المهدي بن بركة: بين الذاكرة والتاريخ -7-

ذ. عبدالحي أزرقان *

ندوة الإحياء في إطار التاريخ

حصل حدث هام، كما قلت في البداية، وأنا بصدد تهييئ هذا المقال للنشر بعد أن كان في الأصل تلخيصا لقراءة قدمتها شفويا، بجانب قراءات أخرى من إنجاز زملاء جامعيين، في إطار إحياء الذكرى التاسعة والأربعين لاغتيال المهدي بن بركة وبحضور الأستاذ موريس بوتان مؤلف كتاب:» الحسن الثاني، ديغول، بن بركة، ما أعرفه عنهم». كان الحدث هو تنظيم ذكرى اغتيال المناضل المهدي بن بركة بمبادرة من رفيق الدرب الأستاذ عبدالرحمن اليوسفي، آخر وزير أول تحت سيادة الراحل الملك الحسن الثاني وأول وزير أول تحت سيادة جلالة الملك محمد السادس. وقد تم توزيع الدعوات لحضور اللقاء باسم الأستاذ عبدالرحمن اليوسفي نفسه. وما ميز الحدث أكثر هو تلقي الأستاذ عبدالرحمن اليوسفي رسالة من جلالة الملك محمد السادس بهذه المناسبة المتصلة بإحياء الذكرى، وتلاوة الوزير الأول السابق لها هو شخصيا. كما تجدر الإشارة أيضا إلى العنوان الذي تم اختياره لإحياء الذكرى، حيث لا يقل بدوره أهمية، ولا يمكن ألا يثير الانتباه. لقد اختير لذكرى الإحياء عنوان: «مكانة المهدي بن بركة في التاريخ المعاصر». كما لم ينس المنظمون تحديد طبيعة الندوة فأضافوا إلى العنوان الأصلي عنوانا فرعيا أو متمما، توخيا، من دون شك، المزيد من الوضوح عن طبيعة المبادرة، ألا وهو «لقاء للوفاء». المكان: المكتبة الوطنية بالرباط. المتناولون للكلمة في اللقاء الأستاذ عبدالرحمن اليوسفي باعتباره رفيقا في النضال للمهدي بن بركة، والإبراهيمي باعتباره دبلوماسيا وصديقا للمحتفى به، ثم مجموعة من الأساتذة والباحثين.
أظن أن القاسم المشترك بين هذه العناصر هو طرح قضية بن بركة في المغرب خارج الإطار السياسي الضيق الذي كان سائدا من قبل في مناسبات إحياء هذه الذكرى. لأول مرة تحيى (حسب علمي) هذه الأخيرة بحضور القوى السياسية الوطنية المتنوعة مع حصر الموضوع في الحصول على الحقيقة وبهدف الدفع بالوضعية السياسية للوطن نحو المزيد من التحسن والتقدم داخل الاختيار السياسي الذي يلتف حوله كل المغاربة، المسؤولون السياسيون والمواطنون العاديون معا.
يبدو لي أن هناك وراء إحياء ذكرى الاغتيال هذه إرادة لدى الجميع للتوصل إلى حل ما بشأن حقيقة مصير الفقيد. أود، قبل البدء في توضيح الفكرة السالفة الذكر انطلاقا من الكلمات المقدمة في إطار اللقاء، الوقوف عند معطيات شكلية تسير بدورها في هذا الاتجاه، بل تؤثث له. يتعلق الأمر أولا بالعنوان الذي اختير للندوة: مكانة المهدي بن بركة في التاريخ المعاصر. ربما، لأول مرة، كانت تخلد ذكرى الاغتيال هذه في إطار التاريخ (أو التأريخ) لتخطي الماضي بعد معرفته، وليس في إطار الذاكرة قصد إحياء الماضي والإبقاء عليه. اختيرت المكتبة الوطنية كمقر للحدث. إنها المكان المناسب لما له علاقة بالتاريخ، فهي رمز للأرشيف والماضي، رمز للبحث عن «الحقيقة في حد ذاتها»، رمز لسيادة الفكر والروح والحكمة، رمز لخدمة القيم الإنسانية الشمولية والنبيلة، رمز لخدمة المستقبل الفردي والجماعي والوطني والإنساني بشكل عام. ولضمان الحياد بشكل أكبر داخل هذا اللقاء أسندت الكلمة لأساتذة ومثقفين ليثيروا ما تحلى به الفقيد من قيم أخلاقية وما قدمه في هذا الباب بالضبط لوطنه وللإنسانية بوجه عام. لقد ركز الجميع على البعد التاريخي، وأساسا بهدف الإنارة والتوثيق.
