المهدي بن بركة: بين الذاكرة والتاريخ 4

ذ. عبدالحي أزرقان *

يحمِّل الكاتب، كما قلت قبل قليل، مسؤولية الاختطاف لمجموعة من المجرمين الفرنسيين استعملتهم مجموعة من الموظفين في الأمن الفرنسي ومخابراته، كما يورط في الجريمة مجموعة من أفراد المخابرات الفرنسية وحتى بعض السياسيين الفرنسيين، على الأقل بشكل غير مباشر¡ ويميل في النهاية إلى اتهامهم بالتعاون في الاختطاف وبالتستر على الاغتيال ومصير جثة بن بركة. ولهذا لجأ الكاتب إلى تعبير خاص يردده مرات عدة حينما يتناول هذه النقطة ويتعلق الأمر بتعبير «التواطؤ السلبي» (ص365،371،374 )، كما يلجأ أحيانا إلى تعبير «الدور الثانوي»( وهو في الحقيقة تعبير لديغول في وصفه للمسؤولية الفرنسية في القضية)_ بعد أن كان قد استعمل من قبل في الفصل المعنون «الفرنسيون» «شركاء سلبيون»._ لماذا يستعمل هذه الصيغ؟ يلجأ إليها بحثا منه عن ظروف التخفيف لبلده فرنسا، وسعيا لتوريط المغرب بشكل تام في القضية، ذلك لأن المسؤولية في نظره لا تخرج عن إطار الملك الحسن الثاني. ينهي الكاتب وصف المحاكمتين بكلامه الآتي:» بعد إسدال الستار على محاكمة بن بركة بسنوات، سأل الصحفي كريستوف ديلوار Christophe Deloire المحامي فرانسوا جيبو، من فريق الدفاع عن الدليمي، عن قضية أخرى هي قضية اغتيال الأمير دي بروغليDe Broglie ، فقدم جوابا بليغا:»مشكل قضيتي بن بركة ودي بروغلي واحد، ففيهما معا تم إخبار الدولة، ولكنها لم تحرك ساكنا». ويخلص موريس غريمو في كتابه إلى ما يلي: «ما زلت إلى يومنا هذا أعتقد أن الجنرال]ديغول]، في غياب معطيات جديدة، لم يجانب الصواب(,,,) عندما حصر مسؤولية الجانب الفرنسي في تواطؤ خسيس وثانوي !». أشاطر موريس غريبو رأيه، حيث لم يصدر أي أمر من أعلى سلطات البلد، من ديغول أو بومبيدو أو فري أو فوكار. هل الدولة هي التي تتحمل المسؤولية أم أعوانها؟ مهما يكن فمن الأكيد أن موظفين من أعلى الرتب تابعين لمصالح الشرطة وعملاء من المخابرات الفرنسية كانوا يعرفون والتزموا الصمت، بينما تورط عملاء وموظفون آخرون من رتب أدنى، إلى جانب مجموعة من المجرمين مباشرة في «اختفاء» المهدي بن بركة فوق التراب الفرنسي، خدمة لمصالح أجنبية، وتحديدا المغربية، دون أن يخطر ببالهم طبعا أن الأمور ستتطور على ذلك النحو، ليموت بن بركة إما نتيجة «حادث طارئ»_ أو نتيجة اغتيال مدروس. والبعض لم يتدخل، ربما عجزا، أو في نوع من «التواطؤ السلبي»، أغلب الظن؛ والبعض الآخر تصرف في إطار «تواطؤ فاعل»، اقتناعا منه أنه يحظى حقا أو توهما بالحماية والتغطية من جهات عليا. وهذا ما نقصده، عندما نقول إن فرنسا مسؤولة عما وقع»(374).
