، تأهيل المدن والمجال الحضري، دون أن ننسى المؤسسات الثقافية والدينية). ومكن أيضا من تفعيل السياسات القطاعية الكبرى من خلال تنفيذ الاستراتيجيات الطموحة الهادفة إلى تعزيز القدرات الوطنية (الفلاحة، الصناعة، الطاقات المتجددة، الصيد البحري وغيرها).
وعلى الصعيد الاجتماعي، لا يمكن للمرء أن يتغافل التقدم المحرز، الملحوظ وغير الكافي، في ما يتعلق بنسب التمدرس وتراجع مستويات الفقر وتحسن مؤشر أمل الحياة عند الولادة وتعميم الخدمة العمومية الأساسية وتقوية مجالات الربط (الماء، الكهرباء، الطرق) وغيرها. غير أنه، على الرغم من الآثار الإيجابية للمبادرات الاجتماعية المتنوعة وعلى رأسها المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، لم يستطع إيقاع الأداء الاجتماعي مسايرة إيقاع الأداء الاقتصادي، لم يتمكن من مواكبة الحاجيات الاجتماعية المتزايدة والاستجابة للتطلعات المشروعة للمواطنات والمواطنين. الأمر الذي جعل العشرينية الماضية تنتهي بفتح ورش وطني استراتيجي يتجلى في دعوة جلالة الملك محمد السادس إلى بلورة نموذج تنموي جديد من أجل تحقيق تنمية شاملة ومستدامة، عادلة ومنصفة.
أما على الصعيد الدبلوماسي، فقد توفق جلالة الملك محمد السادس في تفعيل رؤية جديدة للسياسة الخارجية اعتمادا على المقاربة الواقعية التي تمنح الأولوية لرعاية المصلحة الوطنية العليا والمنهجية التعددية التي تقوم على تنويع الشراكات الدولية. وقد تميز الأداء الدبلوماسي خلال العشرينية الماضية بالفعالية في المحافظة على المكتسبات والتدبير الاستراتيجي لعلاقاته مع مختلف الأطراف. ويكفي أن نشير، في هذا الصدد، إلى القرار الحكيم المتعلق بالرجوع إلى الاتحاد الإفريقي وإرساء آليات جديدة لدعم التعاون جنوب – جنوب (على سبيل المثال: المشروع الضخم لأنبوب الغاز)، كما نشير إلى المواقف الملكية المناصرة للقضية الفلسطينية، والارتقاء بالعلاقات مع دول أمريكا اللاتينية وما صاحبه من سحب للاعترافات بالكيان الوهمي، والتعامل المتوازن مع دول مجلس التعاون الخليجي، وغيرها. وعلاوة على ذلك، يتعين الإقرار بالحضور المغربي الوازن على الساحة الدولية وتميز مبادراته المختلفة المتعلقة بمعالجة القضايا المصيرية المشتركة من قبيل التغير المناخي وملف الهجرة ومحاربة الإرهاب والتطرف الديني.
وفي المقابل، يبقى التعثر الأبرز داخليا متمثلا في نجاعة السياسات الاجتماعية وضعف تناسقها كما سجل ذلك التقرير السنوي لبنك المغرب برسم سنة 2018، مما يعمق الفوارق الاجتماعية وينعكس سلبا على العديد من الفئات المجتمعية، خاصة الشباب والنساء، ويعوق التقدم في مجالات التربية والصحة والتشغيل على الخصوص. ويظل التعثر الأكبر خارجيا متجليا في عدم تحقق الاندماج المغاربي على الرغم من المبادرات الملكية المختلفة اتجاه الجزائر، وهو ما يكلف الطرفين المغربي والجزائري خسارة تقدر، في رأي الخبراء الاقتصاديين، بحوالي 10 ملايير دولار سنويا. وقد كان بإمكان الاندماج الاقتصادي للمنطقة المغاربية أن يتيح للمغرب والجزائر كسب ما يعادل خمسة في المائة 5 % من الناتج الداخلي الخام بحسب اللجنة الاقتصادية لإفريقيا التابعة للأمم المتحدة.
وإجمالا، لا يتسع المقام للتفصيل في مختلف التراكمات الإيجابية والإكراهات الضاغطة التي واكبت العشرينية الماضية من حكم جلالة الملك محمد السادس لأن المقصد استعراض المنجز الأهم بشكل موضوعي على ضوء الالتزامات والأهداف المعلنة في بداية العهد الجديد. إنها الصورة الواقعية كما يراها المتتبع للشأن المغربي والتي لا تحتاج للنظر في المرآة المقعرة بهدف تجسيد الانعكاس المكبر وتضخيم الأشياء (التقييم المجامل)، أو النظر في المرآة المحدبة بغرض الحصول على الانعكاس المصغر واستصغار الأشياء (التقييم المتحامل). وبنفس المنطق، ينبغي أن نتمثل التوجهات الكبرى التي حددها جلالة الملك للمرحلة المقبلة، على الأقل على مدى العشرينية القادمة، لنكون قادرين على استصدار الأحكام الموضوعية إزاء الطور الثالث للملكية المغربية الحديثة.