تم توفير كل هذه المعطيات لضمان سياق ملائم للكلمات التي ألقيت في إطار هذا الإحياء. سأقتصر على إثارة كلمتيْ جلالة الملك محمد السادس والأستاذ عبدالرحمان اليوسفي. طبعا، إن ما جعل اللقاء يأخذ معناه الأكبر، ويرقى إلى مستوى حدث وطني، هو بعث جلالة الملك برسالة إلى اللقاء «تقديرا لمكانة [الفقيد] لدى جلالته ولدى المغاربة».
أورد هنا مقتطفات من رسالة جلالة الملك توضح ما ينبغي استحضاره والأخذ به بصدد قضية بن بركة. «يجب استخلاص الدروس والعبر من قضية ابن بركة وجعلها في صالح الوطن لتساعد على البناء وليس على الهدم». وما ييسر الذهاب في هذا الاتجاه هو الطبيعة الإيجابية لأهم مكونات الواقع السياسي المغربي. أولا لأن المؤسسة الملكية «متشبثة بالتلاحم مع مكونات الأمة»، وهي لا تتردد في مباركة المبادرات السياسية الهادفة إلى البناء والتقدم. لقد لبى جلالة الملك محمد السادس الدعوة التي وجهتها إليه مؤسسة عبدالرحيم بوعبيد سنة 1997 فألقى كلمة بالمناسبة وهو ولي العهد؛ أضف إلى هذا أن تلبيته للدعوة تمت بنصيحة من والده الملك الحسن الثاني رحمه الله. ثانيا لأن المواقف السياسية لبن بركة نفسه كانت تلتقي مع المبادئ الكبرى المُؤسِّسة للدولة المغربية، لقد «كان رجل سلم، كما كان قريبا من العائلة الملكية»؛ كما ينبغي استحضار عنصر آخر ذي أهمية بالغة، ذلك أن المهدي بن بركة يعتبر «من بين» الملتزمين بالـ»ثوابت والمقدسات التي ضحى من أجل الدفاع عنها العديد من المغاربة الأحرار». ثم يأتي المعطى الثالث، المشجع بدوره على إمكانية جعل قضية بن بركة قضية في صالح الوطن ومُساعِدة على البناء، وهو قدرة الشعب المغربي على تحمل مسؤولية طبيعة ماضيه حتى يطغى الإيجاب على كل ما قد يكون فيه من سلب، وذلك لتوظيف هذا الماضي في البناء والدفع به نحو التقدم. وهذه نقطة واضحة في كلمة جلالة الملك: «وهنا أستحضر ما قلته في خطاب تنصيب هيئة الإنصاف والمصالحة سنة 2004، حيث أكدت أن الشعب المغربي لا يتهرب من ماضيه، ولا يظل سجين سلبياته، بل يعمل على تحويله إلى مصدر قوة ودينامية لبناء مجتمع ديمقراطي وحداثي».
إن ما ينبغي الاشتغال عليه للحفاظ على الطبيعة الإيجابية للمشهد السياسي المغربي، بل لتعميق تلك الإيجابية وتحقيق المزيد من التماسك والتلاحم بصدد قضية بن بركة التي تنال تقدير واهتمام الجميع، هو إمكانية التوافق في ما يتصل بتناول تاريخ المغرب، خاصة الفترة الموالية للاستقلال. لقد كانت فترة التأسيس، تجمع بين قوى متعددة، شاركت كلها في محاربة الاستعمار، وسعت كلها للمساهمة في بناء الوطن. إن طبيعة الفعلين معا، فعل التحرير وفعل البناء، تجعل التصورات والمبادرات والآفاق بالضرورة تتباين، وأحيانا تتصادم. ينبغي الإقرار بهذا المعطى حتى تتجنب مختلف الأطراف اتهام بعضها البعض في ما حصل من إخفاقات وتصدعات ومآسي. تقتضي الواقعية في تناول التاريخ الإقرار بالمسؤولية حيث وجدت، وبالتضحية حيث قدمت، وبالتلاحم حيث تم، وبالخطأ حيث ارتكب، وبالانزلاق حيث حصل، خاصة وأن النية الحسنة شكلت دائما مبدأ الفعل، والنبل غاية العمل: لقد التقى الجميع في السعي إلى ترسيخ الاستقرار وتحقيق الازدهار بعد أن أصبح البلد ومواطنيه أحرارا. هكذا تكون الكلمة التي بعث بها جلالة الملك إلى الأستاذ عبدالرحمن اليوسفي ليلقيها أمام الحاضرين بالمكتبة الوطنية بمناسبة إحياء ذكرى اغتيال المهدي بن بركة كلمةَ مُباركَةٍ ودعمٍ لمبادرة وزيره الأول السابق الأستاذ عبدالرحمن اليوسفي.
