ما يخفى عن العالم حول فيروس كورونا المستجد

تبقى الشكوك المتعددة والأسئلة المطروحة، حول الفيروس المستجد دون إجابة، متراوحة بين أعراض الفيروس إبان العدوى، عن قابلية إصابة الأطفال بالفيروس، عن كون الفيروس المستجد موسميا، عن المسارات العلاجية المتبعة، عن تقييم مسافة الأمان الصحيحة، كلها شكوك تحوم حول فيروس كورونا المستجد، في الوقت الذي تشهد فيه بعض دول العالم، إجراءات الرفع من حالة الطوارئ الصحية، وحالة الحجر الصحي لكوفيد-19.
تشهد فرنسا حاليا، انطلاقا من اليوم الإثنين12 ماي، العمل بإجراءات الرفع من حالة الحجر الصحي، في وقت كثرت فيه الشكوك، حول سلوك الفيروس المستجد، وقدرة الدولة على وقف الجائحة، وخفض مستوى التواصل بين الأفراد، إضافة إلى التصدي لعوامل العدوى المحتملة. منذ ما يقرب من 4 أشهر، عكفت السلطات العلمية، على فهم تفاصيل هذا الوباء، ولكنها أبعد ما تكون، عن إيجاد أجوبة تشمل كل الأسئلة، المرتبطة بماهية فيروس «Sars-Cov-2»، واستعراض القضايا العلمية المعلقة، بخصوص الجائحة في هذا المقال.

 

1- من بين الأسئلة المرتبطة بالفيروس المستجد، ما يتعلق بمدى سطوة أعراضه على المصاب، و ما يعرف عن مستواها ودورها في انتشار الوباء؟
يجيب دانييل ليفي-برول، رئيس وحدة الأمراض التنفسية، بالمعهد الفرنسي للصحة العامة، الذي يحتوي على ما بين، 20 إلى 50 في المئة من المصابين، بشيء من عدم اليقين: «بالنسبة لفرنسا، ستكون لدينا فكرة أكثر وضوحا، في حال توصلنا بنتائج الدراسات الاستقصائية، الوبائية-المصلية (لقياس نسبة الأجسام المضادة في الدم) فور إتاحتها لنا. ستمكننا هذه النتائج، من التعرف على عدد الإصابات، رقم سيسمح لنا بتقدير عدد الحالات، على وجه الدقة»، إذ يعتقد بأن الحمل الفيروسي للأشخاص غير المصابين، لا يختلف كثيرا بالنسبة للأفراد المصابين. ويضيف: «من المحتمل أن لمدى العدوى، علاقة بالتعريف السريري للمرض. ففي حالة السعال و العطس، ترتفع مستويات العدوى، مقارنة بالشخص السليم أو الخالي من الأعراض».
يقول البروفيسور «زافييه دوفال»، من مركز التحقيقات السريرية، في مستشفى بيشات (AP-HP) بباريس، ب»إن تحديد النسبة المئوية لحاملي الأعراض، ترتكز على العديد من المؤشرات، لا سيما منها دورة حياة الفيروس، لدى المجموعة المختارة للدراسة، وملفها التعريفي وتقنية الاختبار، ناهيك عن الأعراض المؤثرة لكوفيد». وبالتعاون مع فريقه البحثي، يسعى البروفيسور دوفال، لدراسة مجموعة محتملة من المصابين، لها علاقة صلة بأحد الأشخاص إيجابي الإصابة، تم تشخيصه خلال مسح تتبعي، في بدايات الجائحة الوبائية بما في ذلك «مجموعة من مصابي «مونتجوا»، بمنطقة «هوت سافوا»، أو عند متابعة الأطر الطبية المصابة بالعدوى، في دراسة تشمل قرابة 300 مشارك مقرر. ويردف : «إن تقديراتنا المبدئية، في الظروف التجريبية، و استنادا إلى النتائج الأولية، تبين أن بعد الاتصال القريب وغير المحمي، عادة لمرة واحدة بالمصاب الإيجابي بالفيروس، فإن عدد المصابين يرتفع إلى خمسة أشخاص، وإن 20% من المصابين بالعدوى، لا يظهرون أي أعراض للإصابة بالفيروس». وقد لخص البروفيسور، أن أعراض الإصابة بالفيروس، بالرغم من ابتذال بعضها، على غرار آلام في الرأس تؤخذ في الحسبان، و تساهم في زيادة الوعي بخصوص الجائحة.
