المحكّ‮ ‬الصيني‮ ‬الإيراني‮ ‬لانعزالية ترامب‮..‬ 2/1

عبد الحميد جماهري hamidjmahri@yahoo.fr

 
نكاد نسلم بأن أمريكا دونالد ترامب قوة تميل إلى الانعزالية إزاء قضايا العالم، يزكّي ذلك حرص العم سام الجديد على الانسحاب من اتفاقيات وهيئات دولية كثيرة شكلت هوية العالم في ما بعد الحرب الباردة، وقبلها الحرب العالمية الثانية، ثم رفعه شعار “أمريكا أولاً”.
غير أن الموقف من الصين وإيران يعيد إلينا، في الفترة الأخيرة، سيناريوهاتٍ، اعتقدنا، من فرط التسارع الدموي للعشريتين الأوليين في القرن الحالي، أنها ذهبت إلى غير رجعة، وهي سيناريوهات ما كان يطمح إليه المحافظون الجدد، في عهدي البوشين الأب والابن، للشرق الأوسط وباقي العالم. وهو التدخل من أجل تغيير طبيعة الدولة، وطبيعة التوازنات، وطبيعة الجغرافيا السياسية للعالم. كيف ذلك؟
اختارت أمريكا ترامب التصعيد، عبر العقوبات الاقتصادية حينا، والحروب المتعدّدة حينا آخر، أن تحول كلاً من إيران والصين إلى تمرين جيواستراتيجي جديد لعودة النزعة التدخلية العتيقة للقوة الأولى في العالم، فهي، كما كتب أحد المختصين في قضاياها، آلان فراشون، تتحدّى، القوتين الإيرانية والصينية، في محيطهما، ذلك لأن “الاقتصاد الصيني يملك الوزن نفسه الذي تملكه اقتصاديات أمريكا، كما أن الوزن الاستراتيجي الإيراني محدّد في خريطة الشرق الأوسط”. وعليه، فإن التوجه الأمريكي نحو تخصيص الصين وإيران بعداوتهما الاستراتيجية رهنا يهدف، بالتحديد، إلى “تغيير عميق في سياسة البلدين، والذي يعتبر كل واحد منهما في منطقة نفوذه قوة ذات تأثير حاسم”، غير أن الأمر الذي لا يمكن إغفاله أن الحرب الاقتصادية لا تخفي هدفها البعيد، وهو الوضع الذي تريده أمريكا للصين، حيث إنها تعتبرها رسميا “الخصم الاستراتيجي”، بسبب ما تعتبرها “أهدافا إمبريالية” (كذا) في آسيا، وعسكرة بحر الصين الجنوبي.
وفي هذه النقطة، تلتقي العداوة مع الجيواستراتيجية، إزاء إيران باعتبارها عدوا إقليميا، قد لا يكون “العملاق الشامل” كما هو حال الصين، لكنه عدوٌّ محدد الملامح على كل حال.
ومن مكر المصادفات، والتدخليّة الجديدة أن إيران اليوم هي عراق صدّام حسين الأمس، عند المحافظين الجدد، أي القوة التي تهدّد الحلفاء، وتهدّد السلم، وهو “عنصر اللاستقرار الوحيد في المنطقة”. وإذا كنا أمام تشابه الجغرافيا ومستتبعاتها السياسية، في أمريكا بوش وأمريكا ترامب، فإن الجديد هو حرب النجوم الجديدة، لنبقى مع الصين، في الفضاء ساحة للمعركة.
تدرك إمبراطورية الشمس الجديدة أن “الاستقرار الاستراتيجي” فوق الأرض يمر عبر حرب النجوم التي أصبحت تعني، في الآونة الأخيرة، محاولة التفوق في الفضاء، والسيطرة على كل المواجهات إن وقعت فيه. ومن مكر المصادفات أيضا أن هذا هو الفصل الثاني في حرب النجوم، بعد التي أطلقها رونالد ريغان في بداية الثمانينيات من القرن الماضي، تحت مسمّى “مبادرة الدفاع الاستراتيجي”، والتي هدفت إلى نشر عشرات الأقمار الصناعية لإسقاط أية صواريخ سوفياتية قبل وصولها إلى الهدف.
انتهى الاتحاد السوفياتي، وانتصرت أمريكا بتركيعه وتفريق جمهورياته، وسالت مياه كثيرة تحت جسور العالم، قبل أن يعود الرئيس دونالد ترامب إلى الحديث عن مبادرة “تشكيل قوات فضائية”، باعتبارها الذراع السادس للجيش الأمريكي، غير أن عودته، هذه المرة، تعطي لحرب النجوم معنى آخر، لعل أبرز نقطة فيها أن موازين القوة في الجانب العسكري الفضائي انقلبت لفائدة الروس، ورثة الاتحاد السوفياتي والصينيين الذين يشتركون معهم في القدر الآسيوي، وفي الحرب التجارية مع واشنطن، ووجدت الولايات المتحدة نفسها، على الأقل من حيث مبرّرات دعواتها الصريحة إلى المبادرة، في “وضعية تدنٍ مما يجبرها على العمل على استعادة هيمنتها وتفوقها اللذين سلبهما الروس والصين منها”.

(نشر في موقع العربي الجديد)

الكاتب : عبد الحميد جماهري hamidjmahri@yahoo.fr - بتاريخ : 11/10/2018

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.