الحركات الاحتجاجية.. وضرورة إعادة الاعتبار للعمل السياسي..

بقلم مصطفى المتوكل

…إن الحَرَكَة  من مظاهر الفعل والحياة والنشاط الانساني  إيجابا وسلبا..
وفي علاقة بالحراك نذكر بـ  «المِحْراكُ»  الذي يطلق على  الخشبة التي تُحَرَّك بها النار، وفي علاقة بالتدبير السياسي له يفترض أن يكون المسؤولون  في تواصل وحوار ومعالجات للمطالب والسياسات التي أثارت الاحتجاج، لا أن يكونوا  من موقع المسؤولية «كالمِحْراك» الذي يتسبب في تأجيج الاحتقان والتصعيد..
إن الحراك دليل على الحياة، وكاشف للاحوال والاوضاع و الاختلالات والعلل.. وعكسه السكون الذي لايدل  بالضرورة على أن كل شيئ على مايرام  ، فالاخطر أن تكون المعاناة والالم  والمتضررون ساكنين لان ذلك من علامات  المرض المهلك  للمجتمع والوطن بفقد الاحساس وتعطل المناعة والمقاومة التي تسهل العلاج والشفاء ..
قال الشاعر:
هل نقيضُ السكونِ إِلا حراكٌ… ونقيضُ الحراكِ إِلا السكونُ
إن الذين يتعللون  بأن وراء كل حراك اجتماعي وحقوقي واحتجاجي دوافع سياسية  يتعمدون محاربة العمل السياسي ليحتكروه هم والمستهدف أساسا من ذلك  الاحزاب التاريخية المؤسسة للعمل الوطني والتي ناضلت ومازالت  من أجل بناء دولة الحق والقانون وإقرار العدالة الاقتصادية والاجتماعية والتوزيع الديمقراطي للثروه.. وواقع الحال أن وراء الاحتجاجات سياسات حكومية تمس ببعض تشريعاتها المستحدثة وإجراءاتها حقوق الناس وتلحق الضرر بأحوالهم وأوضاعهم وتسعى لسلبهم حتى بعض مكتسباتهم..
إن كل مطالب المحتجين في جوهرها تنتقد سياسات الحكام  وتسعى إلى إقرار بدائل مخالفة لها لتنمية المكتسبات وتحصين الحقوق وتأسيس أخرى تساير الدول الرائدة في المجال الحقوقي والاجتماعي والتنموي  وتحسين الاوضاع وإصلاح اختلالات السياسات  والتسيير والتدبير العمومي…
فهل أصبح البعض بالحكومة يتضايق من دستور البلاد الذي أقر بأن بناء الشأن العمومي  يرتكز على العمل السياسي بالتأطير الذي تقوم به الاحزاب والنقابات وهيئات المجتمع المدني البناءة والجادة ، ليقوم المواطنون والمواطنات  في علاقتهم بالسياسة  بالمشاركة  الفعلية في الشؤون العامة والترابية وتولي المسؤوليات
حيث ((السيادة للامة، تمارسها مباشرة بالاستفتاء، وبصفة غير مباشرة بواسطة ممثليها . تختار الامة ممثليها في المؤسسات المنتخبة بالاقتراع الحر والنزيه والمنتظم.)) الفصل الثاني من الدستور…
إن الحراك فعل أو رد فعل  لاثارة الانتباه لمشكل وقضية  أو ظلم أو انحراف .. وجب ويجب أن  يتعامل معه المسؤولون  بما يعيد الاطمئنان ليس بالوعود والتهديد والتشكيك والتبخيس ، بل بالمعالجة الفعلية المادية والمعنوية..
والحراك المتكرر والمستمر لازمنة دليل على أن المسؤولين إما أنهم لايهتمون بالامر، أو  أنهم راضون ومتشبثون ببقاء أسباب الاحجاج  إلى أن  يتلاشى، أو أنهم يميلون  إلى اعتماد أخف الضررين وفق قناعتهم ونصائح المؤسسات النقدية ببعدها الرأسمالي الليبرالي  المخالفة لقناعات ومصالح الطبقات الشعبية والشغيلة..