تظهر هذه الدراسة الفرنسية، أن بعضا من الأفراد لديهم قابلية، لفرز الفيروس قبل ظهور أعراض الإصابة عليهم، مهما كانت صغيرة وبسيطة، وفي حالة ما إن ظهرت مؤشرات الإصابة عليه. بالنسبة لحجم الأفراد، سواء الذين أو لم تظهر عليهم، أعراض العدوى القادرين على نقل العدوى الفيروسية، يبلغ ما يقرب من نصف عدد الحالات، المصابة بالفيروس المستجد أي بنسبة 44% منهم، بحسب دراسة صينية منشورة بتاريخ 15 ابريل، في المجلة الطبية « Nature Medicine»، تغطي حوالي 100 مريض.
2- يتعلق التساؤل الثاني، بخصوص قابلية صغار السن، ولاسيما الأطفال منهم، على نقل العدوى للمحيطين بهم؟ و يبدوا أن صغار السن، معرضون بدورهم للإصابة بفيروس كورونا المستجد، كحال البالغين كذلك. إذ تذكر المعطيات الصحية، أن الأطفال من كوريا الجنوبية و أيسلندا على سبيل المثال، قد سجلوا نسبة إصابات تبلغ 6.7% للأقل من 10 سنوات، ونسبة 14% لمن هم أكثر من 10 سنوات. و في تحليل آخر، قدمه البروفيسور كريستيان دروستن، من مستشفى «شاريتيه» الخيري ببرلين، أوضح أن المصابين بكوفيد المستجد من الصغار، لم يظهروا حمولة فيروسية، مختلفة عن الكبار في السن.
على الصعيد الدولي، يمثل عدد الأطفال المصابين، بفيروس كوفيد-19 ما بين 1% إلى 5%، من إجمالي الإصابات المسجلة، كما يظهرون تطورات خطيرة أقل، و أعراضا مرضية ليست بالسيئة. يلاحظ تسجيل فرنسا، ما بين 1 من مارس و إلى غاية 24 من أبريل، نسبة إصابة للأقل من 18 سنة، قاربت 0.16% من الحالات التي أدخلت للمستشفيات، وبنسبة 0.04% للحالات المتوفية، بسبب تفاقم الأعراض المرضية، خلال استضافتهم في المستشفيات. لحدود الساعة، ما زالت المعلومات، حول دور الأطفال في نقل العدوى، شحيحة وغير واضحة المعالم. بيد أن انتقال العدوى، يستند إلى الأعراض الظاهرة وشدتها، كما يتبين من دراسة الدكتور «لاي لوه»، من «مركز السيطرة على الأمراض و الوقاية منها» في جزيرة «قوانغتشو»، حول انتقال العدوى نحو الأقارب، فعلى عكس ما قيل في بداية الأزمة الوبائية، وقياسا لفيروسات أخرى مثل «الإنفلونزا»، فإن الأطفال ينقلون العدوى بشكل أقل، على غرار ما استنتجه، المعهد الفرنسي للصحة العامة، حيث قال:»في العديد من السيناريوهات، كانت أغلبية الأطفال (قرابة 90%) من المصابين بالمرض، قد تعرضوا للعدوى عبر الاتصال بأحد البالغين، على مستوى العائلة الصغيرة».