• من العهد الجديد
إلى العهد المتجدد:

يبدو من مضامين الخطاب الملكي بمناسبة عيد العرش (الاثنين 29 يوليوز 2019) أن جلالة الملك محمد السادس يبلور تصورا استراتيجيا للمرحلة المقبلة يقوم على ثلاثة عناصر مترابطة: أولا، تثمين المكتسبات ؛ وثانيا، مواصلة الإصلاحات ؛ وثالثا، تجديد الآليات. وينطلق هذا التصور السياسي الاستراتيجي من خيارات ثلاث كبرى تحظى بالإجماع الوطني، ذكر بها جلالته لتكون الموجه الأساسي للعشرينية القادمة. أول الخيارات الملكية الوطنية والمواطنة التي تجسد المدلول الحقيقي الوارد في الدستور إذ يتقاطع مدلول «الوطنية» مع رعاية المصلحة العامة عبر التطوير الديمقراطي والمؤسساتي والتدبير التشاركي والحكامة الجيدة، ويساير مدلول «المواطنة» الاستجابة لتطلعات المواطن وترسيخ المساواة والتضامن والعدالة الاجتماعية. ثاني الخيارات الجمع بين المسار الديمقراطي والإقلاع التنموي لجعل البناء المؤسساتي وعملية التحديث السياسي دعامة أساسية في تحقيق التنمية البشرية والاجتماعية، وجعل الشروط التنموية المتقدمة عاملا محفزا على التطوير الديمقراطي. وثالث الخيارات استثمار التراكمات التي حققها المغرب في العقدين الأخيرين في ما يتعلق بالإصلاحات والمصالحات والمشاريع الكبرى من أجل التقدم في المسار الإصلاحي وتعزيز تحديث الدولة والمجتمع خلال المرحلة المقبلة.
يتعلق الأمر إذن بتحول عميق في منهجية التجديد التي تعتمدها الملكية في تدبيرها السياسي الحكيم لقيادة الانتقال التدريجي من مفهوم «العهد الجديد» الذي أسس لأسلوب متميز في الحكم ولطريقة مغايرة في العمل العمومي إلى مفهوم «العهد المتجدد» القائم على البحث المتواصل عن الصيغ التدبيرية الأنجع والارتقاء المستمر بمستوى جودة المشاريع الاستراتيجية وفعالية السياسات العمومية. فإذا كانت العشرينية الماضية انطلقت من التأصيل للمفهوم الجديد للسلطة الذي بوأ المواطن الموقع المحوري في تدبير الشأن العام، فإن العشرينية المقبلة تنطلق، في اللحظة الراهنة، من صياغة مفهوم جديد للتنمية عماده الكرامة الإنسانية والعدالة الاجتماعية والمجالية.
وفي هذا الإطار، تمثل الدعوة الملكية إلى بلورة نموذج تنموي جديد المنطلق الرئيسي لوضع التصور الاستراتيجي الشامل للإصلاحات المنتظرة من أجل تفعيل سياسات عمومية ناجعة ومتناسقة قادرة على الحد من الفوارق الاجتماعية والتفاوتات المجالية. ولعل التحدي الأهم يكمن في القدرة على الموازنة بين النمو الاقتصادي والتنمية الاجتماعية كما سبق أن أكدت على ذلك بشكل مفصل في ورقتي: «عن النموذج التنموي الجديد: ضرورة الموازنة بين النمو والتنمية» (هسبريس – 10 غشت 2018، والاتحاد الاشتراكي – 18 / 19 غشت 2018). فالطرف الأول من المعادلة الرابحة في العشرينية المقبلة يتمثل في تسريع النمو الاقتصادي وانعكاسه على المجالات التنموية الأكثر حيوية من قبيل تحسين الدخل الفردي، والرعاية الصحية، وتطوير التربية والتكوين، ودعم تشغيل الشباب والنساء. بينما يتجلى الطرف الثاني في الارتقاء بالتنمية الاجتماعية لتكون عاملا أساسيا من العوامل المحفزة على الارتفاع التدريجي للنمو الاقتصادي والمحافظة عليه في المستويات الأفضل. إنها المعادلة التي حظيت بالاهتمام المتزايد على الصعيد الدولي، منذ سنة 2000، مع التأصيل العلمي الذي قام به الاقتصاديان البارزان في مجال التنمية كوستاف راينيس Gustave Ranis وفرانسيس ستيوارتFrancis Stewart في دراستهما حول «النمو الاقتصادي والتنمية البشرية» «Economic Growth and Human Development» (الصادرة بمجلةWorld Development، المجلد 28، العدد 2).