إنه‮ ‬ليس تفريغا للمكبوت ورغبة في‮ ‬التظاهر كطقس‮ «‬فولكلوري‮»‬،‮ ‬بل هو تعبير إنساني‮ ‬ديموقراطي‮ ‬،حضاري‮ ‬ودستوري‮ ‬وظاهرة صحية و‮‬يحمل قيم المواطنة الحقة من أجل حث من‮ ‬يعنيهم الأمر‮ ‬للقيام بالإصلاح والتغيير‮ ‬وللتجاوب مع مطالب‮ ‬يمكن استخلاصها من عناوين و موضوعات التظاهر‮ ‬والشعارات المرفوعة و التي‮ ‬تتدرج في‮ ‬رفع سقف المطالب بسبب‮ ‬تعصب وتناور ورفض‮ ‬يصطبع بصور‮ ‬العبوس والتولي‮ ‬والمواجهة‮ ‬التي‮ ‬يبرزها‮ ‬بعض المسؤولين المعنيين بالتعامل‮ ‬مع‮ ‬التظاهر‮..‬
إن أي‮ ‬تشريع عندما‮ ‬يوضع دون الأخذ بعين الاعتبار رأي‮ ‬وإرادة ومصالح الشعب أو فئات منه،‮ ‬يكون من مصادر وأسباب‮ ‬المشاكل والأزمات والاحتقان‮ ‬«كما هو الحال في‮ ‬ملفات الأراضي‮ ‬السلالية والغابوية والعدالة المجالية‮ ‬فيصبح من الضروري‮ ‬والواجب‮ ‬تعطيل المواد المثيرة للمشاكل أو إلغاء التشريع كاملا إن كانت بنيته تقوم على التأزيم وتؤدي‮ ‬له،‮ ‬ذلك أن حتى النصوص الدينية المقدسة تقتضي‮ ‬المصلحة الشرعية الراجحة‮ ‬أحيانا‮ ‬الاجتهاد في‮ ‬تأويل وتفسير النص بما‮ ‬يستحضر‮ ‬التيسير وليرفع عن الامة الاحراج والتعقيد‮‬».‮ ‬
إن التشريع الذي‮ ‬لا‮ ‬يطور ولايحسن أوضاع الشعب ولايحقق عدالة شاملة‮ ‬دون تمييز‮ ‬تضطرب عدالته وقد تتعطل‮ ‬،‮ ‬لهذا من الطبيعي‮ ‬والمنطقي‮ ‬أن تقوم الشعوب وحكوماتها الوطنية‮ ‬بعد‮ ‬تحررهم‮ ‬من الاستعمار ‬بإسقاط‮ ‬قوانينه‮ ‬وتشريعاته وسياساته الظالمة‮‬،‮ ‬وتعديل وملاءمة البعض منها لما فيه مصالح الوطن والشعب‮‬،‮ ‬ووضع تشريعات جديدة بيناء الدولة المستقلة المنشودة‮ ..‬
إننا أصبحنا في‮ ‬حاجة‮ ‬إلى إحداث أمانة عامة مستقلة عن الأمانة العامة للحكومة‮ ‬تمثل المجتمع المدني‮ ‬والكفاءات العلمية والديموقراطية والحقوقية مهامها مراقبة مشاريع القوانين ليس فقط من حيث دستوريتها بل من حيث عدم مساسها بمصالح الشعب وحقوقه ومكتسباته‮. ‬أو ما سيترتب عليها من‮ ‬آثار‮ ‬ستؤزم وتؤثر سلبا‮ ‬على مستقبل استقرار وتقدم أحوال الناس في‮ ‬جميع القطاعات‮ ‬،‮ ‬وأن تكون لها قوة معنوية لتعطيل ما‮ ‬يمكن أن‮ ‬يشكل تراجعا‮ ‬سيتسبب في‮ ‬إثارة الاحتجاجات‮ ‬أو رهن سياسة الدولة وظروف عيش الاجيال اللاحقة‮ ..‬
إن سياسة البعض بحكومات العالم الثالث‮ ‬تخالف وتناقض نفسها‮ ‬وأحيانا تبطل‮ ‬العديد‮ ‬مما كانت تنادي‮ ‬وتتزايد به في‮ ‬حملاتها الانتخابية للظفر بأصوات الناخبين وللوصول إلى الحكم‮‬،،‮ ‬وهذا‮ ‬يوصف في‮ ‬أبسط‮ ‬أوجهه‮ ‬بعدم الوفاء‮ ‬بالالتزامات والعهود والمواثيق‮ ‬التي‮ ‬هي‮ ‬تعاقد رسمي‮ ‬بين طرفين‮ : ‬من كان‮ ‬يسعى للحكم والشعب‮ ‬يمارس سيادته‮..‬
إن من‮ ‬يريد أن‮ ‬يحارب الفقر‮ ‬ويضع حدا للاحتجاج‮ ‬عليه أن‮ ‬يزيل الأسباب‮ ‬،‮ ‬ومن‮ ‬يبتغي‮ ‬إصلاح‮ ‬أي‮ ‬قطاع‮ ‬فعليه‮ ‬أن‮ ‬يجعل خدماته‮ ‬في‮ ‬مستوى تطلعات‮ ‬المواطنين‮ ‬والمواطنات وليس بالاستناد إلى حلول‮ «‬مفترضة‮» ‬تكون آثارها متسببة في‮ ‬تدهور الأوضاع واختلال التوازنات المرتبطة بالعدالة الاقتصادية والاجتماعية التي‮ ‬يقوم عليها الاستقرار‮..‬
فبعد كل الذي‮ ‬حصل ويحصل‮ ‬والذي‮ ‬وسع‮ ‬من فقدان الثقة‮ ‬والعزوف‮ ‬ورفع منسوب اليأس والتذمر‮‬،‮ ‬متى‮ ‬سيسترجع العمل السياسي‮ ‬اعتباره؟‮‬، إننا أمام ضرورة‮ ‬أخلاقية وسياسية تفرض على‮ ‬الجميع بالحكومة والمسؤوليات المختلفة وبالأحزاب والنقابات‮ ..‬إلخ‮ .. ‬ممارسة نقد ذاتي‮ ‬كأفراد وكهيئات‮ ‬والاعتراف بالأخطاء‮ ‬وامتلاك الجرأة والإرادة القوية في‮ ‬تغيير وتصحيح المسارات‮ ‬ومراجعة الالتزامات والبرامج ومناهج العمل لتتجاوب وانتظارات وتطلعات الوطن والشعب،‮ ‬والابتعاد عن التجريب والتقليد والارتجال في‮ ‬القضايا الصغرى والكبرى وادعاء احتكار المعرفة‮‬،‮ ‬وعدم الاعتراف بوعي‮ ‬الآخرين وقدرتهم على التأثير والفعل في‮ ‬مسارات الدولة والوطن‮.‬

الكاتب : بقلم مصطفى المتوكل - بتاريخ : 05/04/2019

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.