«الحراز» ..أنشودة المسرح المغربي التي فجرت مكنون الإبداع التراثي

 

كما يشير الباحثون إلى ذلك قد تكون قصيدة “الحراز” من بين أشهر القصائد في بحر فن الملحون، هذا اللون الإبداعي الذي يشير الباحث المغربي الأستاذ أحمد سهوم في كتابه ” الملحون المغربي “، إلى أن نشأته عاصرت حقبة الدولة المرابطية، وتعزى شهرتها كونها تعدت الحدود الجغرافية للمغرب وانتشرت في جل أقطار شمال إفريقيا، وقد كتبها الشاعر المغربي المكي بن القرشي الأزموري، ابن أزمور، الذي يعد من قامات شيوخ الملحون، له قصائد عديدة منها ” العاشقة مولات التاج ” و” الطامع في زوجة أخيه ” و”خصام الباهيات”، وغيرها من القصائد التي كانت تجد صداها عند فناني الحكي في الساحات الشعبية، كجامع الفنا والأسواق والساحات المتخللة للمدن، المحتضنة لفنون الحلقة بكل تلاوينها …
قصة جميلة وإن كان تأطير بنيتها عشقيا، فهي تعالج مواضيع مطروحة في حياتنا، كالطمع وآفة السحر والدجل، وما يرتبط بذلك من شعوذة ودخول في تخاريف تسخير الجن وما إلى ذلك، لكنها في نفس الوقت تنتصر للنضال والمثابرة التي تسحق كل تلك الترهات لتحقيق العدالة، في النهاية تصور القصة تجاذب الخير والشر في قالب أنشودي بديع يفتح الشهية أمام المغني والمسرحي والسينمائي كي يتناولها في أعماله، خاصة وأن أطوارها تدور وسط موقع جغرافي مغر جدا بمنظر خلاب، ويتعلق الأمر بقصر مابين الوادي والبحر و الاخضرار، وبحسب الباحثين في مجال الملحون، فإن القصة تدور بمدينة أزمور ما بين البحر ووادي أم الربيع .
وتعني كلمة “الحراز”، بحسب الشارحين دائما، الساحر أو الدجال، وقد قدم بطل الرواية، أي “الحراز”، من الحجاز، وهو مولع باقتناء الحسناوات خاصة اللائي يُجدن الغناء والصنائع، فأصبح متيما بالحسناء عويشة، التي ما إن وضع يده عليها، حتى أبعدها عن الجميع وحجب عنهم رؤيتها، واضعا إياها في قصره المحصن جدا وسط البساتين والأشجار، والمدجج بالعسس والحراس، عويشة لها حبيب كانت تنتظر عودته بعد أن غادر المنطقة في رحلة عمل، لكن “الحراز” أقنع عمها بأن يزوجها له مقابل الحصول على نصيب من إرثها .
العشيق عند عودته من رحلته سيعلم بالأمر، وسيظل يبكي حظه السيء بجنبات دار “الحراز” في انتظار فرج ما، خاصة وأن “الحراز” له حظوة، وهو متمكن من أفعال السحر والشعوذة.. بمعية أبناء المنطقة الذين يعلمون علاقة العشق التي كانت تربط بين العاشق وعويشة، وسيلجأ إلى عدة حيل تحكيها القصيدة قصد الدخول إلى القصر وتحرير العشيقة من يد “الحراز” الظالم، لكن كل محاولاته مع الأصدقاء من أجل بلوغ الهدف ستبوء بالفشل، إلى أن تدخل عويشة وتضع خطة محكمة للتخلص من هذا المستحوذ، وهنا يريد الشاعر أن يبرز ذكاء المرأة وقوتها وقدرتها على المجابهة.
من أبيات هذه القصيدة على لسان العاشق التي تغنى بها معظم شيوخ الملحون، وحتى فنانون في الأقطار المجاورة :
حراز حكيم من الحجاز
طلع للغرب عل البراز
قاري جردابية ديال رومان الزرق يافهيم
وميسر كذا من حكيم
قاري علم التنجيم
ومعلم ف حرب النسا
وسالباه الجلسة بين البنات
جايل عنهم طول الحياة
جال مدن وقريات
خاصاه غزالة عنها يدور
فتش المداين والدشور
يوم وصل لازمور صاب بنت ظريفة
عذرا وباهية ولطيفة
ف العود كتخبل وتصيح معه بالحجازي
وشغول الشام صايلة بيهم عن جميع الريام
وعيوط الغرب مع الكلام
وبنت اثناعش عام عندها فعمرها
عذرا مخنترة فصغرها عندي كابرة ف العشرة
ولا تطيق عني صبرة فكل يوم ما تخطاني
حتى جا الحراز مطور ف البلاد
باعوها لو حساد
كيحسدوني في هلال الاعياد