ومن أجل التجسيد الحقيقي لهذه المعادلة، لا بد للنموذج التنموي، الذي أراده جلالة الملك نموذجا مغربيا خالصا، أن يتملك الآليات الضرورية التي حددها جلالته في خطاب ذكرى ثورة الملك والشعب (الثلاثاء 20 غشت 2019) من أجل إفراز عقد اجتماعي متين، وهي آليات التقويم والاستباق والاستشراف. فعلى سبيل المثال، إذا كان المغرب يمثل(ثاني أفضل أداء في إفريقيا حسب تقرير المنتدى الاقتصادي العالمي حول التنافسية «The Africa competitiveness report 2017»)، فإن التراكم الإيجابي في البنيات التحتية الطرقية يقتضي تقويم طرق الاستغلال التقليدي من خلال اعتماد الأنظمة الحديثة والآمنة للنقل والتنقل كما هو الحال بالنسبة للدول ذات التجارب الرائدة. ويسلتزم الاستثمار الاستراتيجي في الشباب تبني مقاربة استباقية تأخذ بعين الاعتبار الإسقاطات الديمغرافية للساكنة كما صاغتها المندوبية السامية للتخطيط، والتي تتوقع أن يبلغ عدد السكان الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و24 سنة (الوافدون الجدد على سوق الشغل) 5,4 مليون نسمة سنة 2032. كما يتطلب الاستقرار الاجتماعي استشراف الأفق الإصلاحي لدعم الطبقة المتوسطة وآثارها البارزة في الاستثمارات الموجهة للتربية والصحة والسكن حسب التقرير الصادر مؤخرا (2019) عن منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OCDE : « Sous pression: la classe moyenne en perte de vitesse »).
وعلى العموم، وحدها السياسات العمومية، المندمجة والمتناسقة، بالإرادة الجماعية والمؤسسات الناجعة والمحاسبة المسؤولة، ستكون مدخلا حاسما لتجسيد التوجهات الملكية عبر استثمار تراكمات العشرينية الماضية في الإقلاع الشامل بوصفه رهان العشرينية القادمة. والمأمول، بعد نهاية العقدين المقبلين، أن يبلغ المغرب المستوى الذي تكون فيه الممارسة الديمقراطية والتطور الاقتصادي مرآة صافية لبنيات المجتمع وذهنية المواطن، وأن تكون الحياة الاجتماعية والرأسمال البشري انعكاسا وفيا للتقدم السياسي والنمو الاقتصادي. ففي نهاية المرحلة المقبلة، يهم كثيرا أن نتوفق في الرفع من إنتاج الثروة وتوزيعها بشكل عادل من أجل تقوية التماسك الاجتماعي، لكن يهم أكثر – تفاعلا مع المقاربات الاقتصادية الجديدة المعنية بالبعد الأخلاقي، أن نتملك، أكثر فأكثر، القيم الوطنية وتعزيز التلاحم الوطني إذ لا تقدم ولا تحديث خارج القيم العليا المشتركة. وفي هذا الأفق الممتد والواعد يرتسم الأمل في المستقبل المشترك ويتضاعف الطموح الجماعي لكتابة صفحات من التاريخ المغربي ببصمات الطور الثالث للملكية الحديثة.

(*) – باحث في التواصل وتحليل الخطاب، عضو المجلس الوطني للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية
ومنسق لجنة القضايا الاقتصادية والاجتماعية والبيئية

الكاتب : د. أحمد العاقد - بتاريخ : 31/08/2019

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.