وفاء للأستاذ الفهيمي ومن معه…

عبد الحميد جماهري

بودي لو أكتب سيرة كل واحد، وكل واحدة لأزداد اعتزازا
ولتزداد نرجسية المناضل التقدمي فيَّ..
بودي لو أنني راوية حكايات شعبية أتوسط جيلين،
أو ثلاثة وأروي عنهم وعنهن ،لحظة لحظة وحربا حربا
هؤلاء المحامون والمحاميات، الذين عبدوا طريق المستقبل إلينا
حتى صار حاضرا، وصرنا نتحدث إلى الديموقراطية ككائن
أليف ، نعرفه جيدا، ونتحدث إلى العالم بلغة يفهمها جيدا، لغة الحقوق والمكتسبات..
وحتى صرنا نلتقي بالحرية في الشارع
والحديقة
وخارج أسوار السجن…
أولئك الذين أعطوا للبلاد خيرة وطنييها وقادتها التقدميين وبناتها الجبابرة
تلك المهنة التي اختارها
عمر بن جلون لكي يصبح شهيدا
وكي يجد الطريق إلى الخلود..
واختارها الكثيرون لكي يصير للبلاد لسان
ويصير لها فؤاد تقيس به مسافاتها في التاريخ الصحيح..
كثيرون وكثيرات لو أنك جمعت سنوات اعتقالهم وسنوات منفاهم
وسنوات عذابهم لكان لك أن تعرف بالضبط عمر الحرية
وعمر الإنسان المغربي في تقويم الهجرة إلى الشمس
والى الكرامة
وإلى أفق البشرية…
وقد كان بعضهم يوم الجمعة بمنصة المؤتمر الوطني للاتحاديات والاتحاديين، يعبرون أمامنا ونرى في ظلالهم،
قضبانا وشواطئ
ونرى جلادين ومخافر
وابتسامات طفولية..
ونرى النشيد
وهو يصحو من بين الذكريات الأليمة…
وشخصيا، لما نودي علي لكي أقدم الدرع الاحتفائي للحسين الفهيمي، المحامي ولكن أيضا القائد السياسي بإقليم الناظور وفي لجن الاتحاد الاشتراكي منذ سبعينيات القرن الماضي،
الأستاذ والحقوقي
والفاعل السياسي والمؤطر ..
كان علي أن، كما في لحظة حلم، أن أجد خلاصة لعلاقة تعود إلى ثمانينيات القرن الماضي..
ربما لو كان لي أن ألخص ذكرياتي مع حسين الفهيمي، لما ترددت في القول إنني من بعيد الآن، على مسافة ربع قرن، منذ غادرت الناظور في 1992 قادما إلى البيضاء ولألتحق بليبراسيون، لما ترددت في القول إن الفهيمي هو الدليل على أن المناضل السعيد لا يحتاج أن يكون على عجلة من أمره إلى التسرع، إلى الهرولة،
فهو ذا طبعه وكذا سلوك أمثاله لتلخيص القناعات في حياة مليئة بنبلها…، أن علي أن أقول أيضا : يبدو حسين الفهيمي، كما لو كان دائما جاهزا للاعتقال لا تنساه الدولة عندما تريد ان تمتحن المجتمع السياسي لما كان من شروط ذلك المجتمع الاستعداد الدائم لكي يعرض نفسه لامتحان القسوة ولامتحان الإغراء أيضا……
أذكر أنها كانت سنوات ما بعد حريق1984، وما بعده من اعتقالات، طالت العديد منا، وأحكام غيبت الكثير من الشبيبة وراء الشمس، وكانت انطلاقة الفعل في الناظور بسواعد الشباب.
وأول درس كان لي من الحسين الفهيمي كان مناسبة عرض قدمته للشبيبة وقتها، باعتباري عضوا في اللجنة المركزية…
كان العرض معجبا بنفسه ولغته العالمة ومثخنا حقا بالمصطلحات والتعابير المجازية عن المهمة التاريخية للاتحاد والشبيبة، أعتقد أنه كان حول النضال الديموقراطي واستراتيجيته في مواجهة كل احتمالات الفعل النضالي من البلانكية إلى الفوضى المنتجة إلى الكفاح المسلح والحزب السري، لما أنهيت العرض، تقدم مني حسين الفهيمي، وخاطبني بما يفيد أن الديموقراطية ليست هي الشعار الكبير فقط، بل إن من الديموقراطية أن نقدم للناس افكارا بلغة يفهمونها، وأن الديموقراطية بهذا المعنى تقتضي اقتسام اللغة، فأنت لا تكون ديموقراطيا إذا لم تقتسم مع الناس لغتك ولغتهم وتشتركان في الفهم..