على الجانب الآخر، يلاحظ أن انتقال العدوى الفيروسية، لدى المراهقين ممن يرتادون المدارس، تبدوا أعلى من نسبتها في داخل الأسرة، بحسب ما جاء في إحدى الدراسات، للكشف عن مضادات الأجسام ضد كوفيد-19، أشرف عليها فريق بحثي برئاسة أرنو فوتانيت (معهد باستور)، في منطقة «كريبي اون فالوا»، حول ثانوية سجلت بها حالتان في أوائل شهر فبراير، في منطقة كانت من أوائل بؤر الفيروس في فرنسا. وقد أظهرت الدراسة، أن أجسام طلاب الثانوية، قد أنتجت قرابة 38% من الأجسام المضادة، مقارنة بنسبة 43% لدى المعلمين، وبنسبة 59% لدى الأطر الإدارية، كعلامة على دورة حياة مهمة للفيروس داخل المؤسسة، إلا ان هذه المعدلات، هي أعلى من المسجلة وسط عائلاتهم، أي بنسبة 10% لدى الوالدين، و 11% لدى الإخوة. تهدف دراسات أخرى، على تقييم مستوى الخطورة، ففي هذه المرحلة من البحث، بحسب المؤسسة الفرنسية «يصعب تقييم مستوى انتشار الفيروس»، خلال ورقة بحثية نشرت أوائل شهر ماي. ولذلك، «فإن تقييم دور الأطفال، خلال فترة رفع الحجر الصحي، لا يمكن تأكيده بسهولة».
من جهة أخرى، أعلن عن نمدجة وبائية، تهدف لتقييم مدى كفاءة النظام الإنعاش في «إيل دو فرانس»، متطرقة للعديد من السيناريوهات، حول إعادة فتح المدارس، التي سبقت هذا القرار المعلن عنه يوم الخميس الماضي. في السابع من ماي الحالي، أعلن الوزير الأول الفرنسي، أنه سيشرع في عملية الرفع من الحجر الصحي، بشكل تدريجي إنطلاقا من 11 من ماي. توقعت مجموعة بحثية، تابعة ل»جامعة السوربون»، تشرف عليها «فيتوريا كوليزا» و «بيير إيف بويل»، بان استئناف الدراسة في رياض الأطفال لوحدها، سيحشد قرابة 72% من القدرة الاستيعابية للمستشفيات، اعتمادا على هيكلتين اساسيتين، إما أن تعتمد على الاستمرار في إغلاق، المدارس الأخرى حتى العطلة الصيفية. أو أن تستند على إعادة فتح 25% من الإعداديات و الثانويات، مع زيادة في عددها بوتيرة ثابتة، على مدى الأسابيع المقبلة. في الناحية المقابلة، فإن استئناف تدريس مجمل التلاميذ، إبتداءا من يوم 11 ماي، قد يعرضهم لموجة ثانية من الجائحة تشبه الأولى، إلا في حالة تقنين نسبة التلاميذ في القسم الواحد، بما لا يتجاوز نسبة 50% من سعة القسم.
3 يرتبط السؤال الثالث، بقدرتنا على التعرف على الأفراد، المساهمين بشكل أو بآخر في نشر الفيروس على نطاق واسع؟. إن انتشار الجائحة على مدى واسع، قد أنسى البشرية إلى حد ما، أن هناك ما يختفي وراء «متوسط المعدلات»، أي التباينات الفردية الكبيرة. إن المتغيرات القوية، في معيار التكاثر الأساسي «آر0»، الذي يمثل متوسط عدد الأشخاص الذين يمكن ان ينتقل إليهم الفيروس من حالة قائمة بالفعل، ليست سوى عنصرا وبائيا رئيسيا في فهم و رصد الوباء (فوق 1 يعني تطور المرض، تحت 1 يعني توقفه)، غير ان هذا المعيار لا يمثل سوى المتوسط، ولا يمنع الأفراد من زيادة نشر العدوى، او على عكس ما يظهره متوسط معيار التكاثر الأساسي «آر0».