أما الكلمة الثانية التي ألقاها رفيق درب الضحية، صاحب مبادرة إحياء الذكرى في المكتبة الوطنية، فإنها تحمل بدورها دلالات تصب كلها في محاولة إيجاد حل توافقي في ما يتصل بالكشف عن حقيقة اغتيال رفيق الدرب باعتبار الأمر شرطا أساسيا للانتقال بالقضية من الذاكرة إلى التاريخ. جمع اليوسفي في كلمته بين النشاطين الأساسيين المهيمنين على حياته، النشاط الحقوقي من جهة، والنشاط السياسي من جهة ثانية. يمكن القول إنه حاول تغليب الجانب الإنساني داخل الشق الأول والجانب الدبلوماسي في الإطار الثاني. إنه حاول أن يؤكد كونه رجل سياسة لا يزال متشبثا بالاستمرار في خدمة مؤسسة الدولة، ورجل حقوق لا ينسى قضايا ممثلي الجماهير الشعبية المغربية. يجمع الأستاذ اليوسفي في كلمته بين المهمتين بأسلوب الحكيم القائم على استحضار الجوانب الإنسانية المشتركة والعوامل السياسية الموحِّدة. هكذا نجده يبدأ طرح قضية صديقه المهدي بتوجيه نداء (ينادي ولا يطالب) إلى الدولة المغربية والدول التي شاركت في الجريمة أو وقعت تحت ترابها للكشف عن الحقيقة التي تعرفها عن قضية المهدي بن بركة («أتوجه بنداء للدولة المغربية وللدول التي شاركت في الجريمة أو وقعت تحت ترابها أن تكشف عن الحقيقة التي تعرفها عن قضية المهدي بن بركة». إن إمكانية الكشف عن حقيقة قضية بن بركة مرتبطة الآن بالدول وحدها، خاصة الدولة المغربية والدولة الفرنسية. وغاية النداء هي الحصول على «الحقيقة في حد ذاتها»، أضف إلى هذا أن المتوخى هو كشف الدول عن الحقيقة التي تعرفها وليس عن كل الحقيقة. يبدو اليوسفي، بلجوئه إلى هذا الأسلوب، وكأنه يقدم ضمانة للطمأنة في ما يتصل بالهدف المتوخى من الحصول على هذه الحقيقة. هكذا يؤكد أن الغاية من الكشف عن الحقيقة لا تخرج عن «وضع حد لجنازة تستمر خمسين سنة». إن الهدف من الحصول على الحقيقة الاستجابة لحق إنساني يهم الضحية ذاتها وعائلة الضحية، ما دام أن التيقن من الموت وإقامة الجنازة وتحديد القبر أمور تنتمي إلى الحق الطبيعي للإنسان. إنه لحق طبيعي أن يكون قبر الهالك محددا ومعروفا لدى عائلته أولا ولدى الأقارب والأصدقاء وكل من أراد الترحم عليه ثانيا. أضف إلى هذا أن الأستاذ اليوسفي لا يعتبر الكشف عن هذه الحقيقة بمثابة واجب بالنسبة للدول المعنية وإنما يكتفي باعتبار عدم الكشف غير حق، أو لا حق. «لا أحد له الحق في طمس الحقيقة أوالتحايل عليها، كما أنه لا أحد له الحق في معالجة هذا الأمر بالنسيان». إن الحقيقة التي ينادي بها اليوسفي هي حقيقة مرتبطة بالجانب الإنساني.
غاية ثانية سيؤدي إليها الكشف عن الحقيقة وهي ذات بعد سياسي هذه المرة، بعد نبيل يهم الوطن ومن يحتضنهم، بعد يلخصه اليوسفي بتعبيره هذا: «بناء وطن حر». قد يفهم من الصيغة المستعملة بهذا الصدد أن الأستاذ اليوسفي يرهن بناء الوطن الحر بالكشف عن الحقيقة، أو يعتبر الأمر شرطا في ذلك، حيث يستعمل التعبير الآتي: «…إن دم بن بركة سيقف دون بناء وطن حر ما لم تكشف الحقيقة». أظن أن الربط بين العمليتين يندرج في إطار ما عبرت عنه بالطَّمْأنة، بمعنى أن البعد السياسي في المسألة لن يخرج عما هو إيجابي، وعما هو مفيد للوطن والمواطنين، أي البناء وفتح الأفق للمزيد من التقدم.
ولعل ما يشجع على الذهاب في هذا الاتجاه هو باقي مضمون الكلمة الذي خصه الأستاذ عبدالرحمن اليوسفي لشخص رفيق الدرب المهدي بن بركة. لقد توقف بهذا الصدد عند إيجابيات مواقف بن بركة السياسية والتي تجعل حقيقة قضيته تستدعي أن تنكشف. أولا لقد كان المهدي بن بركة، حسب الأستاذ اليوسفي، «على وعي مبكر بخطورة التوتر السياسي في البلاد وما يخلقه من تعثرات لمقدرات الأمة». يفيد هذا القول أن ما كان يشغل هذا الزعيم أساسا هو البحث عن سبل خلق التلاؤم الكبير بين الحكام والمحكومين. وفي سبيل الحصول على التلاؤم فإنه كان، ثانيا، يؤكد، انطلاقا من إيمانه بالمسألة، على «الدور الأساسي الثابت للملكية، تاريخيا وسياسيا، ويَعتبِر هذا الدور محوريا في بناء الدولة الحديثة». ثالثا، إن هذا الإقرار بالدور الأساسي والثابت للملكية جعل منه «مناضلا فذا وواقعيا»، بمعنى أنه يقدر دور كل المؤسسات والشخصيات السياسية داخل بلده ويوليها ما تستحق من اهتمام، ولم يكن «مجرد سياسي يرهن وقته ونضاله دفاعا عن قضايا وانتظارات القوات الشعبية».
وحتى يبعد عبدالرحمن اليوسفي عن رفيقه في درب النضال ما ينعت به أحيانا من راديكالية في المواقف، فإنه يجعل منه مُلْهِمَه «حيث لم يتوقف [هو ذاته عبدالرحمن اليوسفي] عن الاستنارة بفكر الراحل لمدة خمسين سنة»، أي بما في ذلك قراره المتصل بقبول ترؤس حكومة التناوب والدفع بكل حزب القوات الشعبية إلى الانخراط الكامل في هذا الاتجاه (وهذا التوجه). وإن كان الصديق الحميم، يقر بالتقاء مواقف بن بركة مع ثوابت السياسة المغربية، بل بدفاعه عنها، فمعنى ذلك أن ما ينسب إليه أحيانا بهذا الصدد من تطرف ومن راديكالية يكون في نهاية المطاف نتيجة جهل لشخص الزعيم، أو غيرة منه، أو عداء له.
أضيف نقطة أخرى تستحق بدورها الذكر والتذكير ترد في كلمة الأستاذ اليوسفي، وربما كانت حاسمة في محاولته الدفاع عن الكشف عن الحقيقة. إنها نقطة تتصل بحصول الجريمة. يتكلم الأستاذ اليوسفي بهذا الصدد عن الأيادي الآثمة وعن الأقدار. لا شك أن استعمال اليوسفي لهذه الكلمة الأخيرة له دلالات متعددة، وفي مقدمة هذه المعاني الاستسلام لعدم إمكانية التوصل إلى الحقيقة في مختلف تفاصيلها، كما يمكن أن يفهم منها أن الأطراف المثارة بصدد الجريمة لا تحتل الموقع الواحد في القضية. لهذا فمعرفة نصف الحقيقة، أولنقل جزء من الحقيقة، قد يكون مرضيا للحل المتوخى: «وضع حد لجنازة تستمر خمسين سنة».

الكاتب : ذ. عبدالحي أزرقان * - بتاريخ : 17/11/2018

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.