عمل عنها الارصاد ف القصر
وسكن بين الواد والبحر
وتملك بها وملكاتو الغزالة العذرية
آمن هو يصغى لي .. كيف جرى بين العشيق وعويشة والحراز .. حراز حكيم من الحجاز…
القصيدة طويلة وطويلة جدا لأنها تتضمن كل الأحداث وتفاصيل الحيل التي لجأ إليها العاشق لتحرير المعشوقة. بالإضافة إلى أهل الملحون، هذه القصيدة قدمتها مجموعة ناس الغيوان في أحد ألبوماتها، قبل وفاة المرحوم بوجميع، حيث أنشدها بشكل رفيع المايسترو علال يعلى لأنه يحفظها من ألفها إلى يائها .
وكما أشرنا فالقصيدة انتبه إليها العديد من المبدعين المغاربة وفتحت شهية المسرحيين، ونعلم أن الجمهور المغربي شاهدها مسرحيا عندما قدمها الأستاذ الطيب الصديقي في بداية السبعينيات، وتركت أثرا جميلا عند المتلقي، خاصة وأن أبطالها كانوا أعضاء من مجموعتي ناس الغيوان وجيل جيلالة ” يوجميع، العربي باطما، عمر السيد، ومولاي الطاهر الأصبهاني “، بمعية وجوه فنية نفتخر بها كمحمد مفتاح والحسين بنياز وحميد الزوغي وغيرهم، بل إن هذا العمل فتح شهية الشباب للبحث عن مكنون تراثه.. وفي الحقيقة كان أول من كتب هذا العمل وأخرجه هو المسرحي عبدالسلام الشرايبي، وكان قد طلبها منه المرحوم الحسن الثاني، وأول فرقة قدمتها على خشبة المسرح هي فرقة الوفاء المراكشية مابين سنتي 1967 و 1968، وفي أول عرض تم تقديمها كانت أمام الراحل الحسن الثاني وسفراء المغرب بالمملكة، قبل أن تنطلق بها الفرقة في جولة عبر ربوع المملكة، من أهم من مثل فيها إذاك محمد بلقاس وعبدالجبار الوزير ومحمد الشحيمة وثلة من الفنانين المقتدرين بالمدينة الحمراء، لكن دور الفتى الأول أي العاشق فقد جسده الفنان الكبير مولاي عبد العزيز الطاهري، أحد مؤسسي مجموعة ناس الغيوان وفنان جيل جيلالة في ما بعد، وقد أنيط به هذا الدور، وهو اليافع الذي لم يكن عمره يتجاوز 17 سنة، العجيب أنه سيتحمل دورا بطوليا في تلك السن، وأمام من؟ أمام نخبة محترفة من طينة الأسماء التي ذكرت، بل الأدهى أن العمل سيعرض على أنظار الملك وضيوفه، لكن عبد السلام الشرايبي، المسرحي الدقيق، كان يعلم من هو هذا الشاب، فمولاي عبد العزيز الطاهري ينتمي لعائلة لها باع في الذكر والأداء الشفهي وغيره، عائلة ميالة للفنون والإبداع، وكان هو من حفظة الملحون وفنون القول، كما كان إبانها يدرس الفن بما يحتويه من رقص وأنغام، وما إلى ذلك .. وقد عرف العمل نجاحا باهرا سيجعل الطيب الصديقي يطلب من الشرايبي إعادتها بإخراجه، وهو ما تم، وللصدفة فهذا الاتفاق هو ما سيخلق لنا في ما بعد ناس الغيوان وجيل جيلالة، وكأن الصديقي والشرايبي كانا يهيئان لمستقبل أغنية جديدة لم تكن في الحسبان، وسيصبح لها شأن في الزخم الفني الوطني، وستفتح الباب على مصراعيه لفنانين آخرين سيوظفون فنون التراث في أعمالهم .
عندما كان الصديقي يعد مسرحية “الحراز” بإخراج جديد من إبداعه، سيعتمد على شباب يعملون معه في المسرح، وكان على الفرقة أن تحفظ أغاني المسرحية، وهنا تم التشاور بين الصديقي والشرايبي فاقترح الأخير اسم مولاي عبدالعزيز الطاهري ، لكونه يحفظ عن ظهر قلب هذه المسرحية وقصيدتها وأيضا مقاطع الملحون الأخرى التي وظفت في هذا العمل، الذي كان بطلا فيه، وبالفعل تم الاتصال بالطاهري الذي كان قد انتقل إلى الدارالبيضاء مشتغلا في إحدى المؤسسات، للقيام بهذا الواجب، هنا كان التقاء العمالقة: بوجميع ،عمر العربي والطاهري، الذين سيؤسسون في ما بعد للأغنية الغيوانية أو المجموعاتية…


الكاتب : العربي رياض

  

بتاريخ : 23/01/2024