تداعيات البحر الميت

حمادة فراعنة

تتسم الدبلوماسية الأردنية بالهدوء والِاتزان، وعدم الادعاء، والعمل بصمت بدون ضجيج، بعيداً عن الإملاءات في نفس الوقت، فالدولة الأردنية في ظل معطيات الإقليم العربي المضطرب، ترفض الإذعان للضغوط الدولية والإقليمية، رغم قسوتها، ومع ذلك هذه الدولة الصغيرة والفقيرة تعرف كيف تسير بثقة وسط حقول ألغام دمرت بلدانا شقيقة أكبر وأقوى، وصمد الأردن الذي اجتاحته محاولات الاختراق عبر الحدود من قبل داعش والقاعدة، وأفشلها، ومحاولات التفجير والاغتيال من قبل خلايا كامنة ومماثلة، وأفشلها وصمد.
وقف مع منظمة التحرير الفلسطينية وسلطتها الوطنية وقيادتها الشرعية، التي رفضت إجراءات الإدارة الأمريكية واعترافها بالقدس عاصمة للمستعمرة الإسرائيلية ، وتداعياتها، وشكل رأس حربة سياسية لدعم القيادة الفلسطينية في رفضها للسياسة الأمريكية وفي رفض اللقاء مع ممثلي الرئيس ترامب، وصمد.
واستقبل وزراء خارجية بلدان الخليج العربي الأربعة مع مصر، في لقاء تشاوري تمهيداً لاجتماع وارسو الذي دعت له الإدارة الأمريكية بهدف واضح أختصره بهدف واحد وهو أن واشنطن تسعى لاستبدال العدو الوطني والقومي: العدو الإسرائيلي الذي مالازال يحتل أراضي ثلاثة بلدان عربية وينتهك قدسية الحرم القدسي الشريف ويسعى لفرض التقاسم الزماني والمكاني لحرمة المسجد الاقصى، ويقترف كل الموبقات والجرائم بحق الشعب العربي الفلسطيني، تسعى واشنطن عبر وارسو وما قبله وما بعده تغيير صفة العدو الإسرائيلي من عدو وطني وقومي لكل العرب والمسلمين والمسيحيين بأعداء وهميين، نختلف معهم وتتعارض مصالحنا مع تطلعاتهم ولكنهم ليسوا أعداء كما هو المشروع الاستعماري التوسعي الإسرائيلي الصهيوني.
الأردن بوعيه ووطنيته وقوميته والتزاماته الأخلاقية، ومصالحه الوطنية يرى أن الأولية لحماية أمننا الوطني من محاولات العدو الإسرائيلي لإعادة رمي القضية الفلسطينية إلى الأردن والتخلص من تبعات احتلاله واغتصابه وسرقته لفلسطين، وجعل الأرض الفلسطينية طاردة لشعبها عبر الإفقار والتضييق والاضطهاد، ونقلهم وطردهم وإجبارهم على الرحيل إلى الأردن، فيقف الأردن مع دعم الشعب الفلسطيني للبقاء والصمود على أرض وطنه الذي لا وطن له غيره، ولذلك جاءت مشاورات البحر الميت لتثبيت هذا التوجه رغم إدراكنا ما تتعرض له بلدان الخليج العربي من محاولات المس والتفجير وزعزعة استقرارها، ونقف معهم بدون التخلي عن التزاماتنا بأمننا الوطني في مواجهة العدو الإسرائيلي وفي دعم الشعب الفلسطيني وإسناده.
نقف مع سوريا ومنذ وقت مبكر ونتمسك بوحدة أراضيها والدفاع عن سيادتها، وعودتها إلى حضن الجامعة العربية، وإن كان ذلك يسير ببطء، وما زيارة رأس الدولة جلالة الملك إلى تركيا وتونس سوى امتداد لنتائج مشاورات ومناقشات البحر الميت لتعزيز الأرضية المشتركة التي تجمع عمان مع عواصم البلدان التي شاركت في اجتماع البحر الميت وتقليص فجوات التباين التي مازالت قائمة وتحتاج لمزيد من الجهد والافعال، وهذا ما يُفسر عدم صدور بيان مشترك عن اجتماع وزراء خارجية بلدان اجتماع البحر الميت.
لن يتم استبدال العدو الوطني والقومي، العدو الإسرائيلي بأي طرف وأي دولة، وهذا ما حاوله الرئيس ترامب في اجتماع البلدان الاسلامية معه يوم 22/5/2017، وفشل بدلالة أكيدة تمثلت بنتائج وبيان قمة الظهران العربية يوم 15/4/2018، التي أكدت على رفض سياسة ترامب نحو فلسطين والقدس ونحو العدو الإسرائيلي الذي مازال عدواً وسيبقى طالما يواصل احتلاله لفلسطين والجولان وجنوب لبنان.

الكاتب : حمادة فراعنة - بتاريخ : 06/02/2019

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.