الأقاليم الجنوبية المغربية:  نموذج متميز للوحدة، و«قطب مداري» للتنمية

السفير محمد الاخصاصي

تمثل الأقاليم الجنوبية، الصحراوية المغربية التي تم تحريرها، من ريقة الاستعمار (نونبر 1975)، في سياق كفاح وطني، تحريري حثيث، منذ سنة 1956، بصفة خاصة – تمثل هذه الأقاليم وساكنتها المكافحة موضوع اهتمام متواصل، ورعاية شاملة، مستدامة من طرف جلالة الملك محمد السادس نصره الله في كل المجالات الاجتماعية والاقتصادية والتنموية والبيئية والحقوقية وغيرها…
وفي هذا الإطار، فقد اضطلعت الدولة، لكونها المستثمر الأول، والمُشغل الأول في هذه الأقاليم المحررة، «بدور مُهيكل»، لـِ»وضع البنيات التحتية والولوج الفعلي للمواطنين إلى الخدمات الأساسية ومحاربة الفقر» (تقرير المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، حول «النموذج التنموي الجديد للأقاليم الجنوبية» المنجز في أكتوبر 2013).
ومن تم فإن المغاربة قاطبة، سواء في الشمال أو في الجنوب، باتوا منخرطين، بإرادة ومثابرة وحزم، في مسيرة كسب رهانين وطنيين، حيويين، متزامنيين، ومتلازمين: أولهما، رهان التنمية الشاملة والمستدامة للأقاليم الجنوبية، الصحراوية للمملكة؛ وثانيهما، إنهاء النزاع المفتعل حول الوحدة الترابية للمغرب.

أولاً: على طريق إرساء «نموذج تنموي جديد» للأقاليم الجنوبية، المغربية:

