المهدي بن بركة: بين الذاكرة والتاريخ 5

ذ. عبدالحي أزرقان

أكتفي بذكر هذه المجموعة من الإحالات لتبيان الفكرة الموجهة للكتاب والكامنة في إصرار المؤلف على ربط مسؤولية اختفاء بن بركة بالملك الراحل الحسن الثاني رغم أنه يتعرض لتورط جهات مختلفة ومتعددة في الاختطاف والاغتيال. وقد كانت الدعامة المعتمدة لتحميل المسؤولية لملك المغرب الحسن الثاني وحده ودون غيره مختزلة، في نهاية المطاف، في الصراع الحاد وغير القابل، في رأيه، لأي مصالحة بين سياسيين مختلفي التصور للسلطة والحكم. بدأت العلاقة بينهما بالصداقة ليظهر في إطارها الاختلاف الذي سرعان ما تحول إلى الخلاف، خلاف كان من طبيعة قادت طرفيه إلى عداء لم يكن للصراع أن يعرف في إطاره نهاية ما غير تلك المتجسدة في التخلص النهائي من الخصم.

شيء من التعقيب

كان هذا ملخصي للكتاب بطريقة راعت قدر الإمكان الوفاء لمضمونه، ولتكتمل النظرة، أود إثارة مجموعة من النقاط تتوسط التحليل والتدليل المعتمدين في الكتاب للدفاع عن الأطروحة الأساسية الملخصة أعلاه. إنها نقاط تجعلنا نطرح بعض الأسئلة لم تكن وضعية الكاتب، ربما، تسمح بطرحها أثناء تحريره لمؤلفه. لقد حاول الأستاذ موريس بوتان أن يقيم فرقا بين محمد الخامس وابنه الحسن الثاني في ما يتصل بتصور كلا الملكين للسلطة والحكم، فذهب إلى أن الأول كان مستعدا لقبول مطلب الحركة الوطنية المتصل بإقامة ملكية يكتفي فيها الملك بالسيادة تاركا الحكم لهيئة أخرى تصدر عن الاختيار الشعبي، الشيء الذي أزعج، في نظر الكاتب، ابنه الحسن الثاني ودفعه إلى العمل منذ بداية الاستقلال على ترسيخ تصور آخر يجعل الملك يسود ويحكم في آن واحد. كان هذا الاختلاف في التصور هو الذي دفع، في نظر الكاتب، الحركة الوطنية إلى التقرب من محمد الخامس في البداية والابتعاد شيئا فشيئا عن الحسن الثاني. بل كان هذا هو العامل الذي جعل الحركة الوطنية الممثلة أساسا في حزب الاستقلال تعرف صراعا داخليا ينتهي بالانشقاق ليظهر الحزب الجديد، الاتحاد الوطني للقوات الشعبية الذي شكل بن بركة أحد زعمائه الكبار.
ما حجة الأستاذ موريس بوتان في هذا التمييز بين الملك الأب محمد الخامس والملك الابن الحسن الثاني؟ لا شيء أكثر من ذكره لفقرة قصيرة ترد في خطاب الملك محمد الخامس الملقى بعد عودته من المنفى. لقد سبق لي أن قمت بقراءة لخطاب طنجة التاريخي نشرتها قبل صدور كتاب الأستاذ موريس بوتان بمدة لا تقل عن سنتين أبين فيها بالضبط قناعة الملك محمد الخامس بجمع الملك بين السيادة والحكم، وتبيان ممارسته لهذا المبدأ هو ذاته في مرحلة الحماية. ولا شك أن جرأته في الإفصاح عن هذه القناعة أمام الشعب المغربي في خطاب طنجة هي التي جعلت المستعمر يقرر نفيه. ولا أظن أن ممعن النظر في خطاب طنجة التاريخي سينساق مع الفكرة التي يدافع عنها الأستاذ بوتان والذاهبة إلى أن محمد الخامس كان يتصور الملك (نفسَه) باعتباره سائدا دون أن يكون حاكما. يستشهد الأستاذ بوتان بالمقتطف التالي: «تأسيس حكومة عصرية مسؤولة، تعبر تعبيرا حقيقيا عن إرادة الشعب، وتجعل من بين المهام التي تباشرها، مهمة وضع أنظمة ديمقراطية، على أساس الانتخاب، وفصل السلط، في إطار ملكية دستورية قوامها الاعتراف لجميع المغاربة على اختلاف عقائدهم، بحقوق المواطن، وبالحريات العامة والنقابية». غير أن القارئ المتأمل، والقادر على أخذ المسافة، والعارف لواقع النظام المغربي، سيطرح من دون شك السؤال التالي: إلى أي حد يمكن أن نستخلص من هذه الفقرة خلاصة الأستاذ بوتان هذه: « لم يكن محمد الخامس بعيدا إذن عن القبول بالحل الذي ينادي به المهدي بن بركة ورفاقه»؟ ما أظن أني على خطأ إن قلت إن الفقرة المأخوذة من خطاب محمد الخامس السالفة الذكر تظل مناسِبة من الناحية المبدئية لوصف النظام المغربي في مرحلته الحالية. لا أعتقد أن هذه الفقرة كافية لاستخلاص كون محمد الخامس يتصور الملك سائدا دون أن يكون حاكما. إنها فقرة تؤكد على منح الحكم الملكي طابعا عصريا ولكن ليس بالضرورة بالمعنى المأخوذ به في بعض الملكيات الأوروبية المختلفة كل الاختلاف، وعلى جميع المستويات، عن المملكة المغربية.
لا يتوقف التساؤل طبعا عند هذا الحد. إذ يمكننا أيضا، خاصة وأن الفاصل الزمني يحررنا من بعض الاحتياطات ذات الطابع الأخلاقي المحض، أن نقول: كيف غضت الحركة الوطنية الطرف عن هذا المبدأ (القائل بتوقف دور الملك لدى السيادة دون أن يشمل الحكم) أثناء المفاوضات مع المستعمر وهي قد تشبثت بضرورة حضور محمد الخامس حول طاولة المفاوضات باعتباره ملكا؟ هل طرحته في تلك الفترة بالضبط مع الملك محمد الخامس؟ ما أظن أنها كانت قادرة على طرح المسألة أمامه في تلك الفترة بالذات، بل أكاد أجزم هذا الأمر. فلماذا اكتفت إذن بطرح الاستقلال دون التعرض لمضمون الاستقلال، ولطريقة الحكم بعد الاستقلال؟ لماذا لم تكن الصراحة مبدأ المفاوضات بين الأطراف الداخلية؟ لقد كان الملك وكل المؤسسة الملكية دائما واضحين في ما يتصل بمسألتي السلطة والحكم. وهذا موقف ينبغي أن يشجع كل التشكيلات السياسية التي تعتبر نفسها كذلك، وأنها تمثل قوة وسط المجتمع، وذات تمثيلية، على التحلي بالوضوح على مستوى التصور والفعل معا.
وما دمنا في إطار التاريخ، فإنه سيكون مفيدا إثارة ظهور هذا التعبير ذاته « الملك يسود ولا يحكم». لست أدري لماذا لا يقوم الأستاذ موريس بوتان بهذا الأمر وهو كثيرا ما أثار هذه الجملة باعتبارها تعبر عن مبدإ خلق خلافا بين الملك الحسن الثاني والمهدي بن بركة، بل بين الملكية والحركة الوطنية بشكل عام. أستغرب بعض الشيء لأن التعبير فرنسي النشأة، خاصة وأن الكاتب يميل إلى التذكير من حين لآخر بأقوال بصمت التاريخ لما تحمله من قوة المعنى ومن حكمة؟ الجملة فرنسية النشأة، من صياغة أول رئيس للجمهورية الثالثة، السيد أدولف تيير (Adolf Thiers). إن المتلفظ الأول بـكون «الملك يسود ولا يحكم» عاش في ظروف سياسية غلب عليها الصراع من أجل السلطة، وهو يطمح إلى الفوز بها لأنه كان ذا نفوذ داخل الوسط السياسي الفرنسي وكانت الملكية قد عرفت نهايتها، ولم تستعد وجودها إلا لأن قوى سياسية وطنية أخرى أرادتها أن تلعب دور الموحد لمواجهة الصراعات الداخلية والتهديدات الخارجية. لم تكن الملكية الفرنسية في تلك المرحلة تتمتع بالمساندة الشعبية ولا بالقوة المادية. لم يكن هذا القول، أو هذا المبدأ، عبارة عن مطلب بقدر ما كان أمر واقع تفرضه القوى المتحكمة فعلا في الوضع السياسي السائد. لقد حصل التفكير في المبدأ «الملك يسود ولا يحكم» والعمل وفقه بعد مرور أزيد من خمسين سنة على بداية الثورة الفرنسية، وبعد أن نشأت في فرنسا، فعلا، قوى سياسية لها وزن داخلي وخارجي تستمده من ذاتها هي وفي شبه استغناء عن الملكية.
