المادة تسعود!

عبد الحميد جماهري hamidjmahri@yahoo.fr

«نطرح على وزير المالية ورئيسه في الحكومة السؤال الذي طرحه ملك البلاد :«من‮ ‬غير المفهوم أن تسلب الإدارة المواطن حقوقه‮ ‬(…)‮ ‬وكيف لمسؤول أن‮ ‬يعرقل حصوله عليها وقد صدر بشأنها حكم قضائي‮ ‬نهائي؟».»
***
تموج الطبقة السياسية والمؤسسات المهنية، وتتراجع الحدود بين الفرقاء ثم تتقارب حول المادة« تسعود»، والتي تمنع الحجز على ممتلكات الدولة في حالة وقع حكم قضائي، عليها.
في المقترب الحقوقي، ما يدل على أن المحامين على حق، وفي المقترب السياسي الحقوقي قد تجد الحكومة، وبالضبط قطاعها المالي مستندا في التدليل والدفاع،
غير أن العبد الفقير لرحمة ربه ، الذي ليس له أي نزاع مع الدولة حول ممتلكات ما أو حول دين ما، يتعجب كيف يمكن للحكومة أن تقترح مادة في القانون المالي يمكنها أن تنزع عن خطاب ملك البلاد قوته الإصلاحية ..
كيف يمكن أن تجر بإرادته نحو الأسفل؟
لأهل الدستور أن يحدثونا عن الشراكة الدستورية التي جاء بها دستور 2011 ، في تحديد سلطات الملك، التي يحترمها حرفيا بشهادة الجميع وبين سلطات رئيس الحكومة؟
لنعد إلى أصل ملاحظة العبد الفقير لربه :
منذ ما يفوق السنة ، أي ‮ ‬20‮ ‬غشت‮ ‬2018 طرح ملك البلاد سؤالا استنكاريا ، ورد فيه:«كيف نريد أن نعطي‮ ‬المثال،‮ ‬إذا كانت إدارات ومؤسسات الدولة لا تحترم التزاماتها في‮ ‬هذا الشأن؟«..موضحا قبل ذلك أنه« يتعين على الإدارات العمومية،‮ ‬وخاصة الجماعات الترابية،‮ ‬أن تقوم بأداء ما بذمتها من مستحقات تجاه المقاولات،‮ ‬ذلك أن أي‮ ‬تأخير قد‮ ‬يؤدي‮ ‬إلى إفلاسها،‮ ‬مع ما‮ ‬يتبع ذلك من فقدان العديد من مناصب الشغل‮».‬
قوة النموذج التي تملكها الدولة والسلطات العمومية تنازلت عنها بسبب تصور مالي محض ترى أن الدولة دانت به للمتقاضين ضدها وبلغ في السنوات الثلاث الأخيرة ١٠ مليار درهم.
المبلغ ضخم، لا بد من أن ننظر جهة المتقاضين وسلاسة القضية وحجية وصدقية الأوراق المعتمدة في الدعوة الخ..
لا أن ننسف النموذج الذي أراده ملك البلاد، والأحكام تصدر باسمه، وباسم دولة الحق والقانون..
‮ ‬ في صلب المليارات العشرة، التي اتخذها وزير المالية علة في الجواب على الشارع وعلى أعضاء الأغلبية والمعارضة معا، إلخ ،هناك شيء ما يجب أن نعود إليه، وهو نزع الملكية.
في كل نزع قضية
وفي كل قضية أموال حق للسائل والمنزوع.
كيف تعامل معها ملك البلاد يا ترى ..
في ‮ ‬أكتوبر‮ ‬2016‮: ‬نَصَّ الخطاب السامي‮ ‬الذي‮ ‬ألقاه جلالة الملك في‮ ‬افتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية الأولى من الولاية التشريعية العاشرة على:
« نزع الملكية‮ ‬يجب أن‮ ‬يتم لضرورة المصلحة العامة القصوى،‮ ‬وأن‮ ‬يتم التعويض طبقا للأسعار المعمول بها،‮ ‬في‮ ‬نفس تاريخ القيام بهذه العملية مع تبسيط مساطر الحصول عليه«‮.‬
مذكرا في الوقت ذاته بالمبدأ العام ، مساندا المتضررين وليس الدولة في مرافعاتها:« العديد من المواطنين‮ ‬يشتكون من قضايا نزع الملكية‮ ‬،‮ ‬لأن الدولة لم تقم بتعويضهم عن أملاكهم،‮ ‬أو لتأخير عملية التعويض لسنوات طويلة تضر بمصالحهم،‮ ‬أو لأن مبلغ‮ ‬التعويض أقل من ثمن البيع المعمول به،‮ ‬وغيرها من الأسباب‮».‬
نطرح على وزير المالية ورئيسه في الحكومة السؤال الذي طرحه ملك البلاد :«من‮ ‬غير المفهوم أن تسلب الإدارة المواطن حقوقه‮ ‬،‮ ‬وهي‮ ‬التي‮ ‬يجب أن تصونها وتدافع عنها‮. ‬وكيف لمسؤول أن‮ ‬يعرقل حصوله عليها وقد صدر بشأنها حكم قضائي‮ ‬نهائي؟»..
هل يكون الجواب بالتعطيل؟
إن الوضعية التي نجد أنفسنا أمامها هي أن :« الذين يدافعون عن إلغاء المادة “تسعود”، هم الذين يدافعون عن مضامين الخطاب الملكي»، في حين تجتهد المالية من أجل تغيير وجهتها!
إن الإبداع ليس في ما تم الفصل فيه نهائيا إما بقوة الشيئ المقضي به أو بالمستند الملكي في خطابين متتاليين، بل هو في البحث عن حل في مستويات أخرى لتقليص الجانب المظلم في القضايا المرفوعة ضد الدولة، والاتحاد سبق أن تقدم
بمقترح قانون لهيئة قضايا الدولة، كمدخل يتلاقى فيه الحقوقي والمؤسساتي والمالي، بل يمكن أن نعود إلى اجتهادات تمس الدين العمومي.
فهو ما يعرف السادة الوزراء أكثر من العبد المذنب، جزء من »المخاطر السيادية« التي فيها أدبيات كثيرة ومرجعيات كثيرة لكل دولة، وللمغرب نفسه نقاش حول هذا المعنى..
فكيف يمكن مثلا لوزير المالية أن يستكثر على والي بنك المغرب تحذيره من ثقل المديونية العامة والخارجية، ويستصغر شأنها، عندما تتعلق بالملايير الكبرى، وفي الوقت ذاته يستكثر على المواطنين، شركات وأفرادا بعضا من مليارات الدراهم على سنوات؟
هناك شيئ ما لا يليق بدولة تعرف معنى المخاطر السيادية وتعرف حقوق المواطنين..
هو اجتهاد لنا فيه أجر الخطأ فقط!

الكاتب : عبد الحميد جماهري hamidjmahri@yahoo.fr - بتاريخ : 02/12/2019

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.