شعرت وقتها بأن تجربته الكبيرة، علمته ما يمكنه أن يقدمه للناس ولنا..
هذا الرجل الذي تعرف الدولة عنوانه، وتحتاجه دوما لكي تثبت قوتها ضدنا، كان بسيطا في تواصله، بيداغوجيا، وربما هي ملكة كرستها السنوات التي قضاها في التعليم
ثم صقلتها المحاماة..
جيل طويل
جيلان طويلان رافقهما الفهيمي في الناظور، في التربية وفي السياسة..
لم تكن العلاقة دوما نهرا هادئا، ولا سلسبيلا رقراقا، في مدينة تستعصي على التنظيم، وفي سياق صعب من مخاضات عسيرة بين الزنزانة، والدبابات وصناديق الاقتراع..
لكن دماثة الفهيمي، وقدرته على الإقناع، وصبره، كانوا دوما سندا في ترويض الاستعصاءات وإيجاد التوازن الضروري، في اللحظة الضرورية..
أذكر أيضا، أننا قررنا، بعد سنتين من رحيل عبد الكريم الخطابي، أن ننظم ذكراه الفضية في الناظور..
كانت الشبيبة في حاجة إلى تجاوز مخلفات المرحلة، كنا في حاجة إلى مضخة تاريخية لكي نجدد هواء الكريات الحمراء والبيضاء
ونجدد دمنا في الجسم النضالي الكبير.
تم تطويق المقر، في شارع عبد الكريم الخطابي بالقرب من سينما الريف، وكل من أراد الالتحاق به، كان عليه أن يدلي بالبطاقة الوطنية، وكان تعليل الأمن لذلك لما سأله المسؤولون الاتحاديون أنه ضرورة للتأكد من أن الشباب الذي حج بكثرة بلغ سن البلوغ، كما لو أن تكريم البطل كان فخا للتغرير بالقاصرين!
أيامها وقف الحسين إلى جانبنا بلا قيد ولا شرط،
وكان سندا لكي نتمم الحفل وأن نرسل الرسائل التي كان شبابنا الطافح يقنعنا بأن علينا إرسالها إلى من يهمهم الأمر..
طالبنا بتمثال لمحمد بن عبد الكريم الخطابي
وبمتحف
وبكتب التاريخ المدرسي
وأفلام سينمائية ووثائقية..
كنا نراه في شكل شهيد..
وبأشياء كثيرة أخرى
وكان الفهيمي ينصت ويتابع
ويكلمنا عندما يضطر إلى مغادرة المقر، ليسأل عن تفاصيل ما نفعل …
.. في المسار اليومي، وعندما ترتطم الأمزجة الريفية الهادرة، كانت له القدرة على أن يجد ضفة هادئة
وصوتا هادئا لكي يتحدث إلى الجميع..
كان يجد دوما النبرة ووسيلة الإقناع لكي يجلب إليه أذهان الغاضبين
والثائرين والذين يطمحون إلى الأفضل، في وضع تنظيمي ليس هو أجمل ما لنا..
في تلك السنوات، التي لم ينسني إياها كل ما تعاقب علي من عقاب أقنعنا الحسين الفهيمي أن صلاة المناضل، هي نزاهتك السياسية..
إلى جانب شيمه العالية كلها، يمتلك الحسين، قدرة هائلة على الدعابة، وانحيازا فطريا إلى المرح..قد يكون من الوفاء القول إن الحسين أثر في كثيرا، بحسه المؤسساتي، فهو فعليا، من الذين يعلوون من شأن المؤسسة، مهما اختلف معها، بل ربما مهما صارعها..
يميز بين الذي يبقى رغم كل شيء: القناعة الجماعية..
والذي يجب أن يتلاشى بالرغم من كل شيء: الذاتية..
وبالرغم من كل ما حصل معه، طوال مساره، لم يعلمنا أبدا أن نتذمر أمام المناضلين القادمين إلى حديقتنا، بطراوة الندى والنضال، كان يترك لنفسه الكثير من أعطاب السياسة والتنظيم ويحثنا على ما يجب أن يستمر..
**** **
كثيرون، مرقوا في الذاكرة: محامون أشاوس، ومناضلون بلا مضاهاة..
بيد أنه سيصعب علي ألا أذكر جيلي..
جيل الانتقال الاحتياطي..!
وهنا أخص بالذكر، العزيز حسن محب، شافاه لله، له مني حضن الوردة وحرارة العناق……

الكاتب : عبد الحميد جماهري - بتاريخ : 15/04/2019

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.