ففي سياق الرهان الوطني، الحيوي الأول، اضطلعت الدولة المغربية، غداة تحرير الأقاليم الجنوبية بدور أساسي، مُهيكل وفاعل في وضع البنيات التحتية، الضرورية لساكنة هذه الأقاليم التي غادرها المستعمر، بعد أزيد من تسعين سنة من الاحتلال (1884-1975)، وهي ترزح في حالة مؤسفة من الخصاص العمراني، والتخلف الاقتصادي، والهشاشة الاجتماعية الخ…
I/ وهكذا، فبفضل الجهود الحثيثة التي بذلتها الدولة، في ظل الرعاية الملكية الموصولة، «أصبحت المؤشرات المتعلقة بالتربية والصحة، وبتراجع الفقر، اليوم، في الأقاليم الجنوبية، أعلى من نظيرتها على المستوى الوطني»؛ وهو تطور حاسم يترجم أولى ثمار الجهد المبذول في سبيل التوصل، بطريقة ملموسة، إلى محو آثار مخلفات الاستعمار.
وغني عن الإشارة، أن المكتسبات الاجتماعية والاقتصادية والحقوقية والثقافية والبيئية التي حققتها السياسات العمومية، حقيقة، ماثلة، تطال مختلف جوانب إدماج هذه الأقاليم في النسيج الوطني، لعل أظهرها دلالة «وحدة المؤسسات الوطنية، والاستمرارية الترابية، وتطبيق قانون الحق العام، وضمان أمن الأشخاص والممتلكات، وممارسة الحريات الأساسية، الفردية والجماعية، في ظل الشروط والضمانات الدستورية التي تعرفها باقي الجهات». وإنها، لعمري، معطيات وحقائق تجسد أروع تعبير عن وحدة التاريخ، والمصير المشترك بين جهات الجنوب الصحراوي وباقي جهات المملكة.
II/ بيد أنه لا يمكن القول بأن «إقلاعاً اقتصادياً» مكتمل البنيات والروافع قد تحقق في هذه الجهات الجنوبية، إذ بقيت فرص الشغل غير كافية لتخفيض مستوى البطالة (=15% مقابل 10% وطنياً)، وخاصة في صفوف الشباب (=20%) وحاملي الشهادات العليا (=41%)، والنساء (=35%) وغيرها من التحديات السوسيو-اقتصادية.
ومما لا شك فيه، أن هذه التحديات التي تتربص بجهود الدولة في مجال تنمية وتطوير الأقاليم الجنوبية، قد أضحت تمثل مبعث إحساس بالحرمان لدى شرائح من شباب هذه الجهات، وتشكل مثار مطالبة، ملحاحة، مشروعة بالاستجابة الفورية لانتظاراتهم..
III/ وتندرج المبادرة التي أطلقها جلالة الملك محمد السادس، بإرساء «نموذج تنموي جديد للأقاليم الجنوبية»، في خطاب تاريخي لجلالته – تندرج هذه المبادرة الخلاقة في سياق التجاوب الملكي مع ترقبات وانتظارات ساكنة هذه الأقاليم الناهضة.
ويقوم «النموذج التنموي الجديد» للأقاليم الجنوبية على إقرار رؤية بعيدة، وتفعيل مقاربات أكثر تشاركية وإدماجية، وحكامة مسؤولة؛ وهو توجه رشيد، كفيل بإحداث «تحولات» بنيوية واقتصادية واجتماعية وثقافية، من شأنها إرساء التنمية الشاملة والمستدامة على قاعدة التعاون والتضامن، وتوطيد العلاقات الاجتماعية وتعزيز التماسك المجتمعي…
ويُفعل «النموذج التنموي الجديد» للأقاليم الجنوبية على ومرحلتين متتاليتين: مرحلة أولى تمتد على المدى القريب والمتوسط (أفق عشر سنوات)، ينصب الجهد خلالها على إطلاق وأجرأة الدينامية التنموية الجديدة، في اتجاه إنجاز الهدف المرسوم لها: هدف بلوغ مضاعفة الناتج الداخلي الخام لهذه الجهات، وخلق أكثر من مئة وعشرين ألف (120 ألف) فرصة شغل جديدة، وتخفيض نسبة البطالة إلى أقل من النصف.
وأما المرحلة الثانية، فإنها تمتد على المدى المتوسط والبعيد، ويقوم الجهد المبذول خلالها على استثمار نتائج التنمية المحققة في المرحلة الأولى من جانب، وعلى إرساء وتدعيم محطات تنموية جديدة، في مقدمتها، تدعيم قطاع التحويل الإنتاجي، ذي القيمة المُضافة العليا، وتعزيز اقتصاد المعرفة و»الاستعمال الإدماجي لموارد طبيعية جديدة وغيرها من المشاريع والبرامج التحويلية»، من جانب آخر.
IV/ ويرمي «النموذج التنموي الجديد» إلى كسب رهانين حيويين: أولهما، إرساء «توازنات اجتماعية أكثر عدالة»، تستند إلى شبكات تضامن اجتماعي تستهدف الساكنة الأكثر هشاشة، على أساس معايير شفافة؛ ثانيهما، الارتقاء بالأقاليم الجنوبية لتصبح «مداراً حيوياً» بين المغرب الكبير وبلدان إفريقيا جنوب الصحراء، وذلك من خلال إنجاز مشاريع جهوية عملاقة من قبيل إقامة «تكتل اقتصادي بحري»، وإنشاء طرق سيارة ناقلة للطاقة الكهربائية، وبناء الطريق المدارية، الساحلية، وطريق الصحراء، ودعم شبكة الموانئ والنقل البحري والجوي، وإنشاء قواعد لوجيستيكية وتجارية وغيرها من المنشآت الاستراتيجية.
إن الأمر يتعلق في الحقيقة بالعمل، مستقبلاً، على انبثاق «أقطاب تمَيُّز» منفتحة على التعاون المثمر بين المنطقة المغاربية وبلدان جنوب الصحراء في مجالات تنموية مهيكلة، تعزز حظوظ التقدم والتطور في المستقبل المشترك، القريب والبعيد.
وفي هذا المضمار، فإن السياسة الإفريقية التي يرعاها جلالة الملك، الرامية إلى تعزيز التنمية الشاملة والمستدامة بشراكة مع الأشقاء الأفارقة – تتقاطع وتتفاعل مع أهداف «النموذج التنموي الجديد» لأقاليمنا الجنوبية، وذلك في أفق بناء قطب تنموي، نهضوي، جهوي، مستند إلى شروط وقواعد وأطر التعاون والتآزر بين الأقطار المغاربية، شمال الصحراء، والأقطار الإفريقية جنوبها.
وفي هذا الاتجاه، فإن هذه المقاربة التنموية، القارية بين شمال الصحراء وجنوبها، لتبلور رؤية استراتيجية خلاقة، تجعل من شمال إفريقيا وجنوبها قطباً إنتاجياً جهوياً، منخرطاً بقوة في صناعة مستقبل إفريقيا، شمالاً وجنوباً.