هكذا، فمن المرجح جدا، أن سلاسل انتشار قديمة للفيروس، قد توقفت من تلقاء نفسها، خلال قترة لم يكن هناك حديث عن جائحة، لأن معيار التكاثر الأساسي، لم يتجاوز عتبة 1، على غرار ما ذكره «صامويل أليزون»، الباحث في المهد الوطني للبحوث العلمية (CNRS)، في مختبر الأمراض المعدية والأمراض المنقولة بمدينة مونبولييه الفرنسية. فعلى العكس، فمن المعروف أن الأوبئة، تتسم بمواصفات «الانتشار الفائق»، والتي يعادل معيار التكاثر الأساسي لديها متوسط «آر0»، مسببة بذلك في تفشي المرض. نشرت المجلة الدولية للأمراض المعدية، خلال سنة 2010 مقالا يسلط الضوء على الموضوع، ذكر فيه عالم الأحياء «ريتشارد شتاين» من جامعة «برينسيتون»، بقاعدة مفادها أن نسبة ضئيلة، قد تقرب من 20% ستسبب قرابة 80% من الإصابات، على غرار ما حدث في سنة 1992 في «مينابوليس»، حيث كان شخص واحد مسئولا عن 35% حالات الإصابة بداء السل. ولذلك، فمن الممكن، أن يكون لهذه الأحداث، تأثير على تطور الوباء، مما يجعله أكثر انتشارا، لأن المعيار يصعب التنبؤ به، بيد أن المختصين ليسوا على دراية، بالرابط المشترك بين المستضيف و الفيروس و المجال، كما ان تهديد ما بعد رفع الحجر الصحي لا زال قائما، مجبرا إيانا على الاستمرار في الحد من التجمعات.
4- يتعلق السؤال الرابع، بإمكانية القضاء على الفيروس، وذلك بحلول فصل الصيف؟. تظهر أمثلة على التهابات الجهاز التنفسي الأخرى، حدوث تطور موسمي لهذه الأمراض، خصوصا مع رحيل فصل الصيف وتحديدا في الرطوبة. في سنة 2010، أبان عالم الأوبئة الأمريكي، «مارك ليبسيتش» من جامعة «هارفرد»، عن هذا الترابط الإيجابي للإنفلونزا أو الزكام الموسمي، لكن البروفيسور بيير إيف بويل، قد أعقب بهذا الخصوص قائلا: «ليس الأمر ساريا دائما على الفيروسات الجديدة. إننا نتذكر سنة 2009، تحديدا في فصل الصيف، الذي لم يستطع إيقاف انتشار الإنفلونزا من نوع «أ»، التي تحركت و انتشرت بصمت، قبل أن تظهر مرة ثانية في نهاية أكتوبر، وحتى قبل الإنفلونزا أو الزكام الموسمي». فهل لفيروس كورونا المستجد نفس الطبع الوبائي؟، ربما يعود الأمل، فيما يخص علاقة الفيروسات بالحرارة، إلى دعوى أن البلدان «الاستوائية»، بدت اقل تأثرا بالفيروس المستجد، إلا أن الأمر لم يدم، لينتشر فيروس كورونا بالبرازيل، وبلدان أخرى من نصف الكرة الأرضية الجنوبي.
في 28 من ابريل، تمكن فريق بحثي تابع لجامعة بكين، من تحليل بيانات قرابة 160 بلدا، في ورقة بحثية نشرت في «Science of The Total Environment»، أشارت إلى علاقة محتملة، بين الفيروسات وإنتشارها، وحرارة الجو و الرطوبة، مؤكدة ان درجة حرارة واحدة إضافية، قد تقلل مستوى الإصابات اليومية، بما بين 1.5% إلى 4.6%، وأن زيادة في الرطوبة بنسبة 1%، تخفض من عدد الإصابات، بما بين 0.5% إلى 1.2%. إلا ان الباحثين قد حذروا، بأن «الجائحة يمكن قمعها جزئيا، بسبب ارتفاع درجات الحرارة و الرطوبة، (…) يجب اتخاذ تدابير فعالة، للسيطرة على مصادر العدوى، والحد من انتشارها و توسعها، لمنع تفشي الأمراض مستقبلا». في ورقة بحثية، نشرت في موقع «Medrxiv.org»، نشرت في 7 من ابريل، توقع فريق بحثي من معهد «برينستون»، من خلال تحليل بيانات لمحاكاة وبائية، أن عدد الإصابات قد يرتفع في فضل الصيف الحالي، في غياب إجراءات و تدابير الرقابة. وأخيرا، قام فريق برازيلي، في 27 من أبريل الماضي، بنشر ورقة بحثية أخرى، غير مراجعة أو مصادق عليها، من قبل الخبراء في المجال، تراجع ما يقرب من 17 مقالا على علاقة بالموضوع، مستنتجة بأن تغير الأحوال الجوية، قد لا يعني إمكانية إيقاف الجائحة.
5- يرتبط السؤال الخامس، بتوفر اي خيوط طبية متينة، من الممكن ان توصلنا لعلاج مستقبلي للفيروس المستجد؟. لحدود الساعة، لا يوجد أي علاج دوائي، قد أبان على نتائج مبهرة في مواجهة كوفيد-19. على صعيد آخر، تتم دراسة العديد من المناهج، كالمضادات الحيوية، ومتغيرات المناعة، الأجسام المضادة في البلازما، و الأدوية الصينية التقليدية… إلى غاية اليوم، ما زالت الدراسات تظهر يوميا، في المجلات الطبية المتخصصة، إنتاج علمي ينبغي التعامل معه بحذر، حيث ان قلة من الدراسات السريرية، تستند إلى معايير عليا و عالمية، بالنسبة للعلاجات الدوائية المقترحة، في مواجهة العلاج الوهمي، و إعطاء الدواء المقترح لمجموعة من المرضى مختارة او عشوائية، ودون ان يكون الطبيب و المريض على دراية مشتركة بفحوى الدواء.
في 8 من ماي، نشرت مجلة «The Lancet»، دراسة تستند بشكل قريب لهذه المعايير، تظهر فعالية العلاج الجامع بين «الإنترفيرون بيتا-1بي»، مع «لوبينافير-ريتونافير» و «»ريبافيرين»، فهي الدراسة الأولى، التي أبانت عن تأثير مضاد للفيروسات، بالكاد مشكوك في صحته بحسب الصيدلي، «ماثيو موليمارد» من جامعة بوردو، إذ يبدو ان هنالك تراجعا، في طول الإقامة بالمستشفى، لكن ينبغي تأكيد ذلك، من خلال دراسة في المرحلة الثالثة. يذكر بأن مجموعة مستشفيات «AP-HP»، قد شهدت نتائج ممتازة مع «توسيليزوماب» في الحالات الخطرة، إلا أن هذا الإعلان سابق لأوانه باستثناء النشر العلمي، أدى إلى استقالة المجلس العلمي المشرف على الدراسة، إلا ان التجارب السريرية لا زالت مستمرة.
في الولايات المتحدة الأمريكية، ابلغ «المعهد الوطني للحساسية و الأمراض المعدية»، بدوره عن نتائج سريرية مشجعة، تتعلق بانخفاض عدد المقيمين في المستشفيات، المستخدمة لعقار «ريمديسيفير» في وقت مبكر، لكنه أعترف بان نسب الوفيات مازالت على حالتها، كما أوضحت إحدى الدراسات الصينية، المنشورة في «The Lancet». وأخيرا، فيما يتعلق بالعلاج الذي أوصى به، البروفيسور «ديدييه راووت»، مدير «المستشفى الجامعي للأمراض المعدية» في مارسيليا، بدمج «الهيدروكسيكلوروكين» و «أزيثروميسي»، لم تؤكد أي دراسات معروفة، الغاية العلاجية من دمج العقارين، بيد أن اليقظة الدوائية تحذر من الدمج بينهما لآثارهما الضارة، بما في ذلك المضاعفات القلبية.
6- يتعلق السؤال السادس، بمسافة التباعد الجسدي ما بين الأفراد في المجتمع، وهل هناك مسافة دقيقة يمكن احترامها؟. بحسب منظمة الصحة العالمية، فإن مسافة التباعد الجسدي بين شخصين، يجب أن لا تقل عن 1 متر، مسافة تحترمها فرنسا و بلدان أخرى، باعتبارها مسافة أمان معمول بها منذ سنوات في هذا البلد، ليس فقط في مجال الأوبئة و الأمراض، وإنما أيضا في مجالات الأمن الصحي على العموم.إلا أن الحال يختلف بالنسبة لدول أخرى، كألمانيا و بلجيكا و هولندا المتبنية لمسافة 1.50 متر، وأمريكا و المملكة المتحدة لمسافة 6 أقدام (1.83 متر)، وبإيطاليا لمسافة 2 أمتار على الأقل، ما يظهر اختلاف النهج المعمول به، بخصوص مسافة التباعد من بلد لآخر.
بغض النظر، عن متوسط المسافة لدى الدول، فإن الهدف يكمن في الحد من خطر انتشار فيروس كوفيد-19، الذي ينتقل في المقام الأول ما بين الأشخاص. وفقا للمركز الأمريكي لمكافحة الأمراض (CDC)، فإن «انتقال العدوى يستند إلى انتشار قطرات الرذاذ، من الشخص المصاب حين العطس آو السعال، وخاصة أثناء الحديث في وجه شخص آخر، التي قد تستقر في المداخل التنفسية للمصاب المحتمل، ثم تكمل رحلتها إلى الجهاز التنفسي البشري». للتذكير، فإن العدوى الفيروسية، تنتقل أيضا من خلال مصافحة المصاب، أو عبر براز الشخص المصاب، كما يمكن ان تنتقل، بشكل غير مباشر، عبر ملامسة الأسطح المصابة، او عبر الهباء الجوي، كما اقترحته بضعة دراسات.
في الواقع، فإن السؤال حول متوسط المسافة، ليس بسيطا كما يبدو. فكما نعلم، فإن الغالبية العظمى، من قطرات رذاذ المصاب بالعدوى، تتفرق على مدى دائرة بقطر 1 إلى 2 متر، علاوة على انعدام اليقين، في العثور على جزيئات للفيروس خارج هذا المدى، مبعثرة هنا و هناك بالرغم من ضعف احتمالية ذلك. وقد أظهرت دراسة، لمعهد «ماساشوست» للتكنولوجيا (كامبريدج)، بتاريخ 26 من مارس، انه في ظل ظروف معينة، فإن قطرات السعال أو البصاق تحتوي على مسببات المرض، التي قد تنتقل لمسافة تبلغ 8 أمتار، في شكل سحابة صغيرة من الرذاذ.
يقول «المجلس الأعلى للصحة» بفرنسا: «كقاعدة عامة، ينصح بتوفير مسافة 4 أمتار مربعة، ما بين كل شخص إن توفر ذلك». من الواجب أيضا، «الحذر و العمل بإجراءات التباعد الاجتماعي، وتوفير مسافة جيدة خلال الأنشطة الرياضية، مع تهوية مستدامة و متجددة»، هذا لأن «القطرات المنبعثة من المصاب، ذات خطر كبير ويمكنها نقل العدوى»، كما يجب ترك مسافة تبلغ 10 أمتار، ما بين الأفراد في حالة، ممارسة رياضة ركوب الدراجة الهوائية أو الهرولة، بحسب وزير الرياضة الفرنسي.
7- يتمحور السؤال السابع، عن شخصية الأفراد، المصابين بالعدوى أثناء فترة الحجر الصحي؟. بحسب أرقام المديرية العامة للصحة، فإن 8آلاف و 674 اختبارا جديدا للفيروس، قد تم تسجيلها ما بين الأول و 9 من شهر ماي، في فرنسا. فبالرغم من إجراءات التباعد الصحي، يقدر بان عدد الإصابات اليومية، قد يتراوح ما بين 3 آلاف و 4 آلاف إصابة، بحسب عالم الأوبئة «دانييل ليفي برول»، كما تعقب البروفيسورة «آن كلود كريميو» حول الموضوع: «إن أعداد الإصابات حاليا، أقل من ما شهدناه منذ ما يزيد عن شهر، لكنها مازالت اعلي من الرقم المرجو.
منذ فبراير الماضي، استنتجت الدراسات الصينية، المتعلقة بالعدوى ما بين 3 أفراد أو أكثر، بأن 80% من الحالات تكون عائلية. نفس الحال، بنسبة لدراسة أخرى بمدينة «هونغ كونغ»، أجريت على 318 مجموعة من المرضى، استنبطت نفس نتائج الدراسة الماضية، كما الحال بالنسبة لتحقيقات أخرى، على علاقة بوسائل النقل. على سبيل المثال، في مدينة «شنجن» الصينية، بلغت نسبة الأشخاص المصابين، بسبب عدوى وحيدة، 11% في والوسط العائلي، مقارنة ب»التايوان» التي سجلت 5%. تقول البروفيسورة «آن كلود كريميو»، بان النسبة لا تتجاوز 1% خارج النطاق الأسري، مستدلة بدراسة لمركز «JAMA Internal Medicine»، كما تردف بأن «ووهان» قد تمكنت، من خفض معيار التكاثر الأساسي «آر0»، من 1.32 قبل الحجر الصحي، إلى 0.32 بعد الحجر الصحي في الفنادق.
يعتقد «ديدييه جيلمو»، مدير وحدة بحثية في معهد باستور، وأستاذ في مستشفيات «AP-HP» بباريس الفرنسية، في دراسة بحثية قام بنشرها، بأن للمستشفيات أيضا، دورها في زيادة انتشار الجائحة، وأن الأطر الطبية خلال تنقلها، قد تتلقى العدوى الفيروسية من المرضى، بشكل اكبر و أكثر خطورة من غيرهم، معتقدا بأن المستشفيات والأطر الطبية بها، لن ترتاح قبل شهر يوليوز من هذه السنة. يعتقد البروفيسور «فيليب فانهيمز»، بأن ممرات المستشفيات، قد تكون المسببة في نقل العدوى بين الأطر الطبية، التي ستؤكدها نتائج منتظرة لدراسة بحثية حالية، قد تسمح بتوصيف تجمعات الحالات المرضية، بحسب حالة المرضى و الأطر الطبية، تنظيم الموارد والبيئة الخارجية…
يعقد «رينو بيارو»، بصفته رئيس قسم الطفيليات، في «بيتيي-سالبيتريير» بباريس، وراعي لشبكة «كوفيسان» في نفس المدينة، بأن فرقه المتنقلة قد أنشأت مؤخرا، قاعدة بيانات لتتبع المرضى ومخالطيهم. يقول أيضا، بأنه يلاحظ خلال عمله تجاوزات عديدة من قبيل، الاختلاط الكبير بين العائلات، بين سكان المنازل و رواد أماكن العمل، ولا يمكن أن نستثني رجال الشرطة و الأطر الطبية وأصحاب الأعمال الصغيرة… فبحسب علمي، لا توجد دراسة استقصائية محددة. يقول: «في بادئ الأمر، قيل للناس أن يبقوا في منازلهم، ما حرمنا من معلومات مهمة تغني مجال عملنا، أما الآن فقد سمح لنا بالحصول على المعلومات، لكن دون أن نزعج المستجوبين، بأسئلة قد تزعج مضاجعهم».
8- يتطرق السؤال الثامن، إلى تعداد الأفراد الذين أنقذتهم، إجراءات الحجر الصحي، وإلى تعداد من لايزالون في دائرة الخطر؟
ساهمت إجراءات و تدابير، الحجر الصحي بفرنسا، من منع وصول عدد الوفيات إلى 62 ألف شخص، أي بانخفاض يقدر ب67% و 96%، بحسب نماذج التي أنجزها فريق، تابع للمدرسة العليا للصحة العامة (EHESP)، لم يتم نشرها بعد. بحسب نفس الدراسة، فقد ساهم الحجر الصحي المنزلي، بتراجع مستوى المتوجهين إلى المستشفيات، بنسبة 78.8% (587 ألف و 730 شخص)، وبنسبة 90.8% لحالات الإنعاش التنفسي (140 ألف و 320 شخص)، متجنبين حالة تشبع نظام المستشفيات الفرنسي. لقد عرفت هذه النماذج الرياضية،
انتقادات واسعة حول صحة أرقامها، لاسيما من قبل «إيريك لو بورغ» و «كانتين دي لاروشلومبير» و «جون فرنسوا توسان»، المشككين في ما استندت عليه الحسابات من معايير، وإنها نماذج رياضية مفتوحة للنقاش. ومع ذلك، يمكننا أن نجزم بالدور الفعال، الذي لعبه إجراء الحجر الصحي، في إنقاذ نسبة كبيرة من الناس، بالرغم من تخوف العديدين من الآثار الجانبية، لهذا التدبير على حماية السكان.
كان من الواجب، على المستشفيات الفرنسية، أن ترفع من قدرة أسرة الإنعاش لديها، على غرار إلغاء العمليات الجراحية المزمع إنجازها. فمنذ بداية الحجر الصحي المنزلي، تراجع عدد الاستشارات الطبية، لدى الأطباء المختصين بنسبة 51%، بحسب أرقام بيان وزارة الصحة الفرنسية، والسلطات الصحية ليوم 7 من ماي، وبنسبة 25% لدى الأطباء العامين، ما بين 13 إلى 26 من أبريل، مقارنة بنفس الفترة من سنة 2019. أشارت دراسة ل»The Lancet»، أجريت في 11 من ماي، بأن معدل عمليات زراعة الأعضاء، شهد انخفاضا بنسبة 91% بداية شهر ابريل، ناهيك عن تراجع ملحوظ، في عدد الزيارات لغرف الطوارئ و غرف المستشفيات، لحالات أمراض القلب و الأوعية الدموية و الأعصاب، التي يمكن أن تمثل حالات طوارئ تهدد الحياة، في بداية فترة الحجر الصحي، مثيرة مخاوف حول تراجع جودة الاعتناء بالمرضى.
في مجال الأمراض السرطانية، كشفت دراسة ل»ألفينا لاي» و زملاؤها (كلية لندن الجامعية)، نشرت في «ResearchGate»، على شكل مقال ما قبل النشر، أظهرت انه سيكون هناك 6 آلاف و 270 حالة وفاة إضافية، للمرضى المصابين بالسرطان، خلال عام واحد بالمملكة المتحدة، و ان 33 ألف و 890 وفاة إضافية، ستجل لدى مرضى السرطان بالولايات المتحدة، خلال نفس الفترة. كشفت دراسة أخرى، لفريق بحثي من «معهد أبحاث السرطان» بلندن، بأن تأخرا بمعدل 6 أشهر، قد يؤدي إلى وفاة 10 آلاف و 555 شخص. يقول البروفيسور جون-إيف بلاي، رئيس الفيدرالية الوطنية لمراكز محاربة السرطان، بأن «هذه التوقعات و التقديرات، تبدوا قريبة جدا من الواقع، على الرغم من صعوبة قياسها بدقة».


الكاتب : ترجمة: المهدي المقدمي

  

بتاريخ : 16/05/2020