دسترة النقاش حول الثقافة وتأصيل الطابع الثقافي للدستور 2/2

عبد الحميد جماهري hamidjmahri@yahoo.fr

 القوة الثقافية للدستور  

تميز الدستور الجديد بترسيم الهوية، ثم بترصيد تراثها الثقافي واللغوي، من حيث الإقرار الحاصل بالإجماع في ديباجة الدستور، على مكونات الهوية، وحضورها في النص الاسمي للدولة المغربية.
والواضح فعليا أن الديباجات الدستورية يكون لها مقام الأرضية التي يتأسس عليها الباقي، سواء في فرز السلط أو في فصلها وتوازنها أو في ما عداها من مقومات الدولة في شموليتها.
وجعل للدولة دور الحكم من خلال الدستور، وهو بعد لم يكن حاضرا في ما سبق من دساتير، وفي ما يتعلق بالأرضيات الثقافية التي تنبع منها المواقف حوله وبخصوصه..
بالإضافة إلى الديباجة،تمت دسترة مجالس لها علاقة مباشرة بالأمر الثقافي، أو بالحكامة الثقافية، أو بفضاءات الإنتاج الثقافي، من قبيل المجلس الوطني للغات، أو التنصيص على القيم الثقافية باعتبارها قيما مهيكلة للدستور، كما في الفصل25 الذي نص على أن حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. وحرية الإبداع والنشر والعرض في مجالات الإبداع الأدبي والفني والبحث العلمي والتقني مضمونة». والفصـل 26 +
ألزم السلطات العمومية بدعم «بالوسائل الملائمة، تنمية الإبداع الثقافي والفني، والبحث العلمي والتقني والنهوض بالرياضة،كما تسعى لتطويرتلك المجالات وتنظيمها، بكيفية مستقلة، وعلى أسس ديمقراطية ومهنية مضبوطة».
لقد تأسست الدولة المغربية الحديثة على تعاقد وطني، بين مكونات المجتمع الوطنية والملكية المناضلة والتاريخية، جددت للأمة تعريفها كدولة حرة، في حين ظل الشطر الثاني من التعاقد مرهونا بتحقيق الاستقلال، وكان عبر التنصيص على الدستور. وهو ما تم، وعليه فلم يكن الدستور المغربي، كما هو حال الدستور الأمريكي مثلا مرافقا للدولة، بما هو نص تاريخي يحدد هويتها، بل الدولة المغربية سابقة على الدستور، لا سيما في تجلياته الجديدة.
ومن هنا فقد كانت قوته في تعريف ثقافة الدولة، كيانا وجهازا، مقومات هذه الدولة الثقافية والرمزية والهوياتية.
وقد كشف النقاش الدستوري حول القوانين ذات الصلة بالثقافة، أنه لا بد من الاحتماء بالدستور للخروج من أي استعصاء يكون بسبب الايديولوجيا أو بسبب التأويل، كما سلف أن أي نقاش مستقبلي لا بد أن يستحضر أن الدستور الثقافي هو ابتداءً من الآن فصاعدا في جوهر الهوية، معنى ومبنى.. ولهذا ربما كان التوافق يسود في كل استعصاء، عندما تتكلم الأسس والقيم المؤسسة للدستورإلى حد أبعد، عند الحديث عن مساهمة الدستور الأمريكي في صياغة الأمة الأمريكية، ومن خلال ذلك تأثيره على الإنتاج الثقافي والأدبي، بحيث ابتداع الشعرية الدستورية «poétique constitutionnelle، وهو المبدأ الذي طبقه على من يسميهم آباء النهضة الأمريكية أي ايمرسون، وايتمان وميلفيل.. كما لو أن الدستور يشتغل غير آبه بالتضاد بين المقدس والمدنس، بين الدهري والسرمدي..
والمهم بالنسبة لبلدانا أنها دسترت الثقافة كما أصلت الطابع الثقافي للدستور وهو أن تكون مرجعية قادرة على أن تدرج الهوية ضمن مفكرها** الدستوري، ضمن ماسبق قوله.
ونضيف أن السلم العام يحصل ، ودوما من هذا المنطلق عندما يتم إنجاز قفزة أخرى، ي عند فصل المواطنة عن الهوية… بالاستعانة بمبدأ الوطنية الدستورية، patriotisme constitutionnelكما يراها يورغن هابرماز… اي في كون الهوية المشتركة، كما تحركها الوطنية الواعية،تشجع على بروز المواطنة الديمقراطية. علاوة على أن الإحساس بالانتماء المشترك يسهل إقامة الديمقراطية، والتي تقوي بدورها من التضامن بين المواطنين عوض الزج بهم في الطائفية والتناحر الهوياتي، والاستحالات الثقافية…وتكون المرحلة المتقدمة هي في فصل الهوية الوطنية عن المواطنة، هو نقاش ما زلنا بعيدين عنه في شرطنا التجريبي والتاريخي معا…
ولله من وراء القصد!

الكاتب : عبد الحميد جماهري hamidjmahri@yahoo.fr - بتاريخ : 22/06/2019

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.