ثانياً: رهان إنهاء النزاع المفتعل حول الصحراء المغربية:

I/ إن استحضار وتأمل المسار المنعرج للنزاع المفتعل حول الوحدة الترابية للمملكة المغربية، ليشيان بحقيقة تاريخية، سياسية ماثلة، اليوم، مؤداها أن الكفاح الوطني من أجل إنهاء الوضع الاستعماري، واستعادة الوحدة الترابية للبلاد، وهي أهداف تحررية تدعمها مبادئ الحق والقانون والعدالة، فضلاً عن حقائق التاريخ، لا يُمكن إلاَّ أن تنتصر على دعاوى الانفصال، ومرامي البلقنة التي تبناها حكام الجارة الجزائرية، منذ تحرير المغرب لصحرائه – وهي دعاوى تتوسل تزييف حقائق التاريخ، وتحريف مبادئ القانون الدولي، لتبرير مرامي تروم، في نهاية المطاف، بسط الهيمنة الإقليمية، بأبعادها السياسية والاقتصادية والجيوسياسية، وعزل المغرب عن محيطه الجغرافي، الإفريقي الحيوي.
II/ وقد تمكن المغرب، بفضل إجماعه الوطني للدفاع عن وحدته الترابية، والتحامه المتين حول قيادة جلالة الملك للتصدي، بروية وفعالية، لمناورات خصوم وحدته الترابية، بمختلف حلقاتها العسكرية (1975-1991)، والسياسية والدبلوماسية (1991-2019)، على مدى أزيد من أربعة عقود – تمكن المغرب من تحقيق مكاسب، وتسجيل انتصارات، «وما النصر إلا من عند الله».
ويمكن التوقف اليوم، في سياق مقاربة أهم حلقات ومآلات هذا النزاع المفتعل، عند معطيات موضوعية أربعة، ذات مغزى عميق بالنسبة لحظوظ تسويته سياسياً.
أولها، تمكن المغرب من ردع واحتواء الهجومات العسكرية التي كانت تنطلق من تندوف، تحت مظلة «البوليساريو»، لتمارس إرهاباً مستطيراً ضد المغرب، ظل يهدده في ذات أمن وسلامة مواطنيه بهذه الأقاليم الجنوبية. ولقد شكل بناء الجدار الأمني على امتداد الواجهة الجنوبية الغربية لحدود المغرب مع الجزائر، إحدى آليات الردع والاحتواء.
ثانيها، إقرار المجتمع الدولي-والأممي بوجوب البحث عن حل سياسي، تفاوضي للنزاع، في ظل فشل «مخطط التسوية» (1991-2003) الذي كان يتضمن تفعيل آلية «الاقتراع الاستفتائي» للساكنة الصحراوية. ومعلوم أن فشل تحديد هوية الكتلة المقترعة، قد أقنع الأمم المتحدة باستحالة تنظيم «استفتاء» يحظى بالجدية والصدقية المطلوبتين.
ثالثها، تجاوب المجتمعين، الأممي والدولي، مع مقترح المغرب الرامي إلى إقامة «حكم ذاتي» بالأقاليم الجنوبية، المغربية، موضوع النزاع، كمرتكز للحل السياسي المطلوب، في إطار السيادة المغربية على هذه الأقاليم.
فقد حظى هذا المقترح الجريء، بمضمونه الديمقراطي، وصدقيته السياسية، بوصف «الجدية والواقعية والمصداقية» في تقارير «الأمانة العامة للأمم المتحدة»، كما في قرارات «مجلس الأمن «الدولي»، بكيفية متواترة، منذ تقديمه في أبريل سنة 2007.
وقد ازدادت جدية وصدقية هذا المقترح المغربي، قوة ومصداقية في سياق تفعيل «النموذج التنموي الجديد» الذي أمسى يشكل، بدون منازع، رافعة تنموية قوية، اقتصادية واجتماعية وتكوينية وبيئية، لنظام «الحكم الذاتي».
رابعها، تأكيد قرار مجلس الأمن الأخير (رقم 2440/بتاريخ أكتوبر 2018) على ثلاثة توجهات أممية تروم التقدم في مسار تسوية النزاع وهي: تفعيل الحل السياسي، وتثمين المقترح المغربي لجهة الحكم الذاتي، وتأكيد معلن لمسؤولية الجزائر كطرف أساسي في النزاع، بعد أن ظلت تغذيه سياسياً وعسكرياً، متسترة خلف ادعاء أنها طرف مهتم فقط بـ»حكم الجوار».
ولقد شكلت المائدة المستديرة التي رتبها ودعا إليها المبعوث الشخصي للأمين العام، السيد هورست كولر، والتي ضمت المغرب والجزائر، بالإضافة إلى «البوليساريو» والشقيقة موريتانيا، أول اختبار عملي في اتجاه بلورة نص وروح القرار الأممي الجديد.