تتغير النبرة حينما يتكلم الكاتب عن الجهة المغربية، إنه يسعى دائما إلى إنهاء المسؤولية، كما قلت سابقا، لدى الملك الراحل الحسن الثاني. يستحضر طبعا تورط الجنرال أوفقير والكولونيل الدليمي في مقدمة المجموعة المغربية التي اتهمت بالمشاركة في الجريمة على التراب الفرنسي. غير أن الكاتب لا ينسى أبدا التذكير بأن هذين الشخصين عملا تحت أوامر المسؤول الأول في نظره، الحسن الثاني. أكتفي هنا بسرد مجموعة من أقوال الكاتب تسير في هذا الاتجاه حيث نقرأ مثلا: «مهما يكن، فهذه المعلومة تبدو لي أساسية في ما يخص تصميم الحسن الثاني على إرجاع بن بركة إلى المغرب بالقوة، وبالتالي في ما يخص مسؤوليته وثبوت التهمة عليه في  «القضية». ونتذكر في هذا الصدد جوابه الكاذب عندما سأله إريك لوران: «كيف وصلك خبر هذه الجريمة؟ «عن طريق الصحافة»(213). ويضيف الكاتب في صفحة أخرى: أدلى الحسن الثاني بتصريحين يبدو لي أنهما يوضحان الدور الذي قام به. أولهما: « أنا مستعد في أي لحظة لأقسم بكل ما هو عزيز æغال علي أنني وجدت نفسي أمام الأمر الواقع في ما يخص موت بن بركة » . وثانيهما: «لم يكن الاغتيال السياسي قط ولن يكون أبدا ضمن أخلاقيات الملكية المغربية » . ولكن مثل هذه التصريحات لا تبرئ مع ذلك ساحة الحسن الثاني وتعفيه من المسؤولية في القضية، كما يحلو للعديد من القياديين المغاربة الحاليين، من اليمين أو اليسار ممن  «تمخزنوا »، أن يكرروه خطأ، ذلك أن الحسن الثاني هو الذي كان وراء فكرة عودة بن بركة بالقوة للمغرب. ولنستمع إلى الدكتور كليري وهو يقول بنبرة الواثق: «الحسن الثاني هو الذي اتخذ شخصيا قرار اختطاف بن بركة، خلال اجتماع مع مساعديه الأقربين، والجنرال مولاي حفيظ هو الذي سرد علي وقائع هذا الاجتماع. وكان هناك إضافة إلى الملك ومولاي حفيظ، أوفقير وشخصان لا أعرف اسمهما (…) وبعد بضع ساعات من الاختطاف، سيقول لي مستشار الملك هذا شخصيا: انتهى أمر بن بركة، لقد وضعنا اليد عليه ! » (…) طبعا إن الملك الحسن الثاني كان عليه، وهو يتخذ قراره ذاك، أن يتحمل تاريخيا تبعات ما قد يحصل لزعيم المعارضة. إن تهمته إذن ثابتة ولو بطريقة غير مباشرة في ما يخص موت بن بركة، لأنه هو المسؤول عن اختطافه»(325)_.
تبقى الحجة «الأقوى» والحاسمة في تحميل المسؤولية للملك الحسن الثاني في ما يتصل بالاغتيال والكشف عن الحقيقة، حسب الأستاذ موريس بوتان، هي نفسها التي اعتمدت في الجزء الأول من الكتاب، والتي تتلخص في العداء القائم بين الرجلين نتيجة عمق الهوة بينهما في ما يخص تنظيم السلطة والحكم في المغرب. فكما قلنا سابقا، وكما يكرر الكاتب ذلك باستمرار، هناك رجل «متعطش للسلطة»، يريد أن يكون «السيد الوحيد» في المغرب، ورجل يحلم بالديمقراطية، ويسعى إلى جعل التمثيلية الشعبية أساس التدبير السياسي في بلده. أضف إلى هذه الهوة هوة ثانية ناتجة عن الأولى ذات صلة بالعلاقات الخارجية. يميل الكاتب إلى تصنيف الملك الحسن الثاني مع قطب الولايات المتحدة الأمريكية، وإلى تبيان المكانة اللامعة لبن بركة وسط قطب التيار المدافع عن الاستقلال التام لبلدان العالم الثالث التي ما فتئت تتحرر من نير الاستعمار.
إن تأكيد الكاتب على هذه الهوة بين الرجلين هو الذي جعله يتناول في مؤلفه ما أسماه بالعودة الطوعية والعودة بالقوة لبن بركة إلى المغرب. تحت هذا العنوان بدأ الكاتب إقحام الملك الراحل الحسن الثاني في قضية بن بركة ليجعله الواضع للفكرة والمخطط والمنفذ لها. وكما قلت في البداية فإن الكاتب يدافع عن أطروحة، لهذا فإن استحضاره لنقطة ما وسط الفصول التي قسم إليها الكتاب، يتم دائما للدفاع عن الأطروحة المركزية المتمثلة في ما أسميته إقامة تقابل بين الحسن الثاني وبن بركة مع التأكيد على أن هذا التقابل ناتج عن عداء وصل نقطة اللاعودة، وربما كان كذلك مع نقطة الانطلاق، أي مع بداية الاستقلال. لا شك أن الكاتب أدرج الفصل المتصل بالعودة الطوعية والعودة بالقوة ليبعد منذ البداية فرضية ربط الاختطاف والاغتيال بقوى أجنبية مثل الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل.
