أضحى العيد .. وقدرات الناس منهكة ..

مصطفى المتوكل الساحلي

كان الناس يستعدون، بفرح وحماسة، لكل المناسبات من الأعياد الدينية والأعراس والولادات الجديدة والدخول المدرسي وحتى ختان الأطفال، ويتعاملون، بسخاء وترحاب، مع زوار البيوت والضيوف حتى وإن أقاموا شطرا من العطلة أو أغلب أيامها، وكانوا يجدون بجيوبهم ما يسد رمقهم وزيادة في علاقة بأسعار وخدمات معقولة وشعبية .. وحمد الله البعض بالتحلي بقناعة طيبة ورضا روحي بالرزق القليل لايسألون أحدا إلا الله ليبارك لهم في ما رزقهم ويعوضهم بعد القيامة بخيرات الجنان على صبرهم وعفتهم …
في زماننا هذا أضحت كل المناسبات تشكل ثقلا وإزعاجا يطال معنويات ونفسيات الناس بسبب الضربات المتتالية التي تعرضت لها القدرة الشرائية نتيجة ارتفاع الأسعار لدرجة أن أجور أصحاب السلم العاشر أو ما يعدل دخل 7000 درهم لم تعد تكفي، في غالب الأحيان، لسداد المتطلبات الضرورية لثلثي الشهر، فأصبح دخلهم عرضة للاستنزاف بسبب الغلاء والديون المتعلقة بالمعيشة في حدودها الدنيا بحثا عن توازن مالي وهمي، هذا في المدن الصغرى والمتوسطة وبالمراكز القروية أما ما يسمى المدن الكبرى فالوضعية أشد صعوبة، حيث حل بغالبية الشعب نظير لآثار القرارات المنهكة لاقتصادات ومالية الدول نتيجة المبالغة في الاستدانة بشروط مجحفة من صندوق النقد الدولي والمؤسسات المماثلة له.
لقد أضحى العجز المالي والديون حصيلة لامفر منها عند الدخول المدرسي والجامعي والأعياد الدينية، ونخص بالذكر عيد الفطر في علاقة بغلاء المعيشة في شهر رمضان، وعيد الأضحى ومتطلباته المرتبطة بالسنن والأعراف والتقاليد، والمناسبات العائلية والعطل …إلخ .
لذلك وغيره اضطر الناس، حسب قناعاتهم، إلى شراء أضحية العيد بأقساط مالية موزعة على أشهر السنة، الاستدانة من الغير لشراء الأضحية والملابس و … الشراء بالأقساط الممكنة الموزعة حسب تسهيلات البائع …
ويعمد البعض إلى قاعدة لا يكلف الله نفسا إلا وسعها، وأن نبينا ضحى نيابة عن أمته حتى يوم القيامة، وهذا رهين بتفهم العائلة لعدم شراء الأضحية، «بسم الله والله أكبر، اللهم هذا عني وعمن لم يضح من أمتي» حديث .
الغريب أن بعض «المتحدثين» بقصد «الوعظ والإرشاد» من منابر مختلفة يجنحون إلى جعل بعض السنن إلزامية وإجبارية مع اخضاعها لشروط لا تتيسر إلا لميسوري الحال لشراء كبش أقرن وأملح .. ، ومنهم من يعتمد نصوصا تحول الأضاحي إلى مطايا على الصراط المستقيم تيسر الدخول للجنة، وأنه بكل شعرة حسنة وبكل شعرة من الصوف حسنة وبكل قطرة دم يغفر ما سلف من الذنوب ؟! كما «ينصحون «بأهمية لبس الثياب الجديدة والجميلة، والتعطر والتجمل، وهم يعلمون أن أغلب المخاطبين لايستطيعون توفير قوتهم اليومي ناهيك عن شراء الثياب وشراء اللحوم طوال السنة و…
إن الناس أصبحوا ضحايا بين المستغلين للدين لأغراض لاتخفى على كل من يتتبع الحياة العامة في ارتباط بسياسات الوعظ وتلقين «فهم» وتوجه خاص ببعض الجماعات، التي ترى أنها الأصدق وأنها الفئة الناجية ؟ وضحايا المنتهزين للمناسبات الدينية التي لها مكانة خاصة عند المسلمين فيرفعون الأسعار بكل الطرق المنهي عنها شرعا وقانونا، كي يحققوا أرباحا ترضي جشعهم على حساب الضعفاء وأصحاب الدخل المحدود وحتى من الميسورين، ضحايا السياسات التي تعتمد تحرير الأسعار وتتساهل مع ارتفاعاتها …
ونحن نتحدث عن التضحية فالمفترض، منطقا وعقلا وشرعا، أن يعفى الفقراء والمساكين والضعفاء من التضحية بكل أشكالها، لقد تمت التضحية بالقدرة الشرائية، بسبب ضعف تعويضات المعاش وهشاشة الحد الأدنى للأجر وتجميد الأجور و .. في مقابل تحرير الأسعار التي همت الخضر والفواكه والبقالة والألبسة وتكاليف الدواء والعلاج والتعلم والتنقل لدرجة عجز الناس عن شراء حاجاتهم حتى من البصل والطماطم والجزر و… أما بهائم الأنعام وأثمنة لحومها طوال السنة فحدث ولا حرج …
وليس لنا رغم كل هذا وغيره إلا أن نتقدم للشعب المغربي والأمة الإسلامية بأحر التهاني وأصدق التبريكات بمناسبة عيد الأضحى المبارك، ونسأل الله أن يرفع عن الناس الجفاف والفقر والخصاص والظلم الاقتصادي والاجتماعي ..

الكاتب : مصطفى المتوكل الساحلي - بتاريخ : 27/06/2023

التعليقات مغلقة.