ومن جهة أخرى، فإن مصادقة البرلمان الأوروبي، بأغلبية كبيرة، على اتفاقيتي «الفلاحة» و»الصيد البحري» اللتين تشمل مقتضياتهما كافة التراب المغربي، شمالاً وجنوباً، من جانب أول؛ وتصريحات وزير خارجية روسيا حول خطأ وخطل الأطروحة الجزائرية حول الصحراء المغربية من جانب ثان؛ وشمولية الدعم الأمريكي للجهات المغربية كافة، بما فيها الجهات الجنوبية، وغيرها من المواقف الدولية، الجادة والمسؤولة – كلها مؤشرات دالة على التحول الإيجابي الحاصل في المواقف الدولية والجهوية إزاء مشروعية وعدالة قضية الوحدة الترابية للمملكة المغربية.
III/ وأمام هذه التطورات الموضوعية لملف النزاع المفتعل حول الوحدة الترابية للمغرب، فإن استدعاء المنطق، وتحفيز الواقعية لدى الجارة الجزائرية، ولدى وكيلتها في النزاع، «البوليساريو»، التي تتموقع في واجهة النزاع المفتعل – ليقتضيان بكل تأكيد الانخراط الجاد، وبحسن نية، في دينامية التسوية النهائية لهذا النزاع المصطنع.
ولقد شكلت مبادرة جلالة محمد السادس التي أطلقها في خطاب الذكرى الثالثة والأربعين لـِ»المسيرة الخضراء»، والذي دعا فيه جلالته الجزائر إلى إحداث «آلية مشتركة للحوار والتشاور»، تكرس إطاراً مشتركاً لدراسة ومعالجة المسائل الخلافية بين البلدين – شكلت تلك المبادرة حدثاً سياسياً بالغ الأهمية بالنسبة للمنطقة المغاربية من جهة، ومدخلاً سالكاً لتعزيز جهود التسوية السياسية للنزاع المفتعل حول الصحراء المغربية من جهة أخرى.
ومما لا شك فيه، أن هذه التطورات المتسارعة في بنية وشروط الوضع الجيوسياسي في المنطقة المغاربية، لتضع الجزائر الشقيقة أمام خيارين لا ثالث لهما: إما خيار التقدم والانفتاح والتطور، المحكوم بشروط التفاهم والتعاون، وإما خيار التقوقع والقطيعة والنكوص، المفروض بواقع البغي والتنازع والتضارب.
ولما كان الخيار الأول يمثل خيار العقل، وشرط المستقبل المشترك، فإن إرادة الانخراط فيه قد أضحت اليوم، في ظل حالة «الاستثتاء» التي ما فتئت تلاحق أقطار المغرب العربي في مجال التكتل الجهوي والتنمية المجالية المشتركة، مطلباً شعبياً مغاربياً، تلتقي حوله وتتفاعل معه الشعوب المغاربية الخمسة.
ومن نافل القول،أن الاعتبارات السياسية-ذات البعد الاستراتيجي التي تؤطر المساعي المتواترة من أجل تهدئة وتطبيع العلاقات المغربية الجزائرية، سواء تعلق الأمر بالدعوة إلى حل سياسي، سلمي دائم للنزاع المفتعل، أو تعلق بفتح مفاوضات مباشرة، مغربية-جزائرية وفق توصيات الأمم المتحدة- قد أبانت للرأي العام المغاربي والجهوي والدولي جدية وواقعية وحسن نية المملكة المغربية في إيجاد تسوية سياسية عادلة ودائمة للمسائل الخلافية بين المغرب والجزائر، عبر منهجية الحوار والتفاهم والتوافق.
وإن «الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية» الذي يتموقع في طليعة القوى السياسية، الوطنية، الديمقراطية، المناضلة خلف القيادة الرصينة، الحكيمة لجلالة الملك، من أجل ترسيخ الوحدة الترابية للمملكة، واستئناف مسيرة بناء «اتحاد المغرب العربي»، وإحياء أواصر العلاقات المغربية-الجزائرية، كما نسجها الكفاح التحرري المشترك، ليوجه اليوم، من منصة هذه الندوة الوطنية الحاشدة، المنعقدة في مدينة بوجدور، قلب الصحراء المغربية المسترجعة، نداءً متجدداً إلى أشقائه الجزائريين، بمختلف قواهم السياسية، الديمقراطية، وهيئاتهم المجتمعية، الحقوقية والمهنية، إلى العمل المشترك من أجل صنع مصير مشترك، يليق بتطلعات ومطامح أجيال ما بعد استقلال أقطار المغرب العربي.
كما يدعو العقلاء من عناصر البوليساريو، أفراداً وجماعات، إلى التحلي بخصال الوطنية الحقيقية، وإلى التحرر من أوهام المخططات الماكياﭬيلية الجزائرية، وأن يعودوا إلى حضن وطنهم الشامخ، المغرب، الذي يضمن لهم الحرية المسلوبة في مخيمات الاحتجاز، ويعيد إليهم الكرامة المنتهكة في المربعات العسكرية المغلقة الأسوار في لحمادة وتندوف، ويفتح أمامهم فرص المستقبل الزاهر.. فالمغرب كما كان، يظل «وطناً غفوراً رحيماً».
بوجدور، في 2 مارس 2019

الكاتب : السفير محمد الاخصاصي - بتاريخ : 07/03/2019

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.