يثير الأستاذ موريس بوتان مسألة أخرى ينتقد عبرها المؤسسة الملكية في المغرب ـ وأساسا الحسن الثاني ـ ويتعلق الأمر بتأكيده على عدم تضمين تشكيلة الحكومة الأولى بعد الاستقلال لأي شخصية من المقاومة المسلحة في أول حكومة مغربية حيث يقول:» ولم يستدع للحكومة أي زعيم من زعماء المقاومة المسلحة مع أنها اضطلعت وما زالت حتى ذلك الحين تضطلع بدور بالغ الأهمية»(ص 44). بعيدا عن كل استفزاز، وتوخيا لشيء من الموضوعية، نقول: لماذا سنعتمد هذا المعطى للاستدلال على «التعطش للسلطة والسعي إلى «الانفراد بالحكم» جهة المؤسسة الملكية للعمل ضمنيا على اعتبار الجهة الأخرى سائرة في عكس هذا الاتجاه، في الوقت الذي نعرف فيه أن أفراد الحركة الوطنية الذين مهدوا للمفاوضات مع المستعمر الفرنسي، وشاركوا فيها، أصروا على حضور الملك في هذه العملية ولم يثيروا حضور أعضاء من الحركة الوطنية المسلحة، أو على الأقل بعضهم؟ ألم يتم تهميش هذه الحركة مسبقا وبإرادة الحركة الوطنية ذاتها؟ لندفع بالسؤال بعيدا بهذا الصدد، ومرة أخرى خارج كل استفزاز، ونقول لماذا لم يفكر أعضاء الحركة الوطنية في إشراك رموز قوية في المقاومة المغربية يشهد لها المغاربة والعالم بوطنيتها؟ لن أذهب إلى حدود ما يذهب إليه البعض، خاصة في المرحلة الحالية بعد ما عرفه العالم العربي من أحداث، وأقول ما الوضع الذي كان سيعرفه المغرب لو اكتفت الملكية في هذا البلد بالسيادة وتركت كل الحكم للحركة الوطنية؟ أطرح هذا السؤال لأننا نجد لدى الأستاذ بوتان نفسه، في كتابه هذا، ميلا، أحيانا، إلى إثارة شطط السلطة لدى بعض المسؤولين الإداريين ينتمون إلى حزب الاستقلال.
قام موريس بوتان بعمل جبار للوقوف عند مختلف الأشخاص الفرنسيين المتورطين في جريمة الاختطاف، وربما كلهم، كما تعرض لشخصيات وجِهاتٍ سياسية فرنسية يتهمها بالتستر على الجريمة. غير أن هذا الإسهاب في استعراض الأشخاص والتفاصيل المتصلة بحياتهم الخاصة والمهنية، وبعلاقتهم بالاختطاف، وبالتستر على الحقيقة، لم يمنع الكاتب في نهاية المطاف، كما حاولت أن ألخص ذلك أعلاه في الجزء الثاني من هذا العرض، من تقليص دورهم ودور فرنسا في الجريمة، وبالخصوص في الكشف عن حقيقتها. لماذا سار الكاتب في هذا الاتجاه؟ لأنه يفصل على مستوى التورط في الجريمة بين حامل الفكرة (النية) ومنفذ الفكرة (الفعل) والمغطي على (أو الحامي لـ) منفذ الفكرة. أظن أنه من الصعب اعتماد هذا الموقف خاصة في الجريمة السياسية. قد يُقبَل الأمر إلى حد ما في الإطار القانوني المحض، ولكن لا يمكن أن يقبل كذلك في الإطار السياسي. ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه: لماذا عمل المسؤولون الفرنسيون على الإبقاء على القضية في الإطار القانوني المحض؟ أظن أنه من الصعب جدا أن يقبل المغاربة بـ»التواطؤ السلبي» في ما يخص الموقف الفرنسي، والمؤلف نفسه يبين كيف أن المحاكَمون في القضية (وأحيانا حتى المحاكِمين) يبينون من خلال مراوغاتهم، وتراجعاتهم، وتناقضاتهم، وإصرارهم على هذا السلوك، امتثالهم لنصائح (لأوامر) تلقوها من جهات خارجية. يصعب على المغاربة أن يتقبلوا، في ما يخص قضية بن بركة، أن المسؤولين الفرنسيين لم يكونوا قادرين على التوصل إلى معرفة الحقيقة لو هم أرادوا ذلك، بل قد يكون هناك من المغاربة من لن يقبل أن بعض المسؤولين الفرنسيين لم يعرفوا (أو لا يعرفون) الحقيقة.