يثير الكاتب كثيرا من التفاصيل عن تحركات بن بركة بعد 1965 ليبين المكانة التي يتبوؤها في إطار الحركة التحررية لبلدان العالم الثالث والمناهضة للاستعمار والإمبريالية. يذكر مختلف تنقلاته في إفريقيا وأوروبا وأمريكا اللاتينية وآسيا ليشيد بمواقف الرجل/الزعيم الذي كان سيحظى باستقبال رئيس فرنسا نفسه أياما قليلة بعد تاريخ الاختطاف. قد يستخلص المتتبع لتحركات بن بركة في تلك الفترة (ما بعد 1964) أنه دخل في صراع آخر ذي طابع عالمي، ومن ثمة بعيد عن الصراع الوطني وعن المنافسة عن السلطة والحكم داخل بلده. بمعنى إن تحركاته الخارجية تكون قد أفرزت أعداء جدد حلوا مكان الأعداء القدامى، أو العدو القديم. غير أن الكاتب لا يتخلى عن أطروحته الأساسية: العداء مستمر بين الحسن الثاني وبن بركة، ويمتد أيضا إلى مرحلة وجود زعيم المعارضة المغربية في الخارج وانشغاله بقضايا غير القضية التي تبناها مع بداية شبابه. لم يكن العدو الرئيسي لبن بركة، حسب الأستاذ موريس بوتان، أبدا شخصا آخر، أو جهة أخرى، أو قوة أخرى، غير الحسن الثاني، ولهذا فإن هذا الأخير هو الذي سيتابعه خارج الوطن بعد أن كان متابعا داخله. لنقرأ مرة أخرى بعض أقوال المحامي موريس بوتان.
«وأمام هذا الرفض لأي اتفاق مبدئي، هل نتصور أن شخصا مثل الحسن الثاني، الحاكم المصاب بجنون العظمة، وقبل هذا وذاك أمير المؤمنين، يمكن أن يقبل أن تظل الحال على ما هي عليه؟ دع أن بن بركة ما زال يحظى بشعبية كبيرة في أوساط الشعب المغربي، وخاصة لدى الشباب، والطلبة منهم على وجه الخصوص. كما أن إشعاعه في الخارج و»الهالة» التي تحيط به أينما حل وارتحل في العالم، تجعل منه أحد قادة العالم الثالث الكبار، بشخصية رجل دولة حقيقي. هل يعقل أن يكون الزعيم المغربي معروفا أكثر في بيكين وموسكو والقاهرة وكوبا، بل ومحترما أكثر من ملك المغرب؟ أليس المهدي بن بركة على اتصال دائم بقادة يكرههم ملك المغرب مثل بن بلة وعبد الناصر وفيديل كاسترو؟ لن يقبل كبرياء الملك بذلك، بل سيراه استفزازا لشخصه المتكبر. لا غرو إذن أن يتمنى في أقل الأحوال أن يراه يختفي عن ناظريه  !»،  وتلتقي هذه الرواية مع رواية أخرى أوردها البشير بن يحمد الذي يتذكر ما قاله له موظف سام مغربي سنة 1966، طالب بعدم ذكر اسمه: بعد انتهاء حرب الرمال، جمع صاحب الجلالة أربعة أو خمسة جنرالات ومسؤولين مدنيين أو ثلاثة لتدارس قضية المهدي بن بركة. وصدر الحكم بالإعدام، مصحوبا بطلب عدم تنفيذ الحكم بإحدى العواصم التي كان يتنقل بن بركة بينها، وهي القاهرة وجنيف والجزائر وهافانا، حيث بإمكان قناص أن يرديه قتيلا على طريقة الموساد. وعوض ذلك، يجب إلقاء القبض عليه وإحضاره فوق التراب الوطني كي ينفذ فيه الحكم السياسي وليس القضائي هناك؟ وإذا استطاع القائمون بالعملية إحضاره، فعليهم أن يجعلوه يتكلم، ويبلغوه نص الحكم قبل تنفيذه. وقد كلف أوفقير بقيادة عملية « تنفيذ الحكم». من المرجح أن يكون الحسن الثاني قد قرر سنتي 1963 و1964 «التصفية» النهائية لخصمه بعد «الخيانة» الصادرة عنه، ولكن بعد سقوط بن بلة، يبدو لي أن فكرة جديدة راودت الحسن الثاني ومفادها إرجاع المهدي بن بكرة إلى أرض الوطن، ولكن قصد إخراسه، والاحتفاظ به حيا محتجزا في إحدى الزنزانات المعتمة. وإذا كان قرار  «إرجاع »  بن بركة إلى المغرب يعود حقا إلى سنة 1964، فهناك حدث لا يخلو من دلالة رافق ذلك التصميم، ويتمثل في تعيين الأمير مولاي علي سفيرا للمغرب بفرنسا في شهر دجنبر من تلك السنة. أكان الحسن الثاني ينوي استخدام ابن عمه صديق عبد القادر أخ المهدي لإسقاط هذا الأخير في فخ « العودة الطوعية»  ؟ ألم يقل الحسن الثاني لوفد الاتحاد الوطني للقوات الشعبية الذي التقى به في شهر ماي 1965: «  لا أفهم لماذا لم يرد المهدي بن بركة على اقتراحي الخاص بعودته. هل يخشى السقوط في كمين ما؟» (ص184).
بالإضافة إلى الأقوال المتعددة التي يميل عبرها الكاتب إلى تبيان رغبة الملك الحسن الثاني في إعادة بن بركة إلى المغرب، فإننا نجده يبدأ تعرضه لعملية الاختطاف بإثارة المجموعة المغربية الواردة أسماؤها في العملية ليؤكد التحاقها بباريس منذ شهر أبريل، مع الإشارة إلى أن تنقلات هؤلاء الأعضاء إلى فرنسا في تلك الفترة تمت أساسا لعقد لقاءات مع عناصر فرنسية ذات علاقة بالأمن وقسم المخابرات. «ولنعد بشريط الأحداث إلى الوراء قليلا. قبل بضعة أشهر استقر بالعاصمة الفرنسية في بداية أبريل 1965 عميدان في الشرطة المغربية وهما الشتوكي، واسمه الحقيقي ميلود التونزي وماحي غالي واسمه الحقيقي آدم العلمي، وهما من أقرب مساعدي أوفقير. وفي 21 أبريل، حل أوفقير نفسه بباريس، حيث عقد اجتماعا بكريون مع بعض« الأصدقاء الفرنسيين» .  من هم؟ ألم يكن الأمر يتعلق بتدارس مشروع عودة المهدي بن بركة الطوعية أو بالقوة، وفي هذه الحالة «  النظر في ما نحن متأكدون منه أي مشروع اختطافه» (هذه الجملة الأخيرة أدلى بها، حسب الكاتب، اليوسفي لجريدة لوموند بتاريخ 11 أكتوبر 1966). وخلال أول محاكمة في « قضية بن بركة» بمحكمة الجنايات لاسين، كشف جاك بومونJack Beaumont الملقب بـ»الكولونيل برتراند»[ مدير أبحاث بمصلحة التوثيق الخارجي ومحاربة التجسس، وأحد أهم الضباط بهذا الجهاز] لأول مرة، أن مذكرة داخلية بتاريخ 30 أبريل 1965 تهم مصلحته تضمنت ما يلي: «كٌلِّف الجنرال أوفقير وزير الداخلية المغربي الذي حل بباريس في 12 أبريل من قبل ملك المغرب بالاتصال بالمهدي بن بركة لمحاولة إقناعه بالعودة إلى المغرب مع رفاقه، فالحسن الثاني مصمم على إيقاف مسطرة تنفيذ الإعدام الغيابي الصادر في حق زعيم الاتحاد الوطني للقوات الشعبية ». هل تتضمن هذه «المذكرة» حقا كل ما قاله أوفقير لمخاطبيه؟ هل انخدع هؤلاء بالضمانات التي قدمت لهم حول إيقاف مسطرة العقوبة الغيابية الصادرة في حق بن بركة؟» (ص 186).

الكاتب : ذ. عبدالحي أزرقان * - بتاريخ : 14/11/2018

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.