الأصل في الأشياء الإباحة …و«الهوى» و«الحاجة» وراء التقنين و التشريع

مصطفى المتوكل الساحلي

قال  تعإلى (أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ) سورة الحج
إن الأصل هو الحرية والإباحة التي فطر الناس عليها منذ بدء الخليقة ..من اجل استمرار الحياة والتغلب على كل الصعاب والوصول إلى كل الحاجات والمتطلبات ولتحقيق كل الرغبات من كل ما تهوى النفس .. هذا بطبيعة الحال كان قبل الرسالات السماوية وتطور العقل البشري ليصبح بالتدرج ينظم وفق نمط عيشه مابين ايديه وما يربطه بمجتمعه  وما يجمعه  مع مجتمعات أخرى  ..
ففي كل أنماط العيش الانساني عبر التاريخ  و مع تطور المجتمعات وتنوع الميولات   وتشكل نخب تنزع إلى  السيطرة للتحكم  أو الزعامة و القيادة …. كان عاملا مباشرا وغير مباشر في انطلاق اليات الضبط  والسيطرة بمنع الاختلاف  وفرض الخضوع والاتباع حتى تبقى المجموعات البشرية البدائية وما يعقبها متماسكة ومطيعة من اجل ضمان الحماية والعيش والتزاوج والاستقرار وفق فهم ومعرفة  الجماعة ..وهكذا سنجد عبر التاريخ تبدلا وتغيرا وتطابقا وتكاملا وتناقضا في معنى الاخلاق والعرف والمقبول والمرفوض من جماعة إلى أخرى مجاورة لها او بعيدة عنها حتى دون ان تعلم بوجودها او  تتواصل معها ..
ومن القواعد  المشتركة بين المجتمعات   الاتفاق والعمل من اجل تنظيم وأنسنة الأهواء  و ملاءمة المختلف فيه ليصبح  ارضية بناء تجمع بتوافق ولو لم يحصل عليها اجماع هذا حصل ويحصل في المجتمعات البدائية كما في المجتمعات الوسيطة والحديثة  ..
ونقف تبعا لذلك على انماط متعددة منها  ..إقامة  ديكتاتورية للأغلبية أو ديكتاتورية للأقلية أو وجود ديكتاتوريات متعددة داخل طبقات وشرائح المجتمع   الكبرى تحكم ما دونها وهكذا وصولا إلى العامة الذين يسمون بمسميات مختلفة في كل عصر او حقبة تاريخية وكلهم متسلطون ومتشبعون  بنزعة حيوانية مؤنسنة إلى موغلة في الحيوانية الغابوية تبيح كل الطرق والوسائل لبسط القوة وإخضاع الناس ولنا في هامان وفرعون ونيرون وكل الديكتاتوريات التي شهدتها البشرية  ..
ان الشخصية الفردية والجماعية تبنى وتهذب بالوعي  بالتنوع في الطبيعة وفي المخلوقات وفي الامزجة والمعارف ..و الاختلاف والتضاد والتكامل والتناقض الذي يتشكل بناء على الميولات والاهتمامات والرغبات يكون مؤطرا بنظريات وأمثال وحكم ونصوص دينية وحتى القوانين  التي لاتستقيم على منوال وفهم واحد بل تتبدل من الفهم إلى إعادة الصياغة للملاءمة .. إلى إخضاع النص لمعطيات الواقع الملموس والطبيعي إلى الإلغاء إلى تعطيل العرف أو حتى تعطيل بعض القواعد  الشرعية …
ان تطور فهم الديانات والاجتهاد الديني .. وترقي الانسان  بوعيه وتقدمه الفكري يقاس بمقدار  حسن تقدير متطلبات العيش المشترك التي هي اولى الضرورات والواجبات  التي قد تعطل لمصالح راجحة فيها خير وفضل راجع وعام  لا  بعض القواعد والنصوص  الدينية ولا الوضعية  ليفسح المجال للبشرية ان تجدد امورها على  متطلبات ومقتضيات الضرورة الشرعية والعقلية  باجتهاد ايجابي لتمارس تقييما موضوعيا لذاتها ولمحيطها وظرفيتها بغاية تجاوز كل المعيقات وإنجاح كل ما يقوي لحمة الجماعة تعاونا وعدلا وتسامحا يضمن رقيا انسانيا مشتركا لحفظ النفس والعقل والمال والعدل ….قال تعالى : ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ) سورة الحجرات ..
وقال تعالى : ( وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ ) سورة الأنعام
ان  الهوى متعدد و متنوع بتعدد ما تميل اليه النفس وتحبه الذات الفردية او الجماعية …والهوى يمكن ان  يناقض الفطرة والضرورة والعادات والمتعارف عليه كما يناقض العقل والدين ..فكلما كثر المنع والرفض للآخر كفكرة وكارادة وكعمل بعلة عدم  الخضوع او الاتباع او للمخالفة  فذلك يعني ان دائرة الحريات والمبادرات الحرة تضيق وتتلاشى لفائدة الولاءات اللاواعية التي تنتج كراهية وحقدا وعداء لايمكن فهمه ولا تبريره ولا القبول به ..
ان الاسلام سمح وجاء للناس كافة ولم يحرم او يمنع إلا القليل القليل جدا بما يحقق مصلحة راجحة بمنهجية تميل إلى التسامح والعفو والتجاوز الايجابي … وللأسف  نجد البعض من المسلمين او المحسوبين على الاسلام في العصور الاولى وما بعدها بالغوا و يبالغون في التضييق والتشديد والتعجيز لدرجة اصدار احكام «جاهلة» كفرت كبار الصحابة والتابعين والعلماء المجتهدين فقتلوا واعتقلوا ونفوا وحوربوا في اسرهم وأرزاقهم وحوصروا حصارا شديدا ..حيث بلغ الوهم والجهل مبلغا خطيرا جعل مجموعات مختلفة في كل الأزمنة من الخوارج إلى يومنا هذا تجعل وفق هواها الضال اللاشرعي الذي تراه هي هو عين الدين ومنطقها الوحيد وان كل ما سواها وما عداها ضال مضل وجاهل وكافر ومعارض ومخالف يجوز اقصاؤه ونفيه في الارض والدعوة لقتله .. وهذا  الحال يسري على كل مجالات الفعل الانساني في العقيدة والمذهب والفلسفة والسياسة والإدارة …هؤلاء هم من صدق فيهم قوله   تعالى: ( أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ ) سورة الجاثية
ان الهوى يتصادم مع العقل والمنطق ومتطلبات الواقع المشتركة ويتسبب في انزلاقات وتناقضات وصراعات لايتحقق من ورائها اي خير او نماء …ويتعارض مع الاخلاق حيث يحصل التناقض والكذب والنفاق وتنعدم الثقة ..فالذين يدعون الورع او الريادة في اي مجال قد يكون من بينهم من يأمر الناس بالبر وينسى نفسه او يامرهم بالعدل فيميل إلى الباطل والظلم  ..او يتغنى بالسلم ويوقظ الفتن والصراعات حيث تتحكم فيه رغباته وأهواؤه بشكل يسئ ويعطل القيم النبيلة التي تدعوا اليها الديانات او الفلسفات والسياسات …
ان الهوى المتحكم فيه بالعقل  وضوابط الصالح العام هو الذي يحقق الصدق ويراكم العمل الجيد ويحقق المصالح العامة للناس كافة بغض النظر عن الدين  او المذهب او اللغة او الجنس …وهو الذي ينتج القيم الكونية التي يميل اليها ويتبناها بكل يسر وإرادة حرة كل من وصلته الفكرة او المبدأ نعلق الامر بحرية التدين وحرية الانتماء وحقوق الانسان ودولة الحق والقانون والمساواة …الخ
عرَّف الامام الغزالي رحمه الله المصلحة بقوله  : …أما المصلحة فهي عبارة في الأصل عن جلب منفعة أو دفع مضرة , ولسنا نعني به ذلك فإن جلب المصلحة ودفع المضرة مقاصد الخلق وصلاح الخلق في تحصيل مقاصدهم ،لكنا نعني بالمصلحة المحافظة على مقصود الشرع ومقصود الشرع من الخلق خمسة وهو: أن يحفظ عليهم دينهم ونفسهم وعقلهم ونسلهم ومالهم , فكل ما يتضمن حفظ هذه الأصول الخمسة ،فهو مصلحة وكل ما يفوت هذه الأصول فهو مفسدة ودفعه مصلحة وإذا أطلقنا معنا المخيل أو المناسب في باب القياس أردنا به هذا الجنس …(.)
قال تعالى : ( فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا ) سورة النساء،
وقال 🙁 وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ ) سورة  المؤمنون

الكاتب : مصطفى المتوكل الساحلي - بتاريخ : 09/06/2017

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.