هناك طبعا نقطة أخرى تثير التساؤل في ما يخص المخابرات الفرنسية وجهاز الدولة بشكل عام، غير أن المقام لا يسمح بالتعرض لها. باختصار، يظل القبول بالتواطؤ السلبي للمسؤولين الفرنسيين في قضية بن بركة مسألة مستبعدة، خاصة وأن الأستاذ موريس بوتان يبين لنا من خلال مجموعة من المبادرات التي قام بها داخل بلده للتوصل إلى الحقيقة توضح إصرار جميع الأطراف السياسية على التخلي عن القضية، إن لم نقل على التلاعب بها. لقد التمس الأستاذ من شخصيات سياسية تنتمي إلى اليمين وأخرى إلى اليسار، وأحيانا تكون محسوبة أيضا على فئة المثقفين، لمساعدته في البحث عن الحقيقة، غير أن الموقف كان واحدا: الوعود الكاذبة أو التجاهل أو التحايل دون أي إحراج.
يتضح بشكل كبير تقدير الأستاذ موريس بوتان لصديقه وصاحب قضيته الزعيم بن برْكة؛ تقدير يلتقي فيه مع تقدير المغاربة أنفسهم لمن يعتبرونه أبرز قادة اليسار في بلدهم. إنه يَذْكُر (ويُذَكِّر)، باستمرار، نباهته وذكاءه وبراغماتيته وحيويته وتفانيه في خدمة الصالح العام وإصراره ومثابرته، مما جعله يتميز دائما عن أصحابه ورفاقه في طريقة طرح القضايا السياسية على مستوى التنظيم والتدبير. هناك مسألة تطرح بعض التساؤل أيضا وهي تتصل بما يمكن أن نسميه عزلة بن بركة داخل تنظيمه ذاته، وذلك قبل أكتوبر 1965 وبعده. إذ كيف رُفِض التقرير الذي تقدم به للمؤتمر الثاني للحزب في الوقت الذي يُذكِّر فيه المؤلف بالاستقبال الجماهيري الكبير الذي حظي به وهو يدخل عاصمة الوطن، الرباط، للمشاركة في هذا المؤتمر؟ كيف جاء إلى المؤتمر بتقريره دون التنسيق مع أقرب صديق إليه السي عبدالرحيم بوعبيد الذي تقدم بدوره بتقرير آخر؟ بل ربما كان السؤال الأنسب لماذا لم ينسق الرجلان بينهما للاكتفاء بتقرير مشترك حتى تنحصر المنافسة بين توجهين اثنين فقط ؟ لماذا حسم المؤتمر لصالح التقرير الذي أعده التوجه النقابي في الوقت الذي كان فيه الحزب يعتبر أن الصراع داخل الوطن صراعا سياسيا بالدرجة الأولى؟ أكتفي هنا طبعا بإثارة أسئلة متصلة بعلاقة زعيم المعارضة المغربية برفاقه داخل الحزب لأن العلاقة مع الأحزاب الأخرى لن يثير طابعها المتسم بالحياد أوالصراع أو العداء أي استغراب بما في ذلك حزب الاستقلال.

الكاتب : ذ. عبدالحي أزرقان - بتاريخ : 15/